٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
من الأسماء ما لا يُستعمل إلا منادى، فهي ملازمةٌ للنداء، فلا يُتصرَّف في أيٍّ منها، بأن يُستعمل مبتدأً، أو فاعلًا، أو مفعولًا في غير النداء، أو مجرورًا... إلخ، وهي قسمان: مسموعٌ، ومقيسٌ، والمسموعُ كثيرٌ، وقد أشار سيبويه في الكتاب إلى بعض منه، فبعد أن استدلَّ على تعريف ما نقصده من الأسماء المناداة، ذاكرًا أن حرف النداء يُغني هذا المقصود عن الألف واللام قال: "ومن هذا النحو أسماءٌ اختُصَّ بها الاسمُ المنادى لا يجوز منها شيءٌ في غير النداء، نحو: يا نَوْمَانُ، ويا هَناهُ، ويا فُلُ" اهـ. و"نَوْمَانُ" –بفتح أوله وسكون ثانيه– معناه: كثير النَّوم، فيقال لكثير النَّوم: يا نَوْمانُ. قال الشاعر:
|
إذا قلتُ: يا نومانُ لم يَجْهَلِ الذي |
|
يُريدُ، ولم يأخذْ بشيءٍ سِوى حِجْلِي |
والحِجْلُ: هو الخَلْخالُ. ومن المسموع أيضًا قولُهم فيمَن جُهِلَ اسمُه: يا هَنُ أقبلْ، ولمن جهل اسمها: يا هَنْتُ، وقد يَلِي آخرَهُما ما يلي آخِر المندوب من الألف والهاء، فيقال: يا هناهُ، بضم الهاء الأخيرة تشبيهًا لها بهاء الضمير، ويا هناهِ بكسر الهاء على أصل التخلص من التقاء الساكنين، وهم يَكنون بهذين الاسمين عن نكرتين من جنس الإنسان قيل: وهما –مع ذلك- من كلمات الذم، قال امرؤ القيس:
|
وقد رابَنِي قولُها: يا هَنا |
|
هُ ويحكَ أَلْحَقْتَ شرًّا بِشَرّْ |
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
فمعنى: يا هناهُ: يا رجلَ سوءٍ.
وذكر ابن الشجري أن البصريين قد اختلفوا في أصل تركيب هذه الكلمة ووزنها، فذهب بعضهم إلى أن أصلها: هَناوٌ، فَعَالٌ مِن هَنُوكَ، فأبدلوا من الواو هاءً. وقال آخرون: بل أبدلت من الواو الهمزةُ؛ لوقوع الواو طرَفًا بعد ألف زائدة، ثم أُبدلت من الهمزة الهاءُ، كما قالوا في إيّاكَ: هِيَّاكَ، وهذا عندي هو الصواب. وقال قوم منهم: إنَّ الهاء أصلية، وليست ببدل، وجعلوها من الكلِم التي جاءت لامها في لغةٍ هاءً، وفي أخرى واوًا، كسنةٍ وعِضَةٍ. وقيل: إن هذا القول ضعيف؛ لأن باب سنةٍ وعِضَةٍ قليل فلا يقاس عليه. وذهب بعضهم إلى أن الهاء في قولهم: يا هناهُ، هاءُ السَّكْت، وهذا قول ضعيف جدًّا؛ لأن هاء السكت لا تُحرَّك في السَّعة.
وذهب الأخفش وأبو زيدٍ الأنصاريُّ والكوفيون إلى أن الألف والهاء زائدتان، وأن لام الكلمة محذوفة، فوزن "هَناهُ" فَعَاهُ، وقد رَدَّ هذا القولَ ابنُ جني.
وعلى هذا المذهب الأخيرِ تأتي مسائل التثنية والجمع في المذكر والمؤنث، والألفُ والهاءُ في كونهما زائدتين فيه، كالألف والهاء في الندبة، إلا أن هذه الهاءَ ليست بهاء السكت؛ لأن هاء السكت لا تُحركُ في حال السَّعةِ كما سبق، يقال في التثنية على هذا: ياهَنانِيهِ أقبلا، للمثنى المذكر، فالألف في هَنانِيهِ علامةُ التثنية، وصارت ألف هَناهٍ بعد نون التثنية ياءً لمجانسة كسرة التثنية على النون، ثم انكسرت الهاء لمجاورة الياء، كما انكسرت هاءُ الضمير في عليه وإليهِ ونحوهما، وتقول في الجمع: يا هَنُونَاهُ أقبلوا، فالواو علامة الجمع، وثبتت ألف هَناهٍ بعد نون الجمع لانفتاح النون.
