٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
فمثال النعت: يا خالدُ ذا العِلم والأدبِ أبشرْ بنجاح مسعاك، ومثال عطف البيان: يا زيدُ أبا عبد الله ما أعظمَ اجتهادَكَ! ومثال التوكيد: احذروا من قرناء السوء يا أصدقاءُ كلَّكم، أو كلَّهم (الضمير هنا يجوز أن يكون بلفظ الخطاب؛ نظرًا لكون المنادَى مخاطبًا، وبلفظ الغَيبة؛ نظرًا لكون المنادَى اسمًا ظاهرًا، والاسمُ الظاهر من قبيل الغيبة؛ نظرًا إلى لفظه قبل النداء؛ لأن الخطاب فيه عارِضٌ).
وقد اشترط النحويون لوجوب نصب التابع فيما تقدم ونحوه أن تكون إضافتُه محضةً كالأمثلة المذكورة، ومن شواهد سيبويه على هذا القسم إيرادُه في الكتاب قول الشاعر:
|
أزيدُ أخا ورقاءَ إنْ كنتَ ثائرًا |
|
فقد عَرَضَتْ أَحْناءُ حَقٍّ فَخَاصِمِ |
ورقاء: حيٌّ من تميم. ويقول العرب: فلانٌ أخو تميمٍ، أي من قومهم، والثائر: طالِب الثأر، وأحناء الأمور: أطرافها ونواحيها، جمع حِنْو. أي إن كنت طالبًا لثأركَ فقد أمكنَكَ ذلك، فاطْلُبْهُ وخاصِمْ فيه. والشاهد في البيت نصْبُ "أخا ورقاءَ"، وهو بدلٌ من "زيدُ" المنادى المبنيِّ على الضم في محل نصب؛ لأنه مفرد علم، والتابع منصوب وجوبًا عند سيبويه؛ لكونه مضافًا إضافةً محضةً ولم يقترن بأل.
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
وأجاز جماعةٌ من الكوفيين منهم: الكسائيُّ والفرّاءُ ومحمدُ بنُ عبد الله الطُّوَالُ وابنُ الأنباريِّ: الرفعَ، نحو: يا زيدُ صاحبُنا، والصحيح المنع؛ لأن التابع إضافتُه محضةٌ لغلبة الاسمية على "صاحب"، كما أجاز الفرّاءُ الرفعَ والنصبَ في نحو: يا محمدُ نفسُه، ونفسَه، ويا تميمُ كلُّكم، وكلَّكم، والرفع فيه محمول عند الجمهور على القطع فهو محمول على أنه مبتدأٌ خبرهُ محذوف، أي: كلُّكم مدعُوٌّ، أو: كلُّكم يُدْعَى.
فإذا لم تكن إضافة التابع محضةً، جاز فيه الرفع تبعًا للفظ المنادى، والنصب تبعًا لمحله، نحو: يا زيدُ حسَنُ الخلق أقبل، ويا زيدُ حسنَ الخلق أقبل، برفع "حسَنٍ" ونصبه؛ لأن الإضافة غيرَ المحضة حكمُها حكمُ المفردات؛ إذ إضافتُها كلا إضافة.
وإلى نصب التابع في هذا القسم أشار الناظم بقوله:
|
تابعَ ذي الضمِّ المضافَ دون ألْ |
|
ألزمْه نصبًا، كأزيدُ ذا الحِيَلْ |
القسمُ الثاني
ما يجب رفعه مراعاةً للفظ المنادى، وهو نعتُ المنادى المبهم، والمنادى المبهم شيئان: أحدهما "أَيٌّ"، والثاني اسم الإشارة، والتابع الذي يجب رفعه معهما، هو نعتُ "أيٍّ"، ونعتُ اسم الإشارة إذا كان اسم الإشارة وُصلةً لندائه، أي لنداء نعته.
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
فأمّا نعتُ "أيٍّ" فنحو قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)) [الانفطار: ٦]، ومثلُه نعت "أيَّةٍ"، وهي مؤنث "أيٍّ"، (وأيٌّ تؤنث لتأنيث صفتها على سبيل الأولوية، لا على سبيل الوجوب)، كقوله تعالى: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ)) [الفجر: ٢٧].
