٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


الاستغاثةُ هي نوع من أنواع النداء، ولكنها لغرَض مخصوص؛ فهي نداء مَن يُخَلِّص من شِدّة، أو يُعِين على دفْع مشقّة، كقول عمر -رضي الله عنه- لمَّا طُعِن "يا لَلَّهِ لِلمسلمين"، فعمرُ نادَى ربَّه مستغيثًا به سبحانه وتعالى ليُخلّص المسلمين من الشدة التي نزلت بهم بطعنه، وتقول: يا لَرجالِ الإطفاء لِلحريق؛ ليُعينوا على دفع الحريق، ويساعدوا على التخلص منه.
والاستغاثةُ لا يُستعمل معها من بين سائر حروف النداء سوى "يا"، وذلك لأمرين:

الأول: لأنها تحتاج إلى مدّ الصوت الذي تحققه "يا"؛ إذ المدّ أعون على إسراع الإجابة التي يحتاج إليها المستغاث له، فلا يقال: إن "يا" لنداء البعيد، فيلزم ألا يُستغاثَ بالقريب إلا إن كان كالبعيد.
والآخَر: لأن الاستغاثة ليست نداءً عاديًّا محضًا الغرضُ منه مجرد طلب إقبال المنادَى، وإنما هو نـداء مصحوب بطلب التخليص من شدة، أو العون على دفعها كما سبق، ولهذا لا يستعمل معه إلا أم أدوات النـداء وأقـواها وهي "يا"، فلا يَرِد بغيرها إلا ضرورةً أو شذوذًا، كقول الأخوص (أو الأحوص) بن شُرَيحٍ الكِلابيِّ:

تَمَنَّانِي لِيَلْقَانِي لَقِيطٌ
أَعَامِ لكَ بنَ صَعْصَعةَ بنِ سَعْدِ


٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


قوله: "أعامِ" يعني: يا عامِرُ، وقد رخّمه الشاعر بحذف آخره وهو الراء.
وكان لَقيطُ بنُ زرارةَ التميمي قد توعَّدَ الشاعر وتمنى أن يلقاه فيقتلَه، فقال هذا البيت لقومه بني عامر ليُعينوه على دفع هذا الوعيد، والشاهد فيه قوله "أعام"، أي: يا عامرُ، حيث استعمل الشاعر الهمزة في الاستغاثة بدلًا من "يا" ضرورة أو شذوذًا.
وتجيء الاستغاثة على صورة من ثلاث صور:


الصورة الأولى
أن يُؤتَى بالمستغاثِ به (ويقال له: المستغاث أيضًا) –وهو المنادَى– مجرورًا بلام مفتوحة غالبًا (وستعرف أنها تكسر في موضعين فقط، وتفتح وجوبًا في غيرهما)، ثم يؤتى بالمستغاث له (ويقال له: المستغاث لأجله، أو من أجله) يؤتى به مجرورًا بلام مكسورة غالبًا أيضًا (وستعرف أنها لا تفتح إلا مع المضمَر غير الياء)، كالعبارة التي قالها عمر -رضي الله عنه- وقول قيس بنِ ذَريحٍ أو غيره:
تَكَنَّفَنِي الوُشاةُ فَأَزعَجُونِي
فَيَا لَلنَّاسِ لِلْواشِي المُطاعِ


٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


"تكَنَّفَنِي الوشاةُ"، أي: أحاطوا بِي، والوشاةُ: جمع الواشي، وهم الساعون بين الناس بالإفساد. والشاعر يريد بالواشي المطاعِ: أن زوجه تطيع الوشاة إذا حملوها على هجره والبعد عنه. والشاهد في البيت قوله "فيا لَلناسِ لِلواشي"، حيث فَتح اللامَ مع المستغاث وهو "الناس" وكسرها مع المستغاث له وهو "الواشي".
ومثله قول أُميةَ بنِ أبي عائذٍ الهذلي:

َلَا يا لَقومِ لِطَيْفِ الخَيَالِ
َرَّقَ، مِنْ نازِحٍ ذِي دَلاَلِ

الطَّيْفُ: ما يَطِيف بالإنسان في نومه من خيال مَن يهوَى، وأَرَّقَ تأريقًا: منَعَ النومَ وسَهَّدَ، وقوله: "من نازِحٍ": أي: من بعيدٍ. والشاهد فيه فتح لام المستغاث وهو المجرور باللام الأولى، وكسر اللام مع المستغاث له وهو طَيْفُ الخيال، ومعناه: مَن لِطَيف الخيال من بعيدٍ نازح ذي دلال وحُسن يُؤرِّقني.


٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


الصورة الثانية
أن يؤتى في آخر المستغاث به بألف عوضًا من اللام المفتوحة في أوله، نحو قولك: يا زيدَا لِعمرٍو، وكقول الشاعر:
يا يَزِيدَا ِلآمِلٍ نَيْلَ عِزٍّ
وغِنًى بعدَ فاقةٍ وهوانِ

الفاقة: هي الفقر، والهوان: هو الذل. والشاهد فيه قوله: "يا يزيدَا" حيث حَذف منه لامَ الاستغاثة لأجل الألف في آخره، واللام في"لآمِلٍ" مكسورة لأنه المستغاث من أجله.