فإن قيل: كيف جاز جمعُ هذا الاسم جمعَ مذكر سالمًا، مع أنه بمعنى رجل، ولا يجمع هذا الجمع إلا العلَمُ والوصفُ المشتق؟
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
فالجواب: أنه إنما جاز ذلك فيه؛ لأنه في هذا القول: من الأسماء التي دخلها التغيير بحذف لاماتها، فعوَّضوها الجمعَ بالواو والنون، على حدّ قولهم في سَنةٍ: سِنُونَ.
وتقول في تأنيثه: يا هَنَتَاهُ أقبلِي، كما تقول: يا امرأةُ، وفي التثنية: يا هَنَتَانِيهِ أَقبِلا، صارت الألف التي في هَنَتَاهُ ياءً؛ لانكسار نون التثنية قبلها، وانكسرت الهاء لوقوعها بعد الياء الساكنة كما مرَّ، وفي الجمع: ياهَناتُوهُ أقبلنَ، فالألف في هَنَاتُُوهُ ألف جمع التأنيث، وانقلبت ألف هَنَتَاهٍ واوًا لمناسبة ضمة التاء قبلها، وانحذفت التاءُ التي في هَنَتاهٍ لمجيء تاء جمع التأنيث بعدها.
ومن المسموع مما اختُصَّ بالنداء قولهم: "فُلُ" بضمتين، و"فُلَةُ" –بضم الفاء- وقد خصَّ سيبويه هذا الاسمَ بحديث فيه بعضُ البسط، فقال في الكتاب: "وأمَّا قول العرب: يا فُلُ أقبلْ، فإنهم لم يجعلوه اسمًا حذفوا منه شيئًا يَثبت فيه في غير النداء، ولكنهم بنَوْا الاسم على حرفين، وجعلوه بمنزلة دَمٍ. والدليل على ذلك أنه ليس أحدٌ يقول: يا فُلَ. فإنْ عَنَوا امرأةً قالوا: يا فُلَة. وهذا الاسم اختُصّ به النداءُ، وإنما بُني على حرفين لأن النداء موضع تخفيف، ولم يَجز في غير النداء؛ لأنه جُعِلَ اسمًا لا يكون إلا كنايةً لمنادى، نحو: يا هناهُ، ومعناه: يا رجلُ.
وأما فلانٌ فإنما هو كنايةٌ عن اسمٍ مُسمًّى به المُحَدَّثُ عنه، خاصٌّ غالبٌ. وقد اضطُرَّ الشاعر فبناه على حرفين في هذا المعنى. قال أبو النجم:
في لَجَّةٍ أمسكْ فلانًا عن فُلِ" اهـ.
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
اللَّجَّة –بفتح اللام– أي اختلاط الأصوات. قال الأعلم: الشاهد في البيت استعمال "فُلِ" مكان "فلانٍ" في غير النداء ضرورة، وفي وضعه له هذا الموضعَ تقديران:
 |
أحدُهما: أن يكون أراد: عن فلانٍ، فحذفَ النونَ للترخيم في غير النداء، ثم حَذفَ الألف لزيادتها. |
 |
والآخر: أن يكون نقلَه محذوفًا من قولهم: يا فُلُ ضرورةً. |
فالأعلم سار في تقديريه على مذهب سيبويه في بيت أبي النجم، مفسِّرًا معنى الضرورة فيه، مسلِّمًا لسيبويه حملَ البيت المذكور على الضرورة الشعرية؛ فإمّا أن يكون الأصل: عن فلانٍ، فاضطُرَّ الراجز إلى حذف الألف والنون، وإمّا أن يكون قد نقل الاسم من النداء فحذف حرف النداء وجرَّه بحرف الجر للضرورة.
وفي التصريح قال الشيخ خالد معلِّقًا على رجز أبي النجم: "قال ابن مالك: هو "فُلُ" الخاصُّ بالنداء، اُستُعمل في غير النداء مجرورًا بعن للضرورة، وصرَّحَ بذلك في النظم فقال:
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
|
وشاع في سب الذكور فعل |
|
ولا تقس، وجُرَّ في الشعر "فُلُ" |
وليس كذلك، والصواب أن أصل "فُلُ" هذا المجرورِ بعن: فلانٌ، وأنه حُذف منه الألف والنون، والتقدير: أمسكْ فلانًا عن فلان، أي: عن ذكره". ثم قال "وليس حَذف الألف والنون منه للترخيم، وإنما هو للضرورة، كقوله -وهو لبيد:
|
دَرَسَ المَنا بِمُتالِعٍ فَأَبَانِ |
|
فتَقادَمَتْ بالحَبْسِ فالسُّوبَانِ |
أي: دَرَسَ المنازِلُ، فحذَفَ الزايَ واللامَ ضرورةً.