و"أَيٌّ" أشدُّ إبهامًا من اسم الإشارة؛ فهي لا تُُُثنّى ولا تُُجمع، فتقول: يا أيها الرجلُ, ويا أيُّها الرجلان، ويا أيها الرجال،... إلخ، ولذلك لزمها النعتُ، والأصل فيه أنهم أرادوا نداء الرجلِ فلمّا لم يمكن نداؤه لوجود "أل" فيه، كرهوا نزع "أل" منه وتغييرَ اللفظ؛ إذ الغرضُ إنما هو نداء ذلك الاسمِ، فجاءوا بأيٍّ لتكونَ وُصلةً إلى ندائه وهو على لفظه، وجعلوا "أيّ" منادًى مبنيًّا على الضم في محل نصب؛ لأنه منادى مفردٌ معرفة من قبيل النكرة المقصودة، وجعلوا "الرجلُ" –بالرفع– نعتَه، ومن ثَمّ لزم ذلك النعت؛ لأنه هو المقصود بالنداء، وأدخلوا على "أيُّ" "ها" التنبيهِ مفتوحةً، وقد تُضمّ إذا لم يكن بعدها اسمُ إشارة، على لغة بني مالك، من بني أسد، كقراءة ابن عامر ((سنفرُغُ لكم أَيُّهُ الثقلانِ)) [الرحمن: ٣١], وجعلوا "ها" التنبيهِ لازمةً للفظ "أيّ"؛ لتكونَ عوضًا عما فاتها من الإضافة؛ لأن "أيًّا" في الأصل من الأسماء الملازمة للإضافة، ويلزم نعتَ أيٍّ الرفعُ -وإن كان القياسُ جواز نصبه أيضًا باعتباره مفردًا كما سيأتي في نحو: يا زيدُ الظريفُ والظريفَ- لأنه المقصودُ بالنداء، فنبَّهوا بالتزام رفعه على ذلك، أي على كونه مقصودًا بالنداء، فكأنه باشرَه حرفُ النداء.
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
وأجاز المازنيُّ نصبَ نعتِ أيٍّ؛ قياسًا على نعت غيره من المنادَيات المضمومة. وقد رُدَّ رأْيُ المازنيِّ بأن النصب إنما يكون تبعًا للمحل، والحمل على المحل إنما يكون بعد تمام الكلام، والنداء لم يَتم بيا أيّها، فلم يجُز الحمل على المحل، وبأن المقصود بالنداء هو التابع وهو مفرد، ومن ثَمَّ زعم ملكُ النحاة أبو نزار أنه –أي التابعَ- مبني وأن اللام فيه بدلٌ من "يا".
وقال الأخفش في نحو: يا أيها الرجلُ: أيُّ: موصولٌ، وذو اللام بعده خبرٌ لمبتدأ محذوف وجوبًا، والتقدير: يا مَنْ هو الرجلُ، والجملة: صلةُ "أيّ". وإنما وجب حذف هذا المبتدإ لمناسبة التخفيف للمنادَى، ولا سيما إذا زيدَ عليه كلمتان هما: "أيُّها"، وردَّه المازنيُّ وابنُ مالك بأن أيًّا لو كانتْ موصولةً، لوُصلتْ بالظرف، والمجرور، والجملة الفعلية، وأُجيب بأن ذلك لا يلزم؛ إذ للأخفش أن يقول: إنهم التزموا فيها ضربًا من الصلة كما التزموا فيها ضربًا من الصفة على رأيكم.
وردَّه الزجاج بأنها لو كانتْ موصولةً لوجب أنْ لا تُضمّ؛ لأنه لا يُبنى في النداء ما يُوصل؛ لأن الصلة من تمامه، وأُجيب بأنه إذا حُذف صدرُ صلتها فالأغلب بناؤها على الضم، فحرف النداء على هذا يكون داخلًا على اسم مبني على الضم، فلم يغيِّرْه.
قيل: ويصح تقويةُ مذهب الأخفش بكثرة وقوع أيٍّ موصولةً في غير هذا الموضع وندور كونها موصوفة.