الصورة الثالثة
أن يؤتى بالمستغاث وقد خلا من اللام المفتوحة في أوله والألف في آخره، نحو قولك: يا خالدُ لِبكرٍ، وكقول الشاعر:
أَلَا يا قومِ لِلْعَجَبِ العجِيبِ
ولِلْغَفَلاَتِ تَعْرِضُ لِلأرِيبِ


٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


الأريب: العالِم بالأمور. والشاهد في البيت قوله: "يا قومِ" حيث جاء المستغاث خاليًا من اللام في أوله والألف في آخره، واللام في "لِلعجب" مكسورة لأنه المستغاث له.
وتسمى اللام الداخلة على كل من المستغاث والمستغاث له "لامَ الاستغاثة"، وأُدخلت هذه اللام عليهما؛ لتكون علامةً على الاستغاثة، وإنما اختيرت اللامُ لمناسبة معناها للاستغاثة؛ لأنها لامُ التخصيص، والمستغاثُ مخصوصٌ من بين أمثاله بالدعاء, والمستغاث له مخصوص من بين أمثاله بالدعاء له.

وإنما فتحت مع المستغاث لأمور هي:
الأول
للفرق بينه وبين المستغاث له، وذلك أنه قد يلي "يا" ما هو مستغاثٌ له، والمستغاثُ محذوف، كقولك: يا لِلْمظلومِ، ويا لِلضَّعيفِ، أي: يا لَقومِ لِلمظلومِ، ويا لَقومِ لِلضعيف، فلو كانت لام المستغاث مكسورة لالتبس بالمستغاث، وقد استُدِلَّ على ذلك بأنكَ إذا عطفتَ على المستغاث، كسرتَ لام المعطوف مع أنه مستغاثٌ أيضًا؛ لعدم اللبس، نحو: يا لَزيدٍ ولِبكرٍ لِخالدٍ، ومن ذلك قول الشاعر:
يَبكيكَ ناءٍ بعيدُ الدارِ مُغْتَرِبٌ
يا لَلْكُهولِ ولِلشُّبَّانِ لِلْعَجَبِ


٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


بكسر لام "ولِلشُّبّانِ". ومعنى البيت: يبكي عليك الغريب, ويُسرُّ لموتك القريب، وذلك من الأعاجيب.

الثاني
لوقوع المستغاث موقع المضمر الذي تفتح لام الجر معه؛ إذ هو منادى، والمنادى وقع موقع ضمير الخطاب كما تقدم، وضمير الخطاب تفتح معه لام الجر نحو: لَك، ولَه.
فإذا قيل: فلأيِّ شيءٍ إذا عطفتَ مستغاثًا على مستغاث كسرتَ اللام في المعطوف؟
فالجواب: أنه إنما كُسرت اللام مع المستغاث المكرر بالعطف هنا؛ لأنه لمّا بعُـدَ عن "يا" صار كأنه لم يقع موقع المضمر، ولأن عطفه على المستغاث يدل على أنه مستغاث لا مستغاث له، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه؛ بدليل أنهم يقولون: يا زيدُ والرجلُ، فتعطفُ ما فيه الألف واللام على المنادى، وإن كان المعطوف لا يجوز أن يُنادى إلا في الضرورة، ولهذا كله رُدّت اللام إلى أصلها وهو الكسر.


الثالث
لأن الفعل لا يظهر معها، أي مع لام المستغاث؛ إذ حرف النداء بدلٌ من اللفظ به، ويظهر مع لام المستغاث له، فتقول: يا لَماجِدٍ أدعوكَ لِبِشْرٍ، فغُيِّرت الأولى التي هي لام المستغاث كما غُيِّرَ الفعل بالحذف، وتُركت الثانيةُ على المستعمل فيها لظهور الفعل معها على ما يجب في الأصل.

٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


ويستثنى من وجوب فتح لام المستغاث حالتان تُكسَر فيهما:
إحداهما: إذا كُرِّرَ المستغاث بالعطف كما ذكرنا، بشرط ألا تتكررَ "يا" مع المستغاث المعطوف المكرر، كالشاهد السابق. أما إذا تكررت "يا" مع المستغاث المعطوف، فإن اللام تفتح معه أيضًا، كقول الشاعر:

يا لَقومِي ويا لَأَمثالِ قومي
لأُناسٍ عُتُوُّهمْ في ازْدِيادِ

والأخرى: إذا كان المستغاث ياءَ المتكلم؛ لاستحالة فتح اللام معها، نحو "يا لِي"، وقد أجاز أبو الفتح ابنُ جني في قول المتنبي:
فيا شَوْقُ ما أَبْقَى ويا لِي مِنَ النَّوَى
ويا دَمْعُ ما أجْرَى ويا قَلْبُ ما أَصْبَى


٧.٣ الاستغاثة: معناها، وأداتها، وصورها


أن يكون الشاعر قد استغاث بنفسه، وأن يكون قد استغاث لنفسه، والشاهد في قوله: "يا لِي"، ولفظ "ما" في البيت بشطريه تعجبية.
وأوجب ابن عصفور فيه أن تكون اللام داخلةً على المستغاث له، لا المستغاث.
ويستثنى من كسر لام المستغاث له دخولُها على المضمر غيرِ الياء، فإن دخلت على المضمر غيرِ ياء المتكلم فُتحت، نحو: يا لَلهِ لَكَ، أو له،... إلخ. والله أعلم.