٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


ينقسم المنادى المضاف إلى الياء الدالة على التكلم خمسةَ أقسام؛

القسم الأول: ما فيه لغةٌ واحدة
وهي ثبوت ياء المتكلم المضافِ إليها مفتوحةً وجوبًا، وذلك إذا كان المنادى المضافُ معتلَّ الآخِرِ بالألف، وهو ما يسمّى بالاسم المقصور، وهو الاسم المعرب الذي آخرُه ألف لازمةٌ، كقراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرِو بن العلاء، وابنِ عامر -وهم من السبعة - قولَه تعالى: ((قال يا بُشْرَايَ هـذا غلام)) [يوسف: ١٩], والقراءةُ المذكورة بفتح ياء المتكلم كما في كتاب "السبعة في القراءات" لابن مجاهد, وكقولك لفتاكَ: يا فتَايَ أنت عَوْني في السَّرَّاء والضَّراء.
وكذا إن كان المنادى المضافُ معتلَّ الآخِر بالياء، وهو ثلاثة أنواع: ما يسمى بالاسم المنقوص، وهو الاسم المعرب الذي آخره ياءٌ لازمة مكسورٌ ما قبلها، وإذا أضيف إلى ياء المتكلم تدغم الياءان: ياءُ الاسم المنقوص، وياء المتكلم، وتفتح الأخيرة، كقولك لمَن يدعوكَ إلى الخير: يا داعِيَّ للخير، لبَّيْكَ مِن داعٍ مُطاعٍ. والمثنَّى، وتدغم فيه الياءان أيضًا، كقولك لابنَيْكَ: يا ابْنَيَّ اتَّقِيا اللهَ في السِّر والعلن، ولأخَوَيْكَ: يا أخَوَيَّ كونا مع الله يكن الله معنا، ومن ذلك قول الشاعر مخاطبًا عينيه:


٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


خُذَا الزَّادَ يا عيْنَيَّ مِن حُسْنِ زَهْرِها
فما لكما دونَ الأزاهرِ مِن مُتَعْ

والجمعُ، كقوله تعالى: ((يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [البقرة: ١٣٢]. ومن ذلك قول الشاعر:
يا سابِقِيَّ إلى الغفرانِ مَكْرُمَةً
إنَّ الكرام إلى الغفرانِ تَسْتَبِقُ

والعلة في وجوب ثبوت الياء ووجوب فتحها أنّ الياء لو حُذفت وقيل: يافتَى –مثلًا– بدلًا من: يا فتايَ، لالتبس بغير المضاف، ولو ثبتتْ ساكنةً، لالتقى ساكنان: حرفُ العلة الساكن وياء المتكلم، ولو حُرِّكت بالضم أو الكسر، لحصَل ثقلٌ في النطق، فلم يبق إلا أن تثبت مفتوحةً.


٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


القسمُ الثاني: ما فيه لغتان
وهما ثبوت الياء إمّا مفتوحةً أو ساكنةً، وذلك إذا كان المضاف إلى الياء وصفًا مشبهًا للمضارع في كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، فتثبت الياء مفتوحة نحو: يا مُجِيرِيَ من عذابكَ كن معي، ويا مُنصفِيَ من ظلم خلقكَ ما أعدلك! ويا مُكرمِيَ بكثرة نعمك ما أكرمك! وثبوتها ساكنةً: يا مجيري، ويا منصِفِي، ويا مكرمِي.
وإنما بقِيت الياء لشدة طلب الوصف لها؛ لكونه يشبه الفعل، ولأنها في حكم الانفصال، فلم تُمازج ما اتصلت به، فليست كياء "قاضٍ". وهي إمّا ساكنةٌ –وهو الأكثر– لأن السكون أصل كل مبني، وإمّا محركةٌ بالفتح؛ لأن الفتح أصلٌ ثانٍ، ولم تُحرَّكْ بالضم أو الكسر فرارًا من الثقل.
وهذا إذا لم يكن الوصف المشبه للمضارع مثنًّى أو مجموعًا على حَدِّه، وإلا تعيّنَ الفتح، نحو: يا مكرَمِيَّ، ويا مكرِمِيَّ، ولا يجوز تسكين الياء؛ لئلا يلتقيَ ساكنان.



٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


القسم الثالث: ما فيه ثلاث لغات
وهي فتح الياء، وكسرُها، وإسكانها، وذلك إذا كان في آخر المضاف إلى الياء ياءٌ مشددة، وذلك نحو قولنا "بُنَيّ" في تصغير كلمـة "ابن"، ففي آخر المصغَّر ياءان: ياءُ التصغير، وياءٌ هي لامُ الكلمة مقلوبة عن الواو؛ إذ الأصل: بُنَيْوٌ، ووزنه "فُعَيْلٌ"، اجتمعت فيه الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو (التي هي لام الكلمة) ياءً، وأُدغمت الياءُ في الياء، فالناتج: "بُنيّ"، وعند إضافة هذه الكلمة إلى ياء المتكلم تجتمع ثلاثُ ياءات: الياءُ المشددةُ، وياء المتكلم، فإذا ناديتَ لك في الياء الأخيرة التي هي ياء الإضافة اتِّباعُ لغة من لغات ثلاث، وهي:

اللغةُ الأولى
الفتحُ، أي تقول: يا بُنيَّ، كقول الله عز وجل ((وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ)) [هود: ٤٢]، وقد وُجِّهَ الفتحُ بأحد أمرين:
أن تكون ياء المتكلم أُبدلت ألفًا بعد قلب كسرة المناسبة قبلها فتحة، فصارت: يا بُنَيَّا بالألف، ثُمّ التُزم حذفُها تخفيفًا؛ لأنها بدلٌ من حرفٍ مستثقل وهو الياء –وبدل الثقيل ثقيل-، واجتُزِئَ عنها بالفتحة التي أُبقيت لتكونَ دليلًا عليها.

٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


أن الياء الثانية من الياءات الثلاث حُذفتْ تخفيفًا لتوالي الياءات، فبقيت ياءان: الياءُ الأولى من المصغَّر، وياء المتكلم، فأدغمت أولاهما في ياء المتكلم وفُتحت على القول بأن أصلها الفتح كما فُتحت في "يَدَيَّ" ونحوه، وعلى القول بأن أصلها السكون يُوجَّه الفتح على أنه احتِيجَ للتحريك لئلا يلتقيَ ساكنان، والفتحُ أخفُّ.

اللغة الثانية
فيما كان في آخر المضاف إلى ياء المتكلم ياء مشددة كمصغَّر كلمة "ابنٍ": كسرُ ياء المتكلم، أي تقول: يا بُنيِّ، وقد قرأ بها أكثر القُرَّاء السبعة في الموضع السابق من القرآن الكريم وفي بقية مواضع ورودها فيه، وقد وُجِّه الكسر بالتزام حذف ياء المتكلم وإبقاء الياء الثانية على كسرة المناسبة للدلالة على الياء المحذوفة، وإنما التُزمَ حذف ياء المتكلم فرارًا من توالي ثلاث ياءات، ولأنها هي التي نشأ منها الثقل لأنها ثالثةٌ متطرفة.

اللغة الثالثة
السكون، أي أن تقول: يا بُنَيْ بياء واحدة ساكنة، ووجهه: أنه حُذفت ياء المتكلم كاللغة السابقة، ثم استثقلت الياء المشددةُ المكسورة، فحُذفت الياء الثانية التي هي لام الكلمة، وأُبقيت الأولى فقط وهي ياء التصغير الساكنة.

٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


وقد ورد هذا النداء في القرآن الكريم في ستة مواضع: في الآية التي معنا في سورة هود،، وفي الآية الخامسة من سورة يوسف، وفي الآيات (١٣، ١٦، ١٧) في سورة لقمان، وفي الآية (١، ٢) في الصافات، وقد قرأ حفص عن عاصم في المواضع الستة بالفتح، والباقون بكسر الياء، إلا ابنَ كثير رُوِيَ عنه في سورة لقمان: أنه قرأ بسكون الياء وصلًا ووقفًا في الموضع الأول من لقمان وهو قوله تعالى: ((يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ)) [لقمان: ١٣]، وقرأ الثانية وهي من الآية (١٦) مشددةَ الياء مكسورةً، وقرأ الثالثة وهي من الآية (١٧) مثل الأولى ساكنةَ الياء.

القسم الرابع: ما فيه ستُّ لغات
وذلك إذا كان المضافُ إلى ياء المتكلم غيرَ ما تقدَّمَ، وليس كلمةَ "أَبٍ" أو "أُمٍّ".