وتُنعتُ "أيّ" بواحد من ثلاثة أشياءَ:
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
تُنعتُ بذي أل الجنسية التي صارتْ للحضور بسبب وقوع مدخولها صفةً لمُنكَّر قُصد به مُعيَّنٌ حاضرٌ
كما في الأمثلة المتقدمة: يا أيها الرجلُ، يا أيها الإنسانُ، يا أيتها النفسُ...، والأكثرون على أن هذا التابع نعتٌ لأيٍّ مطلقًا، أي سواءٌ كان جامدًا أم مشتقًّا، إمّا لتأوُّل الجامدِ بالمشتقّ كالمعيَّن والحاضر، وإمّا لأن كثيرًا من المحققين على أنه لا يُشترط في النعت أن يكون مشتقًّا أو مؤولًا به، بل الضابط دلالته على معنًى في متبوعه كالرجل؛ لدلالته على الرجولية، وقيل: إن التابع عطفُ بيان لا نعتٌ، سواء أكان جامدًا أم مشتقًّا كذلك، وقيل: إن كان التابع مشتقًّا نحو: يا أيها القائم اجلس، فهو نعتٌ، وإن كان جامدًا نحو: يا أيها الرجل لا تتعجَّلْ، فهو عطف بيان، وهذا أحسن الآراء.
وأجاز الفرَّاء والجَرميُّ إتْباعَ أيٍّ بمصحوب أل التي للمح الصفة، نحو: يا أيها الحرثُ، ومنع ذلك الجمهور، ويتعيّن أن يكون ذلك عطفَ بيان عند مَن أجازه؛ لأن العلَم لا يُنعتُ به.
وذهب الكوفيون وابن كيسانَ إلى أن قولك: يا أيها الرجلُ, أصلُه: يا أيُّهذا الرجلُ، ثم حُذف اسم الإشارة اكتفاءً بـ"ها" التنبيه.
مما تنعت به "أيّ": باسم إشارة عارٍ من كاف الخطاب
كقول ذي الرُّمَّة:
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
|
أَلا أَيُّهذا المنزلُ الدَّارسُ |
|
كأنّك لم يَعهدْ بكَ الحَيَّ عاهِدُ |
الشاهد في البيت نعتُ "أيّ" باسم الإشارة؛ وهو مثلها في الإبهام، ولذلك جيء له بتابع وهو لفظُ "المنزلُ" الذي أُجريَ عليه لأنه مفرد مثله. يقول: كأنّ هذا المنزلَ لِدُرُوسه وانطماس آثاره لم يَقُم فيه أحدٌ ولا عُهِدَ به. ومثله قولُ طرَفةَ:
ألا أيُّهذا الزَّاجِرِي أحضُرَ الوغَى
وأن أَشهَدَ اللذاتِ، هل أنت مُخْلِدِي؟
الشاهد في البيت –هنا– كالذي قبله، والزَّاجِرِي: الذي يزجرُني أي يكثفُّنِي ويمنعُنِي, يُنكر على مَن يمنعُه عن القتال ويدعوه إلى القعود والإحجام، ويقول له: هل تضمن ليَ الخلودَ ودوام البقاء؟! ولا يجوز أن يقال: يا أيُّهذاكَ الرجلُ، خلافًا لابن كيسانَ. وإنما اشترط الجمهورُ خلوَّه من كاف الخطاب لأنه هو المقصودُ بالنداء كما تقدّم، فهو المخاطب، ووصله بكاف الخطاب يقتضي أن المشار إليه غيرُ المخاطب، فيحصُل التنافي.
واشترط ابن الصائغ لجواز وصف "أيّ" باسم الإشارة أن يكون اسمُ الإشارة منعوتًا بما فيه الألف واللام كالبيتين السابقين، ولم يشترط ذلك ابن عصفور وابن مالك، وقد جاء اسم الإشارة وصفًا لأيّ غيرَ منعوت بذي أل، كقول الشاعر:
أيُّهذانِ كُلَا زادَكما
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
ودَعَانِي واغِلاً فيمَنْ وَغَلْ
دَعَانِي: اترُكانِي، والواغِلُ: مَن يدخل على القوم وهم يشربون دون دعوة. والشاهد في البيت قوله: "أيُّهذانِ" حيث جيء باسم الإشارة وصفًا لأيّ غيرَ منعوت بذي الألف واللام.