و"دَرَسَ": عَفَا، و"مُتالِع " –بضم الميم وبالتاء المثناة فوق– اسمُ موضع، وقيل: جبل، وكذلك "أَبان" –بالموحدة، و"الحَبْس"– بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة، وفي آخره سينٌ مهملة، و"السُّوبان" بضم السين المهملة وسكون الواو، وبالباء الموحدة، وفي آخره نون– أسماءُ مواضع" اهـ.
وقبل بيت أبي النجم الذي أورده سيبويه في النص السابق بيت قال فيه أبو النجم:
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
|
تَضِلُّ منه إبلِي بالهَوْجَلِ |
وهما بيتان من مشطور الرجز، والراجز في البيتين يصف إبلًا تتزاحم وتتدافع، وقد أثارت الغبار، فيُشبهُها في تزاحمها وتدافُعِها بقومٍ شيوخٍ في لَجَّةٍ، أي في جلبة واضطراب واختلاط الأصوات في الحرب، يدفع بعضهم بعضًا، فيقال: أمسك فلانًا عن فلان، وخَصَّ الشيوخَ لأن الشبان فيهم التسرُّعُ للقتال، والهَوْجل: الفلاة التي لا أعلام بها, والشاهد في البيت الثاني وهو الذي أورده سيبويه، وهو قوله: "عن فُلِ"، حيث يرى سيبويه أنه "فلانٌ"، والحذف للضرورة، ويرى ابن مالك أنه "فُلُ" الخاصُّ بالنداء، واستعمل مجرورًا للضرورة.
فإذا أردنا أن نقف على مذهب سيبويه في قولهم: يا فُلُ، ويا فُلَةُ في ضوء النص السابق، عرفنا من تحليله ما يلي:
 |
أولًا: هذان الاسمان كنايتان عن نكرتين من جنس الإنسان، ومعناهما: يا رجلُ، ويا امرأةُ. |
 |
وثانيًا: هما مختصتان بالنداء فلا يخرجان عنه. |
 |
وثالثًا: مادتهما: "ف ل ي"، أي الفاء واللام والياء، أو "ف ل و" أي الفاء واللام والواو، وتصغيرهما -إذا سُمِّيَ بهما: "فُلَيٌّ"، و"فُلَيّةٌ"، وأما "فلانٌ" و"فلانةٌ" فكنايتان عن الأعلام الشخصية، ولا يختصان بالنداء، ومادتهما "ف ل ن" أي الفاء واللام والنون، وتصغيرهما: "فُلَيِّنٌ"، و"فُلَيِّنَةٌ"، َفهما غيرُهما معنًى، وحكمًا، ومادةً. |
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
وقال الكوفيون وأبو عليٍّ الشلوبينُ وابن عصفور وضياء الدين بن العلج وابنُ مالك: إن أصل يا فُلُ ويا فُلَةُ: يا فلانٌ ويا فلانة، فهما كنايتان عن الأعلام الشخصية، وإنهما لا يستعملان محذوفين إلا في النداء، فقولك: يا فُلُ، كنـايةٌ عن قـولك يا زيدُ أو يا عمرُو أو نحوهما، وقولك: يا فُلَةُ، كنايةٌ عن قولك: يا فاطمةُ أو يا زينبُ أو نحوهما.
ثم اختلفوا في سبب حذف الألف والنون منهما في النداء؛ فقال الكوفيون: للترخيم، وقال الباقون: للتخفيف، وردّ ابن مالك قول الكوفيين بأنهما لو كانا مرخَّمين ٍلقيل في يا فلانٌ: يا فُلَا، بحذف الحرف الأخير فقط وهو النون؛ إذ لا يُحذف في الترخيم مع الآخِر ما قبله من مدّ زائد إلا إذا كان المرخَّم خماسيًّا فصاعدًا، و"فلانٌ" على أربعة أحرف، فلا يحذف منه في الترخيم سوى النون، ولقيل في المؤنث: يا فلانَ بحذف التاء فقط كما سنعرف في مبحث الترخيم إن شاء الله تعالى.
