... ،٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى
٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى، والحكم عند اختلال
هذه الشروط أو بعضها
شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى والحكم عند اختلال هذه الشروط أو بعضها
قد عرفتَ مما سبق أن المنادَى إذا كان مفردًا معرفةً استحق البناء على الضم أو ما ناب عنه، وستعرف الآن أن هناك نوعًا من المنادى المفرد المعرفة خصَّه العرب بحكم ينفرد به عن نظائره، وهذا الحكم جواز الضم والفتح إذا توافرت فيه شروطٌ أربعة، وهي:
الشرط الأول
أن يكون علمًا, احترازًا من نحو: يا رجلُ ابنَ عمرو, فالمنادَى نكرةٌ مقصودة وليس علمًا, والنكرة المقصودة من قبيل المفرد المعرفة, فيتحتَّم فيه البناء على الضم؛ رجوعًا إلى الحكم الأصلي, ولا يجرِي في هذا المثال ونحوه الخلافُ السابق في حكم النكرة المقصودة الموصوفة؛ لأن النكرة هنا لم توصف بما توصف به النكرة, وإنما وصفت بمعرَّف, ومن ثَم يكون المنادى باقيًا على تعريفه.
وأجاز بعض البصريين فتحَ المنادى المفرد المعرفة وإن لم يكن علمًا إذا وقع موصوفًا بابنٍ الواقعِ بين متَّفِقَيِ اللفظ نحو: يا عالِمَ ابنَ العالِمِ, وألحق الكوفيون بالعلم قولهم لمن لا يُعرَف هو ولا أبوه: يا ضُلَّّ ابنَ ضُلٍّ, وقولَهم: يا سيدَ ابنَ سيدٍ, ومذهب البصريين في مثل ذلك التزام الضم.
... ،٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى
٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى، والحكم عند اختلال
هذه الشروط أو بعضها
الشرط الثاني
أن يكون المنادى العلَم موصوفًا بابن, احترازًا من كونه موصوفًا بغير كلمة "ابن", نحو: يا زيدُ الفاضلُ, فيتعيَّن ضم المنادى فقط, واحترازًا –أيضًا- من كون الابن غيرَ صفة له, بأن كان بدلًا منه, أو عطف بيان له, أو منادًى سقط منه حرف النداء, أو مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: أعنِي ونحوِه, أو كان مرفوعًا على أنه مبتدأً نحو يا خالدُ, ابنُ عمرو في الدار.
وتأخذ كلمةُ "ابنة" حكم كلمة ابن تمامًا, فتقول: يا فاطمةَُ ابنةَ سعيد تقدمِي: بضم المنادى وفتحه, كما تقول: يا زيدُ بنَ سعيد أقبل بضم المنادى وفتحه. بخلاف كلمة "بنت" فالوصف بها لا يُخرج المنادى المذكور عن البناء على الضم؛ إذ لا أثرَ للوصف بها عند جمهور العرب, فنحو: يا هندُ بنتَ عمرو, يجب فيه ضم المنادى فقط, ويمتنع فتحه؛ وذلك لقلة استعمال هذه اللفظة في الوصف, أما لفظا "ابنٍ, وابنةٍ" فقد كثر استعمالهما في الوصف, وكثرة الاستعمال تقتضِي التخفيف, والفتح لون من ألوان التخفيف, ولأن "ابنة" هي "ابن" بزيادة التاء, بخلاف "بنتٍ" فهي بعيدة الشبه, وأيضًا الفتح عند كثير من النحاة إتباعٌ لفتحة النصب في "ابنٍ وابنةٍ" الواقعين وصفين للمنادى العلم, ويتعذر الإتباع إذا كان الوصف كلمةَ "بنتٍ"؛ لأن بين آخِر حرف في المنادى الموصوف وآخِر حرف في الوصف حاجزًا حصينًا وهو الباء المحرَّكة.