مما تُنعت به "أيّ": بموصول مصدر بأل
كقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)) [البقرة: ١٣٥].
ولا يجوز إتباعُ "أيّ" بغير هذه الثلاثة؛ فلا يقال: يا أيها صاحبَ الكتاب –مثلًا-، ولا تقطع عن الصفة، فلا يقال: يا أيها, بدون ما ذكر؛ لإبهام "أيّ" كما مرَّ.
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
|
و"أيُّها" مصحوبَ أل بعدُ صفهْ |
|
يلزم بالرفع لدَى ذي المعرفهْ |
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
|
و"أَيُّهذا" "أيّها الذي" وَرَدْ |
|
ووصفُ "أيٍّ" بسوى هذا يُرَد |
وأمّا اسم الإشارة: فإنْ كان مثلَ "أيّ" في كونه وُصلةً لنداء ما بعده وليس المقصودَ بالنداء، وجبَ وصفه بما فيه "أل" منِ اسم جنسٍ أو موصولٍ، نحو: يا هذا الرجلُ أقبل ولا تخفْ، ويا هذه المرأةُ حافظي على دينكِِ، ويا هذا الذي قامَ أبوه تعالَ، ويا هذه التي اختمرتْ لك البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إن أردت أولًا نداءَ الرجل والمرأة، وإنما أتيتَ باسم الإشارة وُصلةً لندائهما، فيجب رفعُ هذا الوصف كما وجبَ رفع وصف "أيّ". وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
|
وذو إشارة كـ"أيٍّ" في الصفهْ |
|
إنْ كانَ تَركُها يُفِيتُ المَعرِفَهْ |
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
ومن وصف اسم الإشارة بما فيه الألف واللام قولُ ابنِ لَوْذانَ السَّدُوسِيِّ أو غيرِه:
|
يا صاحِ يا ذا الضامِرُ العَنْسِ |
|
والرَّحْلِ ذي الأنْسَاعِ والحِلْسِ |
العَنْس: الناقة الشديدة الصُّلْبة، وأصل العَنْس: صخرة في الماء فشُبِّهتِ الناقةُ بها لصلابتها، والرَّحْل: مركب البعير ومتاع المسافر، والأنساع: جمع نِسْع بالكسر وهو سَيْرٌ يُضْفر وتُشدّ به الرِّحال، أي الجلود التي تُشد بها الرِّحال، ويروى "ذي الأقتابِ" مكان: ذي الأنساعِ، والأقتاب: جمع قَتَب وهو ما يوضع على سَنام البعير، والحِلْس –بالكسر– كساءٌ يوضع على ظهر البعير تحتَ البرذعة. والشاهد في البيت قوله: يا ذا الضامرُ، حيث جاء المنادى اسمَ إشارة موصوفًا بما فيه أل، وقد رُفع الوصف لأنه المقصود بالنداء، واسم الإشارة مجرد وُصلة لندائه، ومثله قولُ ابنِ الأبرصِ الأسديِّ:
|
يا ذا المُخَوِّفُنَا بمَقْتَلِ شيْخِهِ |
|
حُجْرٍ تَمَنِّيَ صاحِبِ الأحلامِ |
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
يخاطب الشاعرُ امرَأَ القيس الذي كانَ قد تَوعَّدَ بني أسَد الذين قتلوا أباه. يقول: يا هذا الذي خوَّفَنا بأن يعاقبَنا لأجل قتلنا شيخَه أي أباه أنت تتمنّى تمنِّيًا مثلَ تمنِّي صاحب الأحلام، وهذا على طريق التهكم بامرئ القيس، أي النَّيْلُ منّا حُلمٌ تراه في منامك، ولن يتحقق. والشاهد فيه كالذي قبله, حيث نَعت الشاعر اسم الإشارة المنادَى بما فيه أل وهو قوله: المُخَوِّفُنا، فأتَى بالنعت مرفوعًا، وهو –وإن كان مضافًا كالبيت الذي قبله– إضافتُه كسابقه كلا إضافة؛ لأنها ليست محضةً.
