... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع
ذهب الكوفيون والبغداديون إلى جواز نداء ما فيه "أل", نحويًّا الرجلُ أقبل, ويا الغلامُ تقدَّمْ, وذهب سيبويه وجمهور البصريين إلى عدم جواز نداء ما فيه "أل" في الاختيار, إلا ما استُثْني مما سنتحدث عنه لاحقًا إن شاء الله تعالى, ولكنا نُورد أولًا الأسباب التي دعتهم إلى إصدار هذا الحكم؛ وهي:

السبب الأول
أن نداءه يفيد التعريف و"أل" تفيد التعريف, ولا يُجمع بين معرِّفين. قالوا: ولهذا لا يجوز الجمع بين تعريف النداء وتعريف العلمية في الاسم المنادى العلَم, نحو: يا زيدُ, بل يُسلبُ عنه تعريفُ العلمية ويُعَرَّف بالنداء, وإذا لم يَجز أن يُجمع بين تعريفين أحدُهما بعلامة لفظية والآخَر بعلامة معنوية, فمن طريق الأَوْلَى ألا يجوز الجمع بين تعريفين كلاهما بعلامة لفظية.

السبب الثاني
أن تعريف الألف واللام تعريفُ العهد, وهو يتضمن معنى الغَيبة؛ وذلك أن العهد يكون بين اثنين –هما المتكلم والمخاطب– في شأن ثالث غائبٍ عنهما, والنداء خطابٌ لحاضر, فلم يُجمع بينهما لتنافي التعريفين.


... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


السبب الثالث
أن المنادى المقرون بأل إمّأ أن يُبنى، وإمّا يُعرب، وكلاهما مُشكل؛ أمّا البناءُ فوجه إشكاله من ناحيتين: الأولى: أن الألف واللام من خصائص الأسماء, فهي تُبعد الاسمَ من شبه الحرف الذي هو علةٌ للبناء. والثانية: أن أل معاقبةٌ للتنوين, فهي كالتنوين, فكأن الاسم المقترنَ بها منوَّنٌ. وأمّا الإعراب فوجه إشكاله أن العلة التي من أجلها بنَوُا المنادى –وهي وقوعه موقع الضمير لمشابهته له في الإفراد, والتعريف, والخطاب– موجودةٌ في ذي الألف واللام إذا نوديَ, فكيف يُعرب؟
فإن قيل: كيف يُجمع بين حرف النداء واسم الإشارة, واسمُ الإشارة لا يقبل التنكير كما عرفتَ؟ فالجواب عن ذلك من وجهين:

أحدهما: أن تعريف الإشارة إيماءٌ وقصْدٌ إلى حاضر, وتعريفَ النداء خطابٌ لحاضر وقصْدٌ لواحد بعينه, فلتقارُب معنى التعريفين صارا كالتعريف الواحد, ولذلك شبّه الخليل تعريف النداء بالإشارة في نحو هذا وشبهه؛ لأنه في الموضعين قصد وإيماءٌ إلى حاضر.
والثاني: ما قاله المازني من أن أصل "هذا" أنْ يُشير به واحدٌ إلى واحد, فلمّا دعوتَه نزعتَ منه الإشارةَ التي كانتْ فيه وألْزمتَه إشارةَ النداء, فصارتْ "يا" عوضًا من نزْع الإشارة, ومِن ثَمّ لا يقال: هذا أقبلْ, أي: يا هذا, وإنما يتحتّم عنده أن تذكر حرف النداء معه, حتى لا تجمعَ في الحذف بين العوض والمعوَّض.


... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


مواضع جواز الجمع بين حرف النداء وأل
استثنى سيبويه والجمهور من عدم جواز الجمع بين النـداء و"أل" ثلاثَ صــور، اثنتين في الاختيار، وواحـدة في الضرورة الشعرية, وأجاز محمدُ بنُ سعدانَ الكوفيُّ صورةً رابعة في الاختيار, وإليك الصورَ الأربع:

الصورة الأولى
نداء لفظ الجلالة تبارك وتعالى وإن كان فيه الألف واللام. قال سيبويه في الكتاب: "واعلم أنه لا يجوز لكَ أن تناديَ اسمًا فيه الألف واللامُ البتَّةَ, إلا أنهم قد قالوا: يا أللهُ اغفرْ لنا؛ وذلك مِن قِبَل أنه اسمٌ يلزمه الألف واللام لا يُفارقانِهِ, وكثُرَ في كلامهم فصار كأن الألف واللام فيه بمنزلة الألف واللام التي من نفس الحروف" ثم قال "وكأنّ الاسم –واللهُ أعلم– إلهٌ, فلمّا أُدخلَ فيه الألف واللامُ حذَفوا الألفَ, وصارتِ الألفُ واللامُ خلَفًا منها, فهذا –أيضًا– مِمَّا يُقَوِّيه أن يكونَ بمنزلة ما هو من نفس الحرف" اهـ.
ومعنى ما ورد في النص المذكور أن سيبويه إنما أجاز –كسائر النحاة– نداء لفظ الجلالة في الاختيار وإن كان فيه الألف واللام؛ لأمـور: الأول: أن "أل" فيه لازمةٌ لا تفارقه, والثاني: أن نداء هذا الاسم الكريم قد كثُر في كلامهم, والثالث: أن "أل" في هذا الاسم الكريم عِوضٌ من همزة "إله", فتنزَّلتْ لذلك كله منزلة حرفٍ من نفس الكلمة, فجاز أن يدخل عليها حرف النداء, وقد ذكر سيبويه –هنا– أحدَ ...

... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


... رأييه في اشتقاق لفظ الجلالة, وهو أن أصله "إلهٌ", فلمّا أُدخل عليه أل حُذفتِ الهمزة على وجه التليين, فأُلقيت حركتها على اللام قبلها وحُذفتْ هي, فصار: الِلاه، ثم أُدغمت اللام في اللام, وصارتْ أل عوضًا منها.
والذي يدل على أنها بمنزلة حرف من نفس الكلمة جوازُ أن يقال في ندائه تعالى: يا أللهُ بقطع الهمزة –كما سنعرف ذلك بالتفصيل لاحقًا- ولو كانت "أل" ليست مُنزلةً منزلةَ حرف من نفس الكلمة, لوجَب وصلُها, فلما جاز القطع ههنا دلَّ على أنها نزلتْ منزلة حرف من الكلمة, كما أن الفعل إذا سُمِّيَ به فإنه تُقطَع همزة الوصل منه, فتقول: جاءني أُنصُرْ وإفهمْ بقطع الهمزة وضمها في الأول وكسرها في الثاني فيمن سُميَ بذلك. وفي لسان العرب مادة (أله): وروى المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله تعالى في اللغة, فقال: كان حقُّه: "إلاهٌ"، أُدخلت الألف واللام تعريفًا, فقيل: الإلاهُ, ثمّ حَذَفتِ العربُ الهمزةَ استثقالًا لها, فلمّا تركوا الهمزةَ حوَّلوا كسرتَها في اللام التي هي لام التعريف, وذهَبَتِ الهمزةُ أصلًا فقالوا: أَلِلاَهٌ, فحرَّكُوا لامَ التعريف التي لا تكونُ إلا ساكنةً, ثُمّ التقى لامانِ متحركتان فأدغموا الأولى في الثانية فقالوا: اللهُ, كما قال الله عز وجل: ((لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)) [الكهف: ٣٨]؛ معناه: لكنْ أنا. اهـ.



... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


الصورة الثانية
الجُمَل المحكيةٌ المبدوءة بـ"أل", نحو: يا المنطلقُ زيدٌ, فيمن سُمِّيَ بذلك, نَصَّ على ذلك سيبويه, فقال في الكتاب: "ولوسمَّيتَه: الرجلُ منطلقٌ, جاز أنْ تناديَه, فتقول: يا الرجلُ منطلقٌ؛ لأنك سمَّيتَ بشيئين كل واحد منهما اسمٌ تامٌّ" وذكر سيبويه أنَّ التسمية بالجملة الاسمية وهي (الرجلُ منطلقٌ) بمنزلة التسمية بالجملة الفعلية مثل قولهم: تأبَّطَ شرًّا؛ "لأنه لا يتغير عن حاله, لأنه قد عمل بعضُه في بعض"، يعني أنّ الجملة سواءٌ أكانت اسميةً أم فعليةً قد نقلت من حالة الجملية إلى حالة العلمية من غير تغيير, بل حُكيتْ كحالتها التي كانتْ عليها, وقد عمل بعضُها في بعض, فصارتْ بمنزلة الاسم المفرد؛ لقصد حكاية لفظها, ومن ثَمّ جاز أن تكون مناداةً, شأنها في ذلك شأن سائر الأعلام المفردة, ولذلك يقال في إعرابها: "يا" حرف نداء, و"الرجلُ منطلقٌ": منادى, وهو مفردٌ علم, مبني على ضم مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الحكاية في محل نصب.
وأجاز المبرد نداء ما سُمِّيَ به من موصول مبدوءٍ بأل, نحو: يا الذي قام, ويا التي قامتْ, مخالفًا بذلك سيبويه الذي منع ذلك؛ لأنه يرَى أن الاسم الموصولَ مع صلته بمنزلة اسمٍ واحدٍ كالحارث, فكما لا يجوز لكَ أن تقول: يا الحارثُ, لا يجوز لك أن تقول: يا الذي قامَ, أو يا التي قامتْ, فيمن سُمِّيَ أو سُميتْ بذلك, كما لا يجوز فيه النداءُ قبل أن يكون اسمًا علَمًا. وقد صوَّبَ ابن مالك رحمه اللهُ في شرح التسهيل ما ذهب إليه المبرد, فقال: "وأجـاز سيبويه أن يقـال: يا الرجلُ قامَ, في المسمى بـ(الرجلُ قامَ)؛ لأن معناه: يا مقولًا له: الرجلُ قامَ, وقاس عليه المبردُ دخول "يا" على ما سُمِّيَ به من موصول مصدَّر بالألف واللام, نحو: يا الذي قامَ, وهو قياسٌ صحيحٌ" اهـ.

... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


ورجح أبو حيان ما ذهب إليه سيبويه فقال كما في الهمع: "والذي نَصَّ عليه سيبويه المنعُ, وفرقَ بينه وبين الجملة أنها سُميَ فيها بشيئين كل واحد منهما اسم تام, والذي وصلتُه بمنزلة اسم واحد كالحارث, فلا يجوز فيها النداء" اهـ.
وقد بسط الشيخ خالدٌ الأزهري القول في بيان مذهب سيبويه فقال في التصريح: "فإن قلتَ: لِمَ قال سيبويه فيمن سُمِّيَ بـ(الذي قامَ): إنه لا ينادَى مع أنه أيضًا محكي؛ لأنه قد عمل بعضه في بعض كما في الجملة؟ قلتُ: الفرق بينهما أن (الذي قامَ) محكيٌّ بحالته التي ثبتت له قبل التسمية, وهو قبلها لا ينادَى؛ لوجود أل, وذلك المانع باقٍ, ونحو: المنطلقُ زيدٌ ليس المانع من ندائه قبل التسمية وجودَ أل, بل كونه جملةً, وذلك المانع قد زال بالتسمية.
فإن قلتَ: المانع شيئان: الجملة, وأل, فإذا زال أحدهما بقي الآخَر. قلتُ: لو صحَّ هذا امتنع نداؤه, وأنت تسلم الجواز, وإذا ثبت الجواز, توجّهَ أن المنادى هو المجموع, وأل ليست داخلةً على المجموع, بل على جزءِ الاسم, فأشبَهَ ما لو سَمَّيْتَ بقولكَ: عبدُنا المنطلقُ. وأما (الذي) وصلتُه, فإنما يُحكى حكايةَ المفردات, لا حكايةَ الجمل, فالمنادى إنما هو (الذي) دون صلته, والإعراب يقدَّر في آخِر (الذي)؛ ولهذا إذا سَمَّيْتَ بـ(أيُّهم ضربتَه) –أيّ موصولة- لم تحكِ إعراب الرفع في (أيّ), بل تُعربها بحسب العوامل, فتقول: رأيتُ أيَّهم ضربتَه, ومررتُ بإيِّهم ضربتَه, كما أنك إذا سَمّيتَ باسم مفرد عامل فيما بعده, حكَيْتَ الاسمَ المفرد العامِل فيما بعده, فتقول: رأيتُ ضارِبًا زيدًا, ومررتُ بضاربٍ زيدًا" اهـ.



... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


الصورة الثالثة
هي جواز نداء ما فيه أل لضرورةِ الشعر, قال سيبويه في الكتاب: "وقال الشاعر:
مِنَ أجْلِكِ يا التي تَيَّمْتِ قلبِي
وأنتِ بخيلةٌ بالوُدِّ عنِّي

شبَّهَه بيا أللهُ" اهـ، فالشاهد في البيت قوله: يا التي, حيث أدخل الشاعر يا على الاسم الموصول؛ تشبيهًا بقولهم: يا أللهُ في لزوم الألف واللام في كل, والجمع هـنا بين "يا" وما صُدِّر بأل للضرورة الشعرية, ولا يجوز في الكلام, ولا يتأتى هنا الخلاف في الموضع السابق؛ لأن الموضع السابق في الاسم الموصول المصدر بأل إذا سُمِّيَ به.
وقال أبو سعيد السِّيرافيُّ شارح كتاب سيبويه فيما نقله عنه هارونُ محقق الكتاب –طيب الله ثراه– في تعليقه على الكتاب في الموضع السابق: "كان أبو العباس (يعني المبرد) لا يُجيز (يا التي), ويطعن على البيت, وسيبويه غير متهم فيما رواه, ومِن أصحابنا من يقول: إن قوله: (يا التي تيمت قلبي) على الحذف, كأنه قال: يا أيتُها التي تيمتِ قلبي, فحذَفَ وأقام النعت مُقام المنعوت" اهـ.

... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


والحق أن المبرد متفق مع سيبويه في أن دخول حرف النداء على (التي) في البيت المذكور ضرورة شعرية, فقد قال في المقتضب: "وقد اضطُرّ الشاعر فنادى بالتي؛ إذ كانت الألف واللام لا تنفصلان منها, وشبَّهَ ذلك بقولك: يا أللهُ اغفر لي, فقال:
من أجْلِكِ يا التي تيمتِ قلبي

وأنت بخيلة بالود عني" اهـ.
وإنما رَدَّ المبرد روايةَ بيتٍ آخَرَ ليس من شواهد سيبويه أُدخلت فيه "يا" على اسمٍ محلًّى بالألف واللام غيرِ موصول, فقال في المقتضب أيضًا: "وأمّا هذا البيتُ الذي يُنشده بعض النحويين:

فيا الغلامان اللذان فَرَّا
إياكما أن تَكسِبانا شرَّا


... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


فإن إنشاده على هذا غير جائز, وإنما صوابه: فيا غلامان اللذان فرّا, كما تقــول: "يا رجلُ العاقلُ أقبل" اهـ. وقد قيل: إن البيت المذكور ضرورة قبيحة, والذي جوَّزها –مع قبحها– أن المنادى وصف بالموصول وهو "اللذان", والصفة والموصوف كالشيء الواحد, فصار حرف النداء كأنه باشر الموصول, ومثله قوله تعالى: ((قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ)) [الجمعة: ٨], فعومل موصوف "الذي" معاملته في دخول الفاء في خبره.

