٤.٢ صور نداء لفظ الجلالة


الصـورة الأولى
وهي الأصل: أن تقول: يا أللهُ, بإثبات الألفين: ألف "يا" وألف "أل", بعد إدخال حرف النداء على الاسم الجليل, وقطع الهمزة.

الصورة الثانية
أن تقول: يَللَّهُ, بحذف الألفين معًا: ألف "يا" وألف "أل", ووجه حذف الألفين النظرُ إلى الأصل؛ فألفُ "أل" موصولةٌ بحسَب الأصل, فتُحذف لوقوعـها في الدَّرْج, وألف "يا" تُحذف لالتقائها ساكنةً مع اللام الأولى التي هي لامُ "أل".

الصورة الثالثة
أن تقول: ياللهُ بحذف الثانية -وهي همزة الوصل– فقط؛ وذلك بالنظر إلى الأصل, وإبقـاءِ ألف "يا" مـع التقائها ساكنةً مع اللام الأولى؛ إجراءً للمنفصل في كلمتين مُجرَى المتصل في كلمة واحدة.


٤.٢ صور نداء لفظ الجلالة


الصورة الرابعة
وهي الأكثر, أن تقول: اللهُمَّ, تحذفُ حرف النداء –وهو "يا" خاصةً كما تقدم– وتُعوِّضُ منه الميمَ المشددةَ في آخِر الاسم الجليل, ولم تُزَدِ الميمُ مكانَ المُعَوَّض منه –وهو حرف النداء– تبركًا بالبـداءة باسم الله تبـارك وتعالى, ولئلا تجتمع زيادتان: الميمُ و"أل" في الأول, ومن هنا خُصَّتِ الميمُ بذلك؛ لأن الميمَ عُهد زيادتُها آخِرًا, كميـم "زُرْقُمٍ" (بضم الزاي والقاف, ومعناه: الشديد الزرقة), كما خُصّت الميمُ أيضًا لمناسبتها لـ"يا" في أنـها للتعريف عنـد حمير, وشُدِّدت لتكون على حرفين كـ"يا", ولهذا لا يجمعون بينهما إلا في الضرورة النادرة, كقول الراجز:
إنِّي إذا ما حدَثٌ أَلَمــََّا
أقول: يا اللهمَّ يااللهمَّــا

لِمَا فيه من الجمع بين العوض والمعوَّض, والشاهد في قوله "يا اللهم يااللهما", حيث جمع الراجز بين حرف النداء والميم المشددة في آخر لفظ الجلالة للضرورة الشعرية النادرة عند البصريين, وقد اختار هذا الرأيَ ابنُ مالك, فقال في الألفية:
والأكثرُ "اللهمَّ" بالتعويض
وشَذَّ "يا اللهم" في قريضِ


٤.٢ صور نداء لفظ الجلالة


وذكر الفرَّاء في معاني القرآن أنه يرى أن الميم المشددةَ في "اللهمَّ" ليستْ عوضًا من "يا", وإنما هي بعض كلمة, وبقية جملة محذوفة, والأصل: يا أللهُ أُمَّنا بخيرٍ, فكثرت في الكلام فاختلطت وجرت على الألسنة, وامتزجت بلفظ الجلالة, فحذفوا بعض الكلام طلبًا للخفة, وبقي "أُمَّ", فحُذفتُ الهمزة –أيضًا– طلبًا لمزيد من الخفة, ونقلتْ حركتها –وهي الضمة– إلى ما قبلها وهو الهاء في لفظ الجلالة, فالميم المشددة –إذنْ– ليست عوضًا من "يا", والذي يدل على ذلك أنهم يجمعون بينهما كالرجز السابق, وكقوله:
وما عليكِ أنْ تقولي كلَّما
صلَّيْتِ أو سَبَّحْتِ يا اللهمَّ ما
اُرْدُدْ علينا شيخَنا مُسَلَّما

ولو كانت الميمُ المشددةُ عوضًا من "يا", ما جاز أنْ يُجمع بينهما؛ لأن العوض والمعوَّض لا يجتمعان, والصحيح ما ذهب إليه البصريون, قال سيبويه في الكتاب: "وقال الخليل رحمه اللهُ: اللهُمَّ نداءٌ, والميمُ ههنا بدلٌ من "يا", فهي ههنا فيما زعمَ الخليلُ رحمه الله –آخِرَ الكلمة– بمنزلة "يا" في أولها, إلا أن الميم ههنا في الكلمة كما أن نونَ المسلمِينَ في الكلمة بُنيَتْ عليها. فالميمُ في هذا الاسم حرفان أولُّهما مجزوم, والهاءُ مرتفعةٌ لأنه وقع الإعـراب عليها". اهـ.

٤.٢ صور نداء لفظ الجلالة


وفي ضوء النص المذكـور وغيره نقول في إعراب "اللهمَّ": لفظ الجلالة: منادى مبنيٌّ على الضم في محل نصب؛ لأنه مفردٌ علم، والميم المشددةُ عوض من "يا" المحذوفة.