أمَّا إن كان اسم الإشارة هو المقصود بالنداء –بأن عرَفه المخاطب من غير الوصف كما إذا وضع المتكلم يده عليه مثلًا قائلًا: يا هذا –ففي هذه الحالة يكون ذِكر الوصف جائزًا لا واجبًا، وإذا ذُكر جاز فيه الرفعُ والنصب كما يجوز في "الظريف" من نحو: يا زيدُ الظريفُ.
القسم الثالث
وهو ما يجوز رفعه ونصبه؛ فالرفعُ إتْباعًا للَّفظ على تشبيه لفظ المنادى المبني بالمرفوع تنزيلًا لحركة البناء العارِضة بسبب دخول حرف النداء منزلةَ حركة الإعراب بسبب دخول العامِل، والنصبُ إتْباعًا للمحلّ, وهو ثلاثة أنواع:
 |
النوع الأول: النعتُ المضاف المقرون بأل، نحو: يا محمدُ الكريمَُ العَطاءِ جُزيتَ خيرًا, برفع الكريمِ ونصبه. |
 |
النوع الثاني: ما كان مفردًا عن الإضافة وشبهها من نعت، أو بيان، أو توكيد، نحو: يا خالدُ الظريفُ اجتهدْ، ويا رجلُ بِشْرٌ -أو بِشْرًا- أخلصِ العمل، ويا تميمُ أجمعون –أو أجمعين– لا تتنازعوا. |
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
|
 |
وإنما جاز الرفعُ في هذه التوابع المفردة حملًا على اللفظ ولم يَجز في المضاف إضافةً محضةً إلا النصبُ كما رأيت في القسم الأول من أقسام تابع المنادى المبني؛ لأن النصب في التوابع هو القياس؛ إذ التوابعُ إنما وُضعت لتتبع المعربَ في إعرابه، لا المبنيَّ في بنائه بدليل أنكَ لا تقول: جاءني هؤلاءِ الكرامِ، بجرّ الصفة حملًا على اللفظ، بل يجب رفعها حملًا على المحلّ، لكنه لمّا كانت الضمة التي هي الحركةُ البنائيّةُ تحدُث في المنادى بحدوث حرف النداء وتزول بزواله، صارتْ كالرفع، وصار حرف النداء كالعامل لها، فلمشابهة الضمة لعلامة الرفع جازَ أن تُرفع التوابعُ المفردةُ أو ما في حكمها –كالنعت المضاف المقرون بأل؛ لأن إضافته كلا إضافة إذ هي ليست محضة– لأنها كالتابعة للمرفوع، ومِمّا سهّل ذلك كونُ الرفع غيرَ بعيد من هذا التابع المفرد، إذ لو كان منادًى لتحرَّكَ بشبه الرفع أي الضم، بخلاف التابع المضاف؛ إذ المضافُ واجب النصب. |
 |
النوع الثالث: عطفُ النسَق المقرونُ بأل، فقد قُرئ في السبعة قولُه تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) [سبأ: ١٠] بنصب "الطيرَ"، وقُرئ في غير السبعة بالرفع. وذكر أبو البركات الأنباريُّ في البيان في غريب إعراب القرآن أن النصب من ثلاثة أوجه: أن يكون منصوبًا بالعطف على محل المنادى وهو النصب في قوله: ((يَا جِبَالُ)), والثاني: أن يكون منصوبًا على أنه مفعولٌ معه، والثالث: أن يكون منصوبًا على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره، وسخَّرْنا له الطيرَ، وأن الرفع من وجهين، الأول: أن يكون مرفوعًا بالعطف على لفظ ((يَا جِبَالُ)) قال: ... |
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
|
... "وإنما جاز الحمل على اللفظ؛ لأنه لمّا اطّردَ البناء على الضم في كل اسمٍ منادى مفرد، أشبهَ حركةَ الفاعل، فأشبهَ حركةَ الإعراب، فجاز أن يُحمل على لفظه، وإلا فالقياس يقتضي ألا يجوزَ الحملُ على لفظ المبني في العطف والوصف". ثم ذكر أن الوجه الثاني للرفع أن يكون معطوفًا على الضمير المرفوع في ((أَوِّبِي))، وحسُنَ ذلك لوجود الفصل بقوله: ((مَعَهُ))، والفصل يقوم مقامَ التوكيد".اهـ. |
والرفعُ هو اختيار الخليل وسيبويه والمازنىِّ؛ لِمَا فيه من مشاكلة الحركة، مع كونه أقربَ إلى الاستقلال لدخول أل التي لا يباشرها حرف النداء، وقدَّروا النصبَ في قراءة السبعة في آية سبأ عطفًا على ((فَضْلًاْ))، والتقدير: ولقد آتينا داودَ منا فضلًا والطيرَ، أي: وآتيناه الطيرَ، أما جملةُ النداء فمعترِضةٌ بين المتعاطفين.