اللغةُ الأولى
وأولى اللغاتِ الست وأجودُها: حذف ياء المتكلم والاكتفاءُ بكسرة المناسبة على آخر المضاف دليلًا عليها، نحو قوله تعالى: ((يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)) [الزمر: ١٦]، ومثل قولك: يا قومِ عَضُّوا على كتاب الله بالنواجذ، ويا غلامِ أخلص العمل لله.

٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


لم يثبتوا الياء هنا كما لم يثبتوا التنوين في المفرد نحو: يا زيدُ؛ لأن ياء الإضافة في الاسم بمنزلة التنوين؛ لأنَّها بدلٌ من التنوين، فكلاهما علامة على تمام ما هي فيه، كما أن كليهما لا يقوم بنفسه، فياء الإضافة لا معنى لها ولا تقوم بنفسها إلا أن تكون في الاسم المضاف إليها، كما أن التنوين لا يقوم بنفسه حتى يكون في اسم، فلما كانت الياء كالتنوين وبدلًا منه، حذفوها في الموضع الذي يُحذف فيه التنوين تخفُّفًا.
قال سيبويه في الكتاب: "وإنما فعلوا هذا بالنداء لكثرته في كلامهم، ولأن أول الكلام -أبدًا- النداء، إلا أن تدَعَهُ استغناءً بإقبال المخاطب عليك، فهو أول كلام لك به تعطِفُ المُكَلَّمَ عليك، فلمَّا كثُر وكان الأولَ في كل موضع، حذفوا منه تخفيفًا؛ لأنهم مِمّا يُغَيِّرون الأكثرَ في كلامهم" اهـ.
وحذفوا الياء –أيضًا– لأن حذفها لا يُخلّ بالمقصود إذ كان في اللفظ ما يدل عليها وهو الكسرة قبلها، وإذا كانوا قد حذفوا الياء في غير النداء اجتزاءً بالكسرة قبلها كما في قوله تعالى: ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)) [الفجر: ٤]، فجواز ذلك في النداء –الذي هو باب حذف وتغيير- من باب أولى، وإجراءً للمنفصل في كلمتين (وهما المضاف وياء الإضافة) مُجرَى المتصل في كلمة واحدة كـ "يَسْرِ" في آية الفجر وأصلها: يَسْري.


اللغة الثانية
إثبات الياء ساكنةً، نحو: يا غلامِي كن مخلصًا، وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرٍو، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (يَا عِبَادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ) [الزخرف: ٦٨]. وقال عبد الله بنُ عبد الأعلى القرشيُّ:

٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


وكنتَ إذ كنتَ إلهِي وحدكا
لم يكُ شيءٌ يا إلهي قبلكا

الشاهد فيه قوله "يا إلهي" بإثبات ياء الإضافة ساكنةً كما هو الأصل في البناء؛ وذلك لأنها اسمٌ بمنزلة زيدٍ إذا أضفتَ إليه، فكما لا تحذف زيدًا في النداء كذلك لا تحذف الياء.

اللغة الثالثة
إثبات الياء مفتوحةً للتخفيف، نحو: يا غلاميَ، قال تعالى: ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)) [الزمر: ٥٣]، وهذه اللغة قيل: إنها في مرتبة واحدة مع ما قبلها؛ نظرًا لاختلافهم في أي اللغتين هي الأصل في ياء المتكلم: الفتحُ أو السكون؟


٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


اللغة الرابعة
قلب ياء المتكلم ألفًا بعد قلب كسرة المناسبة قبلها فتحةً، وذلك لأن الألف أخف من الياء، وكأنهم استثقلوا الياء وقبلها كسرةٌ فيما كثر استعماله وهو النداء،، فأبدلوا من الكسرة فتحة وكانت الياء متحركةً فانقلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقالوا: يا غلاما، ويازيدا في: ياغلامِي، ويا زيدِي. قال تعالى: ((قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ)) [المائدة: ٣١]، وقال جلت قدرته: ((قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)) [هود: ٧٢]، وقـال سبحانه: ((وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)) [يوسف: ٨٤]، وقال عز من قائل: ((يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)) [الزمر: ٥٦].

