٣.٣ تفهم الحكم إذا اضطرَّ شاعرٌ إلى تنوين المنادى المفرد المعرفة


الحكم إذا اضطرَّ شاعرٌ إلى تنوين المنادى المفرد المعرفة
اتفق النحاة على جواز تنوين المنادى المفرد المعرفة للضرورة الشعرية, ثم اختلفوا: هل الأَوْلَى بقاء ضمه, أو الأَوْلَى نصبه؟ فالمختار عند الخليل وسيبويه والمازنيّ, الأول:
إذا كان علمًا كقول الأحوص:

سَلامُ اللهِ يا مَطَرٌ عليها
وليس عليك يا مطرُ السلامُ

وكان الأحوص يهوَى امرأةً تزوَّجَها رجلٌ اسمُه مطرٌ, فقال فيه هذا الشعر, والشاهد فيه قوله: "يا مطرٌ" الأول, حيث نوَّن الشاعر المنادى المفرد العلم للضرورة الشعرية وأبقي الضمَّ وهو ما كان يستحقه المنادى في الأصل؛ اكتفاءً بما تدعو إليه الضرورةُ, وهو مجرد تنوين هذا المنادى. أو كان المنادى المفردُ المعرفةُ غير علم, كقول كثير عزة:


٣.٣ تفهم الحكم إذا اضطرَّ شاعرٌ إلى تنوين المنادى المفرد المعرفة


ليت التحِيَّةَ كانتْ لِي فأشكُرَها
مكانَ يا جَمَلٌ حُيِّيتَ يا رجُلُ

والشاهد فيه قوله: "يا جَمَلٌ", فالمنادى نكرة مقصودة, فهو من قبيل المفرد المعرفة في النداء, وقد اضطُرَّ الشاعر إلى تنوينه, وأبقاه مبنيًّا على الضم, وهو ما يستحقه هذا المنادى في الأصل. وإنما اختار الخليل وسيبويه والمازنيُّ بقاءَه على الضم اكتفاءً بما تدعو إليه الضرورةُ؛ لأنه إنما لحِقَه التنوينُ كما لحِقَ ما لا ينصرف للضرورة الشعرية, فلم يُغَيِّرِ التنوينُ ضمَّه كما لم يُغَيِّر تنوين الضرورة رفعَ ما لا يَنصرف إذا كان في موضع رفع.
والأَوْلَى عند عيسى بنِ عمرَ الثقفيِّ وأبي عمرِو بن العلاء ويونسَ والجَرمِيِّ والمبرد, الثاني, وهو نصبه مطلقًا؛ ردًّا له إلى ما يستحقه المنادى في الأصل وهو النصبُ. قالوا: كما رُدَّ ما لا ينصرف إلى الكسر في حالة الجر للضرورة الشعرية. قال سيبويه في الكتاب: (وكان عيسى بنُ عمرَ يقول: "يا مَطَرًا", يُشبِّهُهُ بقوله: يا رجُلاً. يجعلُه إذا نُوِّنَ وطالَ كالنكرة. ولم نسمعْ عربيًّا يقوله, وله وجهٌ من القياس إذا نُوِّنَ وطال كالنكرة) اهـ. ومما جاء من هذا النوع قولُ المهلهِل بنِ ربيعةَ:

ضَرَبَتْ صدرَها إليَّ وقالتْ
يا عَدِيًّا لقدْ وَقَتْكَ الأَوَاقِي


٣.٣ تفهم الحكم إذا اضطرَّ شاعرٌ إلى تنوين المنادى المفرد المعرفة


الشاهد في البيت قوله: "يا عَدِيًّا", حيث اضطُرَّ الشاعر إلى تنوينه, ولم يكتفِ بالتنوين, بل نصبه أيضًا مع كونه مفردًا علمًا. وقد استشهد ابنُ هشام في أوضح المسالك على هذا النوع بقول جرير:
أَعَبْدًا حَلَّ في شُعَبَى غَرِيبًا
أَلُؤْمًا لا أَبَا لكَ واغْتِرَابَا؟!

"حَلَّ": نزَلَ واستقَرَّ, و"شُعَبَى": بضم الشين وفتح العين: اسم جَبَل. والشاعر في البيت المذكور هجا رجلًا, فجعلَه عبدًا لئيمًا جمع بين اللُّؤْم والغُربة. والشاهد –عند ابن هشام– في البيت كالشاهد في بيت المهلهِل السابق.
والذي أراه أن ذلك البيت لا يصلح للاستشهاد به على ما نحن فيه؛ ذلك أنه من شواهد سيبويه في الكتاب, وقد سبق أن قال بالنسبة لهذا النوع: "ولم نسمع عربيًّا يقوله", وإنما أورده سيبويه للاستشهاد به على نصب المصدرين "لُؤْمًا واغترابًا" بفعلين محذوفين لوقوع كل منهما موقع الفعل, ثم ذكر أن قوله: "أعبدًا" يَحتمل وجهين أن يكون منادًى (يعنِي أنه نكرة مقصودة جُعل شبيهًا بالمضاف لوصفه بما توصف به النكرات وهو الجملة الفعلية الواقعة بعده, فنُصب), وإمَّا أن يكون منصوبًا على الحالية بتقدير: أتفتخر عبدًا؟! وقد أوضح هذا تمامًا الشيخ خالدٌ في التصريح نقلًا عن ابن السِّيد, ومن المعلوم أن كل ما تطرَّق إليه الاحتمالُ سقطَ به الاستدلال.

٣.٣ تفهم الحكم إذا اضطرَّ شاعرٌ إلى تنوين المنادى المفرد المعرفة


واختار الأعلم وابن مالك بقاءَ الضم في العلَم, والنصب في النكرة المقصودة؛ لأن شبهَها بالمضمر أضعفُ, وقيل: لأن اسم الجنس أصلٌ بالنظر إلى العلَم, والإعراب –في الأسماء– أصلٌ بالنظر إلى البناء, فلمّا اضطُرَّ الشاعر أعطَى الأصلَ للأصل والفرعَ للفرع. واختار السيوطي العكس, فاختار النصب في العلَم لعدم الإلباس فيه, والضمَّ في النكرة المقصودة لئلا تلتبس بالنكرة غير المقصودة؛ إذ لا فارِقَ –حينئذ– إلا الحركةُ لاستوائهما في التنوين. قال الصبان في حاشيته على شرح الأشموني: "وفيه أن تعليله -أي السيوطيِّ- اختيارَ نصب العلَم لا يتجه؛ لأنه كما لا إلباس في نصبه لا إلباس في ضمِّه, فلا يَتمّ التعليل إلا بضميمةِ كونِ الرجوعِ عند الضرورة إلى الأصل في الأسماء وهو الإعراب, فتدبَّرْ" اهـ.
قال الشيخ خالدٌ الأزهري في التصريح: "واختُلف في تنوين المضموم؛ فقيل تنوينُ تمكين؛ لأن هذا المبني يُشبه المعرب, وقيل تنوين ضرورة, وإليه ذهب ابن الخباز, قال: (يعني ابنَ هشام) في المغني: وبقوله أقول؛ لأن الاسم مبني على الضم, وخَيَّر (أي الناظمُ) بين الضم والنصب فقال:

واضمُمْ, أوِ انصِبْ ما اضْطِرَارًا نُوِّنَا
مِمَّا له استحقاقُ ضَمٍّ بُيِّنَا

وتظهر فائدتُهما في التابع؛ فتابع المنوَّنِ المضموم يجوز فيه الضمُّ والنصبُ, وتابع المنوَّنِ المنصوب يجب نصبه, ولم يجُزْ ضمُّه" اهـ.