وقد اختار الناظم مذهب الخليل وسيبويه والمازنيِّ فقال في الألفية مشيرًا إلي ذلك:
|
وإن يكن مصحوبَ أل ما نُسقا |
|
ففيه وجهانِ، ورفعٌ يُنتَقَى |
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
واختار أبو عمرو وعيسى بنُ عمرَ ويونسُ والجَرمِيُّ النصب قالوا: لأن ما فيه أل لم يَلِ حرفَ النداء، فلا يُجعلُ كلفظ ما وَلِيَه، أي فلا تُطلَب مُشاكلتُه له، وتمسَّكوا بظاهر الآية الكريمة السابقة إذ أجمع القُرَّاءُ ما عدا الأعرجَ على النصب فيها، ولأن أل كالمُعاقِبة للإضافة، كما أن الأصل في التوابع أن تتبع المعربات في إعرابها، لا المبنيات في بنائها كما مرَّ.
وقال المبرد: إن كانت أل في المعطوف مُعَرِّفةً –كما في الآية الكريمة– فالمختار النصب؛ إذ المُعَرَّف بأل يُشبه المضاف من حيث تأثّر ما فيه أل التي للتعريف بتعريف أل، وتأثّر المضاف بتعريف الإضافة أو تخصيصها، وإن كانت أل غيرَ مُعَرِّفةٍ -كالتي من بنية الكلمة نحو "اليسعِ"، والتي للمح الأصل نحو "الحَرْثِ"– فالمختار الرفع؛ لأن أل حينئذ كالمعدومة. فوجه التفصيل: أن أل في نحو "اليسعِ" لم تُفد تعريفًا، فكأنها ليست فيه، فقولك: يا زيدُ واليسعُ، مثل قولك: يا زيدُ ويسعُ، وأل في لفظ ((الطَّيْرَ)) في الآية الكريمة مُؤَثِّرةٌ تعريفًا وتركيبًا مَّا، فأشبهَ ما هي فيه المضافَ.
ومن الاستشهاد على هذا الموضع في الشعر العربي قول الشاعر:
|
أَلا يا قيْسُ والضَّحَّاكُ سِيرَا |
|
فقد جاوزْتُما خَمَرَ الطريقِ |
٥.١ توابع المنادى المبني: أقسامها وأحكامها
يُروى برفع الضحّاكِ ونصبه، و"جاوزتما": تعدَّيْتُما، والخَمَرُ –بالتحريك: ما واراك من شجَر وغيره.
وينبغي العلمُ بأن هذا الخلاف إنما هو في الاختيار، أي في ذكر الوجه المختار، أما الوجهان: الرفعُ والنصبُ، فمجمعٌ على جوازهما إلا فيما عُطف على نكرة مقصودة، نحو: يا رجلُ والغلامُ، فلا يجوز فيه عند الأخفش ومن تبعه إلا الرفعُ.
وإنما جاز الوجهان في النسَق المقرون بأل؛ لامتناع تقدير حرف النداء قبله بسبب أل، فأشبهَ النعت في أن العامل فيه هو العامل في الأول، فجاز فيه مراعاةُ لفظ الأول ومراعاة محله كالنعت، والظاهر أنه يجوز فيه الوجهان ولو كان مضافًا، نحو: يا زيدُ والحسَنُ الوجهِ أقْبِلا، ولا بُعدَ فيه؛ لأن إضافته غير محضة، فهو كالمفرد لأنها في نية الانفصال ولذا دخلت أل عليه.