أمَّا رأْيُ الفـرّاء فقد حكـم كثير من النحويين بفساده, ووصفَه أبو إسحاقَ الزجاجُ في معاني القرآن وإعرابه بأنه إقدام عظيم، وساق النحويون أدلة كثيرة على فساده, وأهمها:
أنه يجوز أن يقال: اللهمَّ أُمَّنا بخيرٍ, والأصل عدم التَّكرار, أي أنه في التعبير المذكور ثبتت الميمُ المشددةُ مع الجملة التي ادَّعى الفرَّاء أن الميم المشددة جزءٌ منها بعد حذف بقيتها للتخفيف.
أنه لو كان الأمر كما زعم, ما جاز أن يُستعمل هذا اللفظُ إلا فيما يُساير هذا المعنى, ولا خلافَ في أنه يجوز أن يقال: اللهم اغفر لي, كما يقع ضدُّ هذا المعنى فيقال: اللهمَّ العنْ هذا الكافرَ, اللهمَّ اخْزِهِ, اللهمَّ أَهلكْهُ, وما أشبهَ ذلك.
أن الله تعالى قد قال: ((وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) [الأنفال: ٣٢], ولو كان الأمر كما زعم الفرَّاءُ لكان التقدير: يا أللهُ أُمَّنا بخير إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندكَ فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتِنا بعذاب أليم, ولا شكَّ أن هذا التقديرَ ظاهرُ الفساد والتناقض؛ لأنه لا يكون أَمّهم بالخير أن يُمطَر عليهم حجارةٌ من السماء أو يُؤتوا بعذاب أليم.

٤.٢ صور نداء لفظ الجلالة


لو كانت الميم جزءًا من الفعل المحذوف –كما ادّعى الفرّاء– ما افتقرت "إن" الشرطيةُ في الآية الكريمة السابقةِ إلى جواب في قوله تعالى: ((إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)), وكانت الميم تسدُّ مسدَّ الجواب, فلمّا افتقرت إلى جواب في قوله: ((فَأَمْطِرْ)) دلَّ على أنها ليست من الفعل.

هذه هي أبرز الأدلة التي ذكرها البصريون وموافقوهم على فساد رأي الفرّاءِ ومن تبعه, وأجابوا عن الأرجاز التي استدل بها الكوفيون, بعدم معرفة قائليها, فلا تكون حجة, على أنها إن صحت عن العرب فنقول: إنها محمولة على الضرورة, وسهَّل الجمعَ فيها بين "يا" و"أل" كونُ العوضِ جاء في آخر الاسم, والمعوضِ في أوله, فلم يُجمع بينهما في مكان واحد, على أن الجمع بين العوض والمعوَّض جائز في الشعر للضرورة الشعرية. هذا, وقد ذكر النحاة أن "اللهم" تستعمل على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: النداء المحض.
الثاني: أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في ذهن السامع, كأن يقول القائل: أعليٌّ حضر؟ فتقول: اللهم نعم. ومن ذلك الحديث {{آللهُ أرسلك؟ قال: "اللهمَّ نعم"}}.
الثالث: أن تُستعمل دليلًا على الندرة وقلة الوقوع, نحو قولك: أنا لا أزورُكَ, اللهمَّ إلا إذا لم تدْعُنِي؛ إذ وقوع الزيارة مقرونةً بعدم الدعاء قليلٌ, ومنه قول العلماء: لا يجوز أكل الميتة اللهم إلا أن يُضطرَّ فيجوز.


٤.٢ صور نداء لفظ الجلالة


قيل: وهي على الوجهين الأخيرين لا معربة ولا مبنية؛ لخروجها فيهما عن النداء, فهي غير مركبة, لكن استظهر الصبان في حاشيته على شرح الأشموني بقاءَها فيهما على النداء مع دلالتها على التمكين أو الندرة, ثم قال: "ولَئِنْ سُلِّمَ خروجُها عن النداء بالكلية, فلا نسَلِّم أنها لا معربةٌ ولا مبنيةٌ لعدم التركيب؛ لأن خروج الكلمة عن معناها الأصلي لا يستلزم خروجها عما لها من إعراب أو بناء أو تركيب, فالمتجه عندي أنها باقيةٌ على تركيبها, وأنه يقال: اللهم: منادَى –أي ولو صورةً– مبنيٌّ على الضم إلى آخر ما مرَّ, فتأمَّلْ". اهـ.

الصورة الخامسة
في نداء لفظ الجلالة: أن تقـول "لاهمَّ", فتحذفَ حرفَ النـداء و"أل" من أول الاسم الكريم, وتجيءَ بالميم المشددة, وروى صاحب لسان العرب في مادة (أله) عن المنذريّ عن أبي الهيثم قوله: "ثم إن العرب لمّا سمعوا "اللهمَّ" جرتْ في كلام الخَلق, توهَّموا أنه إذا أُلقِيَتْ الألف واللام من "الله" كان الباقي "لاه", فقالوا: لاهمَّ, وأنشد:
همَّ أنت تجبر الكسيرا


٤.٢ صور نداء لفظ الجلالة


أنت وهبتَ جِلَّةً جُرجُورَا". اهـ.
ومن هذه الصورة أيضًا قول الراجز:

لاهمَّ إن كنتَ قبلتَ حِجَّتِجْ
فلا يزالُ شاحجٌ يأْتيكَ بِجْ

و"حجَّتِجْ": أي حِجَّتِي, والشاحِجُ –بالشين المعجمة والحاء المهملة قبل الجيم- البغلُ والحمارُ, من شَحَجَ –بفتح العين-يشحَجُ –بفتح العين وكسرها– شحِيجًا وشُحاجًا، إذا صوَّتَ, و"بِجْ" أي: بِي. يقول: اللهم إنْ كنتَ قبلتَ حِجَّتي هذه فلا تزال دابتي تأتي بيتكَ وأنا عليها. وإبدال الياء جيمًا يسمَّى عجعجةَ قضاعة.