... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


توجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن أو ابنة
اختلف النحويون في توجيه الفتح في المنادى المذكور على ثلاثة أقوال:

القول الأول
الفتح إتباعٌ لفتحة "ابن" لكون الحاجز بينهما ساكنًا غيرَ حصين, وعلى ذلك يكون المنادى مبنيًّا على ضمة مقدرة منع من ظهورها حركة الإتباع, و"ابن" صفته منصوب بالفتحة الظاهرة لأنه مضاف. وحركة الإتباع حركة تخفيفية لا تُغير المعرب عن إعرابه ولا المبني عن بنائه.

القول الثاني
الفتح للبناء على تركيب الصفة مع الموصوف, وجعلهما اسمًا واحدًا كخمسةَ عشرَ, وعلى ذلك تكون الفتحة في كل من المنادى وصفته للبناء, ويكونُ المنادى مجموعَ المركب, ففي نحو: يا زيدَ بنَ سعيد أقبل, تقول: "زيدَ بنَ": منادى مبني على فتح الجزأين في محل نصب؛ لأن هذا المركب مضافٌ, و"سعيدٍ" مضافٌ إليه.


... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


القول الثالث
الفتح للإعراب؛ لأنه مضاف وما بعد صفته مضاف إليه, والوصف مقحم بين المتضايفين, ففي المثال السابق تقول: زيدَ: منادى منصوب لأنه مضاف و"سعيدٍ" مضاف إليه, ولفظ "ابنَ" مقحم بين المضاف والمضاف إليه, ولا يصلح أن يكون بدلًا من "زيدَ", ولا عطفَ بيان له؛ لعدم تمام الأول إلا بالمضاف إليه, وعلى ذلك تكون فتحة "ابنَ" ليست للإعراب ولا للبناء؛ إذ هي كلمةٌ مقحمةٌ لا محل لها من الإعراب. وقيل: يجوز أن يكون "ابنَ" توكيدًا لفظيًّا بالمرادف, أو يُجعلَ مضافًا تقديرًا إلى مثلِ ما أُضيف إليه ما قبله وهو المنادى, مقدَّرًا قبله "يا", أو "أعني", ففتحته للإعراب على أنه منادى بالحرف المحذوف, أو مفعول به للفعل المحذوف. وقد أشار الناظم إلى حكم المنادى المفرد العلم الموصوف بابن بقوله:
ونحوَ "زيدٍ" ضُمَّ وافتَحَنَّ مِنْ
نحوِ أزيدَُ بنَ سعيدٍ لا تَهِنْ
والضَّمُّ -إنْ لم يلِ الابنُ علما
أو يلِ الابنَ علمٌ– قد حُتِما


... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


حكم المنادى المفرد المعرفة إذا كرر مضافًا
إذا كان المنادى مفردًا معرفةً وكُرِّرَ مضافًا إلى غيره, جاز لك فيه –أيضًا– الوجهان السابقان في العلم الموصوف بابن, وهما: الضمُّ والفتح, سواء أكان المنادى علمًا مثل: يا سعدُ سعدَ الأوس, وهو المثال الذي أورده ابن مالك في الألفية مشيرًا إلى قاعدة هذا الموضع بقوله:
في نحو "سعد سعدَ الأوْسِ" يَنتصِبْ
ثانٍ, وضُمَّ وافتحْ أولًا تُصِبْ

وقد ورد المثال المذكور في بيت من جملة أبيات قيل: إنها سُمِعتْ بمكةَ قبل إسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة -رضي الله عنهما- وهي قوله:
فإن يُسلِمِ السعدانِ يُصبحْ محمدٌ
بمكةَ لا يخشى خلافَ المخالف
فيا سعدَُ سعدَ الأوس كن أنت ناصِرًا
ويا سعدَُ سعدَ الخزرجِينَ الغطارف

... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


أجيبا إلى داعِي الهدَى وتَمَنَّيا
على الله في الفردوس مُنيةَ عارِفِ

أم كان المنادى اسمَ جنسٍ, نحو: يا رجلُ رجلَ القوم, أم كان وصفًا, نحو: يا صاحبُ صاحبَ بكر, وخالَفَ الكوفيون في اسم الجنس, فأوجبوا فيه الضمّ, وفي الوصف؛ فذهبوا إلى أنه يُضمّ بلا تنوين ولا يُنصَب إلا منوَّنًا, فتقول: يا صاحبًا صاحبَ بكر.
ويلاحظ أن الثاني منصوبٌ على الوجهين وجوبًا, ما لم يصحبْ أل, فإن صحب أل جاز فيه الرفع أيضًا, نحو: يا حسنُ الحسنُ الوجهِ, برفع الحسن ونصبه. أمّا إعراب التركيب فهو على النحو التالي:
إن ضممتَ الأول فقلتَ: يا سعدُ سعدَ الأوسِ –وهو الأكثر لأنه منادى مفردٌ معرفةٌ– فالثاني منصوب على أنه بيانٌ له, أو بدلٌ منه, أو منادًى ثانٍ بإضمار "يا", أو مفعولٌ به بإضمار "أعني" ونحوه, وأجاز ابنُ مالك إعرابه توكيدًا للأول, واعترضه أبو حيان فقال: لم يذكرْه أصحابنا وهو ممنوع؛ لأنَّه لا معنوي كما هو واضح؛ إذ التوكيد المعنوي له ألفاظ محدودة ليس منها المذكور, ولا لفظي؛ لاختلاف جهتي التعريف؛ لأن الأول معرَّفٌ بالعلمية أو النداء, والثاني بالإضافة لأنه لم يُضَف حتى سُلبَ تعريفَ العلمية.

... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


قيل: وهناك مانع من كونه توكيدًا لفظيًّا أقوى من اختلاف جهتي التعريف, وهو أن اللفظ الثاني قد اتصل بما لم يتصل به اللفظ الأول وهو المضاف إليه.
وقد أجاب بعضهم بأن التوكيد اللفظي يكفي فيه اشتراكهما في جنس التعريف وإن اختلف وجها التعريف أو اتصل الثاني بما لم يتصل به الأول وأجاز السيرافي نصبَ الثاني على النعت, وتأوَّل فيه معنى الاشتقاق, فيقول –مثلًا– في سعد الأوس: المنسوب أو المنتسب إلى الأوس. وضعَّفه الشاطبي بأن النعت بالجامد على تأوُّله بالمشتق موقوفٌ على السماع.
وإن فتحت الأول فقد اختلف النحاةُ في توجيهه؛ فقال سيبويه: هو منصوبٌ لأنه مضاف، والمضاف إليه ما بعد الثاني, والثاني مقحم بين المضاف والمضاف إليه, ففي نحو قول جرير في قصيدة يهجو بها عمرَ بنَ لَجَإٍ (بفتح اللام والجيم وآخره همزة) مخاطِبًا قومه –وهم تَيْمُ بنُ عبد مناة, قائلًا لهم: امنعوه من هجائي حتى تأمنوا أن أُلقيكم في بَلِيَّة, فيقول:

يا تَيْمَ تيْمَ عَدِيٍّ لا أَبا لكمُ
لا يُلْقِيَنَّكُمُ في سوْءَةٍ عمرُ


... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


وقول عبدِ الله بن رواحة -رضي الله عنه- أو بعضِ ولد جرير مخاطبًا زيد بنَ أرقمَ, مضيفًا إياه إلى اليَعْمَلاتِ وهي النُّوقُ القويةُ الصابرة على السير؛ لحُسن قيامه عليها ومعرفته بحِدائها, قائلا له: انزل عن راحلتكَ, واحْدُ الإبلَ؛ فإن الليل قد طال, وحدث للإبل الكَلال, فنشِّطْها بحِدائكَ, فيقول له:
يا زيدَ زيدَ اليَعْمَلاتِ الذُّبّل
تطاولَ الليلُ عليكَ فانزِلِ

الأصل في البيت الأول عند سيبويه: يا تَيْمَ عَدِيٍّ تَيْمَهُ, وفي البيت الثاني: يا زيدَ اليَعْمَلاَتِ زيدَهَا, فحُذف الضمير من الثاني في كل منهما, ثم أُقحم الذي كان مضافًا إلى الضمير المحذوف بين المضاف الأول وما أُضيف إليه. قالوا –كما في الهمع– ولا يجوز الفصل بين المتضايفين بغير الظرف إلا في هذه المسألة.
وعليه ففتحة الثاني المقحمِ بين المتضايفين ليست للإعراب ولا للبناء؛ لأنها غير مطلوبة لعامل, وقيل: فتحته للإتْباع وإن كان يَرِد عليه أن بين المُتبَعِ والمتبَعِ له حاجزًا حصينًا, وقيل: فتحته للإعراب لأنه توكيد لفظي للأول, ولا يصح إعرابُه بدلًا أو عطفَ بيان؛ لأنهما لا يكونان إلا بعد تمام الأول, والأول لا يكمل إلا بالإضافة.

... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


وقد ضُعِّفَ مذهب سيبويه هذا بأنه مبني على جواز إقحام الأسماء وأكثرُهم يأباه, وعلى جوازه ففيه فصل بين المتضايفين وهما كالشيء الواحد, وكان يلزم أن يُنوَّن الثاني لعدم إضافته. ورُدَّ بأنّ الفصل بالثاني مغتفر لأنه كلا فصل؛ لاتحاد الاسمين لفظًا ومعنى, وأن عدم تنوين الثاني مراعاةٌ لمشاكلة ما قبله.
وقال المبرد: الأول منصوبٌ لأنه مضافٌ إلى محذوف مماثلٍ لما أُضيف إليه الثاني, والأصل: يا سعدَ الأوسِ سعدَ الأوس, ويا تيمَ عديٍّ تيمَ عديٍّ, ويا زيدَ اليعملاتِ زيدَ اليعملاتِ, فحُذف المضافُ إليه من الأول لدلالة الثاني عليه, وهو نظير ما ذهب إليه في نحو: قَطَعَ اللهَ يَدَ ورِجْلَ مَنْ قالَها. وعليه ففتحة الثاني للإعراب على أنه بيان للأول, أو بدل, أو توكيدٌ, أو منادًى ثانٍ بإضمار "يا", أو مفعول به بإضمار "أعني", أو نعت على تأويله بالمشتق, وهذا الأخير ضعيف كما تقدم.
وضُعِّفَ رأيُ المبردِ بأنه على غير طريقة الحذف المتبعة كثيرًا عند العرب؛ لأن الكثير عندهم أن يُحذف من الثاني لدلالة الأول عليه, لا أن يُحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
وقال الفرّاءُ: الأول منصوب لأنه هو والثاني معًا مضافان إلى المذكور, فلا إقحامَ ولا حذفَ, وقد أُُخذَ هذا القول من توجيهه قولَ أبي ثََرْوانَ العُكْلِيِّ: "قطَعَ اللهُ الغَدَاةَ يَدَ ورِجْلَ مَنْ قالَهُ", فقد ذهب إلى أن الاسمين مضافان إلى "مَنْ", ولم يُصَرِّح به هنا.

... ٣.٢ تلم بتوجيه الفتح في المنادى المفرد العلم الموصوف بابن


وعليه ففتحة الثاني للإعراب على أنه توكيد لفظي, ولا يصح إعرابُه بدلًا أو بيانًا؛ لأنهما –كما عرفتَ– إنما يكونان بعد تمام الأول. وضُعِّفَ بأن فيه توارُدَ عاملين على معمول واحد, ورُدَّ بأن العاملَينِ هنا متحدان لفظًا ومعنًى فكأنهما عاملٌ واحدٌ, فلا ضَعفَ.
وقال الأعلم الشَّنْتَمرِيُّ: الأول مبني؛ لأنه مركب مع الثاني, فقد جُعلا اسمًا واحدًا كخمسةَ عشرَ, ثم أُضيفا, ففتحة كل منهما للبناء, فنقول في نحو: يا سعدَ سعد الأوس: سعدَ سعدَ منادى مبني على فتح الجزأين في محل نصب لأنه مضاف, و"الأوسِ" مضافٌ إليه.
وقال السِّيرافيُّ: الأول مبني وفتحته للإتْباع, فالأصل: يا سعدُ سعدَ الأوسِ, بضم الأول ونصب الثاني, ففتح إتْباعًا لفتحة الثاني, فهو مبني على ضم مقدر منع من ظهوره حركة الإتباع. وضُعِّفَ بأن بين الاسمين حاجزًا حصينًا, وهو الحرف الأول المتحرك من الاسم الثاني.
هذا؛ وينبغي أن نلفت النظر هنا بعد الوقوف على هذه الآراء والأقوال إلى أنه إذا كان الثاني غير مضاف, نحو: يا سعدُ سعد, ضُمَّ الأول فقط, أما الثاني فيجوز ضمه. قيل: على أنه بدل من الأول, ورُدَّ بأنه لا يتّحد لفظ بدلٍ ومبدلٍ منه إلا ومع الثاني زيادةُ بيان, وقيل: على أنه منادًى ثانٍ بإضمار حرف النداء. وقيل على أنه توكيدٌ لفظيٌّ. ويجوز رفعه ونصبه على أنه توكيد لفظي على اللفظ أو المحل, وقيل: على أنه عطف بيان على اللفظ أو المحل أيضًا. ورُدَّ بأن الشيء لا يُبيّن نفسه.