... ،٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى
٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى، والحكم عند اختلال
هذه الشروط أو بعضها
وجوَّز أبو عمرِو بنُ العلاء سماعًا أن يقال: يا هندَ بنتَ سعيدٍ بفتح المنادى؛ بناءً على أن الفتح للتركيب, لا للإتباع, ويأتي القولان اللذان في الوصف بكلمة "بنت" في مثل: يا زيدُ بُنَيَّ عمرٍو, بتصغير "ابن", فيمتنع الفتح للإتباع, ويجوز على القول بالتركيب. ولم يشترط الكوفيون هذا الشرط, فالمنادى العلَم المفرد يجوز فيه عندهم الضم والفتح إن وصف بابنٍ أو بغيره؛ بناءً على أن علة الفتح التركيبُ, أي: تركيب الصفة مع الموصوف وجعلهما شيئًا واحدًا, وقد جاء في باب "لا" النافية للجنس نحو: لا رجلَ ظريفَ في الدار بفتحهما, فجوّزوا ذلك هنا, وأنشدوا عليه قولَ جريرٍ في مدح عمرَ بنِ عبد العزيز -رضي الله عنه:
|
فما كعبُ بنُ مامةَ وابنُ سُعْدَى |
|
بأجودَ منك يا عمرَ الجوادَا |
الرواية بفتح "عمرَ" وصفته, والقوافي منصوبةٌ و"كعبُ بن مامةَ": هو كعب الأيادي الذي آثر رفيقه بالماء على نفسه حتى هلك عطشًا, و"ابن سُعدَى" هو أوسُ بنُ حارثةَ الطائيُّ الجوَادُ المشهور, و"سُعدَى" أمه, ويروى "أَرْوَى" مكان "سُعْدَى", قيل -كما ورد في التصريح: والمراد به عثمانُ بن عفانَ -رضي الله عنه.
... ،٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى
٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى، والحكم عند اختلال
هذه الشروط أو بعضها
وقد خَرَّج البيتَ مَنْ انتصر للبصريين على أن أصله: "يا عمرَا" بالألف عند مَنْ يُجيز إلحاقها في غير الندبة والاستغاثة والتعجب, وقيل: إن أصله: "يا عمرًا" بالتنوين للضرورة, ثم حُذف لالتقاء الساكنين, وفي التخريج الأخير تكلفٌ ظاهرٌ.
الشرط الثالث
أن يكون الوصف -وهو ابنٌ وابنةٌ– متصِّلًا بموصوفه المنادَى, احترازًا من نحو: يا زيدُ الفاضلُ ابنَ عمرٍو, فهذا المثال ونحوه وقع فيه لفظ "ابن" صفةً ثانية للمنادى, وفُصل بينه وبين المنادى, فحكمه الضم فقط, ولا يجوز فيه الفتح.
الشرط الرابع
أن يكون الوصف مضافًا إلى علَم, احترازًا من نحو: يا عروةُ ابنَ أخينا, فهنا يتحتم في المنادى الضم فقط, ولا يجوز فيه الفتح.
ولا فرقَ بين أن يكون العلَم المضافُ إليه الوصفُ اسمًا, نحو: يا طلحةُ بنَ خويلدٍ, أو كنيةً, نحو: يا عَقيل بنَ أبي طالب, أو لقبًا, نحو: يا جعفر بنَ زين العابدين، ويا عمرو بنَ بطةَ, كما أنه لا فرق بين أن يكون العلمان –المنادى المفردُ, والمضافُ إليه الوصفُ– مذكَّرَيْن أو مؤنثَين, أو مختلفين, والأمثلة لا تخفى عليك.
... ،٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى
٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى، والحكم عند اختلال
هذه الشروط أو بعضها
الشرط الخامس
وزاد بعض النحاة –منهم ابن مالك- شرطًا خامسًا, وهو: أن يكون المنادى المفردُ العلمُ ظاهرَ الإعراب. قال ابن مالك في التسهيل: ويجوز فتحُ ذي الصفة الظاهرة إتْباعًا إن كان علمًا ووصف بابن متصل به مضافٍ إلى علم. وقال في شرحه: فلو لم تكن ضمة المنادى ظاهرةً لم يُنوَ تبَدُّلُها بفتحة؛ إذ لا فائدةَ في ذلك. وقد أجاز الفرَّاءُ في "عيسى" من قوله تعالى: ((يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ)) [المائدة: ١١٠] تقدير الضمة والفتحة. اهـ. فابن مالك يرى أنه لا فائدة من جواز الفتح فى المنادى المذكور إذ لا ثقَلَ مع التقدير حتى يُخفَّفَ بالفتح, خلافًا للفرَّاء والزمخشري وابن يعيش.