الصورة الرابعة
أجازها محمدُ بن سَعْدانَ الضريرُ الكوفي: فقد وافق البصريين في منع نداء ما فيه "أل" في الاختيار إلا ما استثنَوْه, وزاد على ما استثناه البصريون إجازةَ نداء اسم الجنس المشبَّه به المقترنِ بأل اختيارًا, نحو: يا الأسدَ شدةً أقبل, ويا الخليفةَ هيبةً تقدَّمْ. ووافقه ابن مالك, فقال في شرح التسهيل في الموضع السابق نفسه: "وهو أيضا قياس صحيح؛ لأن تقديره: يا مثلَ الأسد, ويا مثلَ الخليفة, فحسُنَ لتقدير دخول "يا" على غير الألف واللام" اهـ.
واعترضه الشاطبي بأن تقدير "مثل" ليس مزيلًا لقبح الجمع بين "يا" و"أل", وإلا لجاز أن يقال: يا القريةَ؛ لأنه في تقدير: يا أهلَ القرية, ورُدَّ بأن هناك فرقًا بين: يا الأسدَ شدةً, وبين: يا القريةَ؛ لأن الأول دلَّ على معنى المثلية, وصيَّر اللفظ في قوة: يا مثلَ الأسد, ولا كذلك الثاني. ومِمّا يؤيد كونَ تقدير "مثل" مزيلًا للقبح قولُهم: "قضيةٌ ولا أبا حسَنٍ لها"؛ فإن تقديره عند كثيرين: ولا مثلَ أبي حسَن, فلولا أن تقدير "مثل" مزيلٌ لقبح دخول "لا" النـافية للجنس على المعـرفة, ما كان لهـذا التقدير وجهٌ, وللزم عمَلُ "لا" في المعرفة. والمنادى في نحو: يا الأسدَ شدةً, ويا الخليفةَ هيبةً: ...

... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


... منصوب وما بعده تمييز, ونَصْبُ المنادى قيل: لأنه من قبيل الشبيه بالمضاف؛ لأن كلا من "شِدَّةً" و"هيبةً" تمييزٌ, وقيل: إن "شدةً" ليس تمييزًا للأسد تمييزَ مفرد حتى يكون الأسد عاملًا فيه فيكونَ من الشبيه بالمضاف, وكذلك الحال في "هيبة", بل كل منهما تمييز نسبة, عامِلُه "مثلَ" المحذوفةَ التي بمعنى مماثل, وحينئذ يكون التركيب من المضاف تقديرًا؛ لأن الأصل: يامثل الأسد, ويا مثلَ الخليفة, كما قال ابن مالك, فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامَه.
أما الكوفيون –ما عدا ابنَ سعْدان– والبغداديون فقد ذهبوا إلى جواز نداء ما فيه "أل" مطلقًا, أي في الشعر والنثر, محتجين بالقياس والسماع, أمّا القياس فقد جاز: يا أللهُ بالإجماع, فيجوز: يا الرجلُ قياسًا عليه, بجامع أن كلًّا منهما فيه "أل" وليستْ من أصل الكلمة, وأما السماع فقد أنشدوا: فيا الغلامان اللذان فرا.... البيت, وقولَ الشاعر:

عباسُ يا المَلِكُ المتوَّجُ والذي
عرَفت له بيتَ العُلاَ عدنانُ


... ٤.١ نداء ما فيه "أل" بين الجواز والمنع، ومواضع جواز الجمع بين


وقد أجاب المانعون بأن لفظ الجلالة لا ينبغي أن يُقاس عليه؛ لكثرة استعماله, ولِمَا له من خواصَّ ليستْ لغيره, وأما البيتان فضرورةٌ, وقيل: إن أولهما لا ضرورةَ فيه لتمكُّن قائله من أن يقول: فيا غلامان اللذان فرّا, أو أن المنادى في كليهما محذوف, والأصل: يا أيها الغلامان, ويا أيها الملكُ. قال الناظم مشيرًا إلى ما تقدم:
وباضطرار خُصَّ جمعُ "يا" و"أل"
إلا مع "الله", ومحكِيِّ الجُمَلْ