٣.٢ النقد التطبيقي في الوسيلة الأدبية


النقد التطبيقي في الوسيلة الأدبية
اشتمل كتاب (الوسيلة الأدبية) على الكثير من النقد التطبيقي والموازنات النقدية، ومن أهم العمليات النقدية التي قام بها المرصفي في كتابه: وقوفه مع الباقلاني في نقده لمعلقة امرئ القيس التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وقد اختلف المرصفي مع الباقلاني في مبدإ الموازنة بين القرآن الكريم والشعر الجاهلي، ثم ناقشه في العيوب التي أخذها على امرئ القيس.
وتتمثل هذه العيوب في عدم الفائدة أو قلتها من جهة المعنى، والتكلف، والتناقض.
ومن أمثلة نقد الباقلاني لامرئ القيس في معلقته, قوله بعد أن أورد البيتين الأول والثاني: "ليس في البيتين شيء قد سبق في ميدانه شاعرا ولا تقدم به صانعًا، وفي لفظه ومعناه خلل، فأول ذلك أنه استوقف من يبكي لذكرى الحبيب, وذكراه لا تقتضي بكاء الخلي، وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا على أن يبكي لبكائه, ويرق لصديقه في شدة برحائه، فأما أن يبكي على حبيب صديقه وعشيق رفيقه فأمر محال.
فإن كان المطلوب وقوفه وبكاؤه أيضًا عاشقـًا؛ صح الكلام من وجه، وفسد المعنى من وجه آخر؛ لأنه من السخف ألا يغار على حبيبه, وأن يدعو غيره إلى التغازل عليه والتواجد معه فيه.

٣.٢ النقد التطبيقي في الوسيلة الأدبية


ثم في البيتين ما لا يفيد من ذكر هذه الأماكن؛ من الدخول وحومل وتوضح والمقراة وسقط اللوى، وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف بعض هذا، وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربًا من العي.
ثم إن قوله: لم يعف رسمها... ثم قوله: قد عفا فيه تناقض... وفي قوله: نسجتها, فيه خطأ لغوي؛ إذ كان عليه أن يقول: نسجها، وكذلك قوله: رسمها كان الأولى أن يقول: رسمه....".
ورد المرصفي على الباقلاني, واعتذر لامرئ القيس، وشرح الأبيات شرحًا أدبيًّا يدل على ذوقه الراقي وتسامحه الكبير وفهمه الدقيق للشعر.
وبين أن المراد بالحبيب والمنزل: الجنس، فالتنكير فيه للتنويع لا للإفراد، فكأنه قال: ليقف كل منا يبكي صفاء عيشه الماضي وسرور أوقاته, أو تمتعه بحبيبه في تلك المنازل الشاغلة لتلك النواحي التي سماها, وطوى في ذلك الحديث عن كثرة العمران ونظم المجتمع..... إلى آخر ما قال.
ودفع المرصفي التناقض عن امرئ القيس، وفسر قوله: (دارس) على معنى المشارفة على الدروس والقرب منه, وهو مجاز مشهور الاستعمال، حملوا عليه قوله تعالى: ((فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة: ٢] أي: المشارفين للتقوى الصائرين لها. ومع اختلاف المرصفي مع الباقلاني؛ فإنه أثنى عليه وعلى علمه، وأعطاه حقه من التقدير.