اللغة الخامسة
حذف الألف المنقلبةِ عن ياء المتكلم والاجتزاء عنها بالفتحة قبلها المنقلبة عن كسرة المناسبة، وممن أجاز الاجتزاء بالفتحة عن الألف الأخفش والمازني والفارسيُّ أجازوا حذفَ الألف المنقلبة عن الياء والاجتزاء عنها بالفتحة، فتقول: يا غلامَ، ويا زيدَ... إلخ كقول الشاعر:

٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


ولستُ براجعٍ ما فاتَ مِنِّي
بِلَهْفَ، ولا بِلَيْتَ، ولا لَوَانِّي

فالباء في "بِلَهْفَ" متعلِّقةٌ بـ"راجعٍ" ومجرورها قـولٌ محذوف، وأصلُه بلهْفِي، و"لَهْفَ" منادَى سقط منه حرف النداء، والأصل: يا لَهْفَا، فحُذفت الألف المنقلبة عن ياء المتكلم اجتزاءً عنها بالفتحة. والمعنى: ولستُ راجعًا ما فاتَ منِّي بقولي: يا لَهْفِي، ولا بقولي: يا ليتنِي فعلته، ولا بقولي: لو أني فعلت، والحاصل أن ما فات لا يعود بكلمة التلهُّف، ولا بكلمة التمنِّي، ولا بكلمة "لو".
وقرأ ابن عباس: (يا حسرةَ على العباد) [يس: ٣٠]. قال أبو حيان في البحر المحيط: "ووجهه أنه اجتزأ بالفتحة عن الألف التي هي بدل من ياء المتكلم في النداء، كما اجتُزِئَ بالكسرة عن الياء". اهـ.
ونُقل عن الأكثرين المنعُ؛ قالوا: ولا دلالة في قراءة ابن عباس -رضي الله عنهما- ولا في البيت الشعري على الجواز؛ إذ القراءة تَحتمل أن يكون المنادى فيها رُخِّمَ بحذف التاء وأُبقيَ ما قبلها على حركته –وهو الفتحة– على الراء، ثم أُقحِمتِ التاء وحُرِّكت بحركة الراء إتْباعًا، والبيت يَحتمل أن تكون الباء فيه جارةً لِلَهْفَ وما بعده على الحكاية ولا نداء فيه. وفي ما قاله الأكثرون تكلف ظاهر.



٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


اللغة السادسة
حذف ياء المتكلم والاكتفاءُ من الإضافة بنيَّتها وضمُ الاسم المضاف إلى الياء كما يُضَمّ المنادى المفردُ، وكما تُضّمّ المفرداتُ في غير الإضافة، وإنما يفعلون ذلك في الأسماء التي يكثر فيها أَلا تُنادَى إلا مضافةً كالرَّبِّ والقومِ؛ لأنهم إذا لم يُضيفوها إلى ظاهر أو إلى مضمر غيرِ المتكلم عُلِمَ أنها مضافةٌ إلى المتكلم، والمتكلم أَوْلَى بذلك لأن ضميره الذي هو الياء قد يُحذَف، وذلك كقراءة: (ربُّ السِّجنُ أحبُّ إليَّ مما يدعوننِي إليه) [يوسف: ٣٣]، بضم "ربُّ".
وقال سيبويه في الكتاب: "وبعض العرب يقول: يا ربُّ اغفر لي، يا قومُ لا تفعلوا". اهـ. فالمنادى هنا مبنيٌّ على الضم شأنه شأنُ المنادى المفرد، نحو: يا رجلُ لا تفعلْ، وقيل: إنه منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المشابهة، أي مشابهتُه للنكرة المقصودة. غير أنّ تعريف المنادى المضمومِ على هذه اللغة بالإضافة المنوية، لا بالقصد والإقبال كالنكرة المقصودة، خلافًا لابن الخباز الذي رأى أنهم جعلوه معرفةً بالقصد والإقبال كالضمة في قولهم: يا رجلُ إذا قصدوا رجلًا بعينه. وقد أسقط الناظم هذه اللغة من الألفية، فقال:



٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


واجعلْ منادًى صحَّ إنْ يُضفْ لـ"يا"
كعبدِ، عبدِي، عبدَ، عبدَا، عبدِيَا

القسم الخامس: مما أُضيف لياء المتكلم فيه عشرُ لغات
وذلك إذا كان المنادى المضافُ إلى الياء الأبَ أو الأُمَّ، ففيه مع اللغات الستّ المتقدمةُ، أربعُ لغاتٍ أُخَرُ، وأفصح الستّ حذفُ الياء وإبقاء الكسرة دليلًا عليها، نحو: يا أبِ، ويا أمِّ، يليها إثباتُ الياء ساكنةً أو محركةً بالفتح، نحو: يا أبي ويا أبِيَ، ويا أمِّي ويا أُمِّيَ، يليهما قلب كسرة المناسبة فتحةً وقلب الياء ألفًا، نحو: يا أبَا، ويا أمَّا، يليها حذف الألف وإبقاء الفتحة دليلًا عليها، نحو: يا أبَ، ويا أُمَّ، وأقلُّ اللغات الست وأضعفها الضم، نحو: يا أبُ، ويا أمُّ. أمَّا اللغاتُ الأربع الباقيةُ، فهي:


٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


اللغةُ الأولى
يا أبَتِ، ويا أُمَّتِ. قال البصريون: أُبدلت تاءُ التأنيث من ياء المتكلم، فالأصل: يا أبِي، ويا أُمِّي، فأُبدلت التاءُ من الياء، وكُسرت التاءُ –وهو الأكثر في كلامهم– لأن الكسر عوض من الكسر الذي كان يستحقه آخِرُ المضاف، وقد زال حين جاءت التاء إذ لا يكون ما قبل التاء إلا مفتوحًا، وإنما أُبدلت تاءُ التأنيث من ياء المتكلم؛ لأنها تدل في بعض المواضع على التفخيم كما في: علاَّمةٍ، ونسَّابةٍ، والأبُ والأمّ مظِنّةُ التفخيم. والدليل على إبدال التاء من الياء أن العرب لا يجمعون بينهما، فلا يقولون: يا أبتِي، ولا يا أمّتِي، والدليل على كون التاء للتأنيث انقلابُها في الوقف هاءً، فتقول في الوقف: يا أبَهْ، ويا أمَّهْ، كما تقول: عائشهْ وقائمهْ في الوقف على عائشةَ وقائمةٍ.
وقال الكوفيون: التاء للتأنيث، وياء الإضافة مقدَّرة بعدها، ورُدَّ هذا القول بأنه لو كان الأمر كما قالوا لَسُمِعَ: يا أبتِي، ويا أمّتِي أيضًا، ولم يُسمع ذلك إلا في الشعر كقول الشاعر:

أيا أبتِي لا زلْتَ فينا، فإنما
لنا أملٌ في العيْشِ ما دمتَ عائشَا


٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


وهو محمول عند الجمهور على الضرورة؛ لمَا فيه من الجمع بين العوض والمعوَّض.
والفرَّاء يقف عليهما بالتاء؛ لأن التاء عنده ليست للتأنيث المحض، وإنما هي كتاء أختٍ وبنت، والحق أنها للتأنيث المحض, كما ذكر سيبويه في الكتاب أنه سأل الخليل عن قولهم: يا أبهْ، ويا أبتِ، فأخبره الخليل رحمه الله أن هذه الهاءَ مثلُ الهاء في عمَّةٍ وخالةٍ، أي أنها للتأنيث، والدليل على صحة رأي الخليل فتح ما قبلها بخلاف تاء أختٍ وبنت.
وقد جاء في القرآن الكريم (يا أبتِ) في ثمانية مواضع: منها موضعان في سورة يوسف في الآيتين (٤)، (١٠٠)، وأربعة في سورة مريم في الآيات: (٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥)، وموضع في سورة القصص في الآية (٢٦)، وموضع في سورة الصافات في الآية (١٠٢).
والمنادى في هذه اللغة منصوب؛ لأنه مضاف، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل التاء منع من ظهورها اشتغال المحل بالفتحة لأجل التاء؛ لأن التاء تستدعي فتح ما قبلها، لا على التاء؛ لأنها في موضع الياء التي يسبقها إعراب المضاف إليها، وهذا ظاهر، اللهم إلا على رأي الكوفيين الذين يقدرون ياء المتكلم بعدها، فيجوز جعْلُ الفتحة مقدرةً على التاء باعتبارها آخِر المضاف منع من ظهورها حركة المناسبة.



٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


اللغة الثانية
أن تقول: يا أبَتَ، ويا أمَّتَ، وهو الأقيس؛ لأن التاء بدلٌ من ياءٍ حركتُها الفتح، فتحريكُها بحركة أصلها هو الأصل في القياس، وقال الأندلسيُّ: أصل يا أبتَ، ويا أُمّتَ: يا أَبتَا، ويا أُمّتَا، فحُذفت الألف تخفيفًا، وساغ ذلك لأنها بدلٌ من الياء، فحذَفوها كما تُحذف الياء، وبقيت الفتحة قبلها دليلًا عليها، كما أن الكسرة تبقى دليلًا على الياء. ويَرُدُّ قولَ الأندلسيِّ عدمُ سماعِ: يا أبتِي، ويا أمّتِي في غير الضرورة الشعرية كما قيل في رَدِّ قول الكوفيين كما سبق، كما أن الألف خفيفة لا تُستثقل، فلو كان الأصل كما قال لم تُحذف الألف.
قيل: يحتمل أن يكون المنادى رُخِّمَ بحذف التاء، فقيل: يا أبَ، ويا أمَّ، وتُرك ما قبلها على حركته، ثم أُقحمت التاء، وحُرِّكت بالفتح إتْباعًا لحركة ما قبلها.
وقد قرأ ابن عامر وأبو جعفر (يا أبتَ) بفتح التاء في السور الأربع، والباقون بالكسر فيهنَّ.



٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


اللغة الثالثة
بضم التاء فيهما على التشبيه بنحو: ثُبَةٍ، وهِبَةٍ، وقد أجاز الضمَّ الفرّاء وأبو جعفرٍ النحّاسُ ومنعه الزّجّاجُ، وحكى سيبويه عن الخليل في الكتاب أنه سَمع من العرب من يقول: يا أُمَّةُ لا تفعـلِي. وقُـرئ بالضم في الشـواذّ, وإعراب المنادى على هذه اللغة وما قبلها كإعرابه على اللغة التي تقدَّمتْهما، فهو منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل التاء منع من ظهورها اشتغال المحل بالفتحة لأجل التاء.

اللغة الرابعة
وهي المكملة للغات العشر: يا أبَتَا، ويا أُمَّتَا، بالجمع بين التاء والألف، وهو جمع بين العوض والمبدَل من المعوَّض منه، بخلاف: يا أبَتِي، ويا أمَّتِي، فإنه لم يجز لأن فيه جمعًا بين العوض والمعوَّض منه، فذَهاب صورة المعوَّض منه سهَّلتِ الجمعَ بين التاء والألف، وعلى هذه اللغة جاء قول رُؤْبةَ:
تقول بِنْتِي: قد أَنَى أَناكا
يا أبَتَا علَّكَ أو عَسَاكَا


٦.١ المنادى المضاف لياء المتكلم: أقسامه ولغاته


هذان بيتان من مشطور الرجز، و"أنَى أناكا": أي حان رحيلُكَ إلى مَن تلتمس منه مالًا تُنفقه، و"علَّكَ": أي لعلَّكَ إنْ سافرتَ أصبتَ ما تحتاج إليه، والشاهد في قوله: "يا أبَتَا"، فقد جمعَ فيه بين التاء والألف، والتاء عوض من الياء التي قلبت ألفًا، ففيه جمعٌ بين العوض والمبدل من المعوَّض منه.
وقد جعل بعض النحاة هذه اللغة مقصورةً على الضرورة كيا أبتِي، ويا أمَّتي، وقال بعضهم: إن الألف هنا هي الألف التي يُوصل بها آخِرُ المنادى إذا كان بعيدًا أو مستغاثًا به أو مندوبًا، وليست بدلًا من ياء المتكلم، وجوَّز بعضهم الأمرين.
وربما قيل: يا أَبَاتِ، وعليه قوله:

تقول ابْنَتِي لَمَّا رأتْنِي شاحِبًا
كأنّكَ فينا يا أباتِ غريبُ

فقيل: أراد: يا أبتِ، ثم أشبعَ، وقيل: أراد: يا أبتَا، ثم قلبَ (أي قلب قلبًا مكانيًّا بجعل الألف مكان التاء)، وقيل: أراد: يا أَبَا على لغة القصر، ثم قدَّرَ إلحاقَ الياء، وأبدل منها التاء. وقال ابن مالك مشيرًا إلى بعض اللغات السابقة:
وفي النِّدَا "أبَتِ، أُمَّتِ" عَرَضْ
واكسِرْ أوِ افتحْ، ومن اليا التا عِوضْ