الشرط السادس
وزاد بعضهم شرطًا سادسًا, وهو: أن يكون الوصف "ابنٌ أو ابنةٌ" مفردًا, لا مثنّى ولا جمعًا, وإلا تعين الضمُّ, فإذا اجتمعت الشروط السابقة جاز في المنادى وجهان: الضمُّ والفتحُ, والمختار عند البصريين -غير المبرد– الفتحُ؛ وذلك لكثرة وقوع المنادى جامعًا للشروط المذكورة, والكثرة مناسِبةٌ للتخفيف, فخفَّفوه لفظًا بفتحه, وسهَّل ذلك كونُ الفتحة حركتَه المستحَقَّةَ في الأصل لكونه مفعولًا, وخفّفوه خطًّا بحذف ألف "ابن" و"ابنةٍ".
... ،٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى
٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى، والحكم عند اختلال
هذه الشروط أو بعضها
والمختار عند الكوفيين والمبرد الضمُّ؛ لأن أصلَ ما يستحقه المنادى المفردُ المعرفةُ, أما "ابنٌ" و"ابنةٌ" فكل منهما منصوب وجوبًا؛ لأنه وصف مضافٌ دون أل, وحكَى الأخفش أن بعض العرب يضمه إتْباعًا لضم المنادى, منها للإتْباع, وهو نظير قراءة (الحمدُ لُلَّهِ) في تبديل حركةٍ بأثقلَ منها للإتْباع, وفي كون ذلك من كلمتين, وفي تبعية الثاني للأول –لكنه مخالفٌ في كونه هنا إتباعَ معربٍ لمبنيٍّ, وقراءةُ (الحمدُ لُلَّهِ) بالعكس. وزعم ابن كَيْسانَ أن الفتح أكثر, ومن ذلك قوله:
|
يا حَكَمَ بنَ المُنْذِر بنِ الجارُودْ |
|
سُرادِقُ المجدِ عليكَ مَمْدُودْ |
بفتح "حَكَم", وقال المبرد: إنه لو قال: يا حكمُ بالضم, لكان أَوْلَى؛ لأنه الأصل.اهـ. والممدوح في البيت: الحكمُ بنُ المنذرِ بنِ الجارودِ العبديِّ وكان من السادات. وهو أحد ولاة البصرة لهشامِ بن عبد الملك, وسُمّي جدُّه الجارودَ لأنه أغار على قوم فاكتسحَ مالهم, فشُبِّهَ بالسيل الذي يجرد ما مرَّ به. وأراد أن المجد قد امتدّ في وجهه كامتداد السُّرادق. والشاهد في البيت فتح "حكم" لأنه منادى مفرد علم موصوف بابن متصل به مضاف إلى علم. ومن ذلك –أيضًا- قولُ العَجَّاج:
... ،٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى
٣.١ تتعرف على شروط جواز الضم والفتح في هذا المنادى، والحكم عند اختلال
هذه الشروط أو بعضها
|
يا عمرَ بنَ مَعْمَرٍ لا مُنتَظَرْ |
|
بعد الذي عدا القُروصَ فحزرْ |
يخاطب العجاجُ عمرَ بنَ عبيد الله التَّيْميَّ, وكان قد ولِيَ حرب الخوارج بعد أن عظم أمرهم واشتدَّ. والقُروصُ: أن يَحمُضَ اللبنُ حموضةً يسيرةً, والحُزُورُ: أن تشتدّ حموضتُه, ومن أمثالهم في إفراط الأمر واشتدادِه "عَدَا القُروصَ فحَزَر". يقول: لا مُنتَظَرَ بعد ما جَرَى من الخوارج, يريد: لا تتوقفْ عن محاربتهم, فقد جاوزوا إلى أشدَّ مما كان يُخاف منهم.