ومن المسموع –أيضًا– قولهم: يا لُؤْمانُ –بضم اللام وسكون الهمزة، بمعنى: يا عظيم اللؤم، وبمعناه وحكمه قولهم: يا مَلْأَمُ.
ومن المسموع كذلك ما جاء على وزن "مَفْعَلان" في المدح والذم. ذكر الأكثر أنه مسموعٌ لا يقاس على ما جاء منه، والذي سُمع منه ستةُ ألفاظ، هي: يا مَكْرَمانُ، ويا مَطْيَبانُ، يريدون المبالغة في الوصف بالكرم والطِّيبة، ويا مَلْأَمانُ، ويا مَلْكَعَانُ، ويا مَخْبَثَانُ, ويا مَكْذَبَانُ، يريدون المبالغة في الوصف باللؤم، والخبث، والكذب. وذكر بعض المغاربة أنه ينقاس، وأنه يقال في المؤنث بالتاء، وحكى أبو حاتمٍ السِّجِستانِيُّ عن العرب خروجَه عن النداء، نحو: ...
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
... هذا زيدٌ مَلأَمانُ، وهذه هندٌ ملأَمانَةُ، غيرَ مصروفين، وزعم أن ذلك صفةٌ، وقال ابن عصفور: هما علَمانِ فامتنع "مَلْأَمانُ" للتعريف وزيادةِ الألف والنون، و"مَلأَمانَةُ" للتعريف والتأنيث، فتبعيَّتُهما على طريق البدل.
وروى ابن سِيدَهْ أنه يقال: رجلٌ مَكرمانُ، وملأَمانُ، وامرأةٌ ملأمانةُ، فجاء ذلك تابعًا لنكرة، فهو بدلُ معرفةٍ من نكرةٍ على ما زعموا من أن ذلك علَمٌ.
وعلى كل فمن أجاز استعماله في غير النداء ذكر أن ذلك قليل، وقال أبو حيان: ما حكاه أبو حاتمٍ وابن سِيدَهْ ليس بمشهور، وهو مخالف لِمَا نَقَل الأئمة، فيحتاج إلى تأويل
بأن يكون منادًى مضمَرًا فيه القولُ، والتقدير: هذا زيدٌ مقولٌ فيه –أو مدعُوّ– يا مَلأَمانُ، وكذا في المؤنث، وكذا رجلٌ مقولٌ فيه، أو مَدعُوّ، يا مَلأَمانُ حُذف القول وحُذف الحرف فناسبَ الحذفُ الحذفَ، كما ناسبَ في قوله تعالى: ((أَكَفَرْتُمْ)) [آل عمران: ١٠٦] حذْفُ الفاء والقول، أي: فيقال: أكفرتم.
ومن المسموع –أيضًا– ما جاء على وزن "فُعَلٍ" –بضم الفاء وفتح العين– المعدولِ عن "فاعِلٍ" سبًّا للمذكر، والعدلُ: إخراج الكلمة عن صيغتها الأصلية لغير قلْب، أو تخفيف، أو إلحاق، أو معنًى زائد، فخرج نحو: أَيِسَ مقلوب يَئِسَ، ونحوُ: فَخْذٍ مخفَّف فَخِذ، ونحو: رُجيْلٍ الدّال على التصغير. واختار ابن عصفور كون "فُعَل" المعدول قياسيًّا، وجزم ابن مالك بأنه لا ينقاس، والمسموع منه أربع كلمات هـي: يا لُكَعُ (ومن معاني اللكَعِ: اللئيمُ، والعبد، والأحمق، والصغير)، ويا فُسَقُ، ويا خُبَثُ، ويا غُدَرُ، وهي غير مصروفة للوصفية والعدل، وهي معدولة عن: ...
٧.١ المسموع من الأسماء التي لازمت النداءَ
... ألكعَ، وفاسق، وخبيث، وغادر، وذكر الصبان في حاشيته على شرح الأشموني في قولهم: "يا لُكَعُ" أنه قيل: إنه قد يَرِد في غير النداء، وحينئذ لا يكون مختصًّا بالنداء، بل يكون وصفًا منصرفًا غير معدول كحُطَمٍ ومؤنثه لُكَعَةٌ، أما المختصّ بالنداء فغير منصرف لأنه معدول عن ألكعَ ومؤنثه لَكاعِ.