٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


المنادى المستحق للإعراب
يكون المنادَى معربًا منصوبًا إذا كان نوعًا من أنواع ثلاثة:

النوع الأول
أن يكون نكرةً غير مقصودة، سواءٌ أكانت جامدةً أم مشتقة، واردةً في شعر أو في نثر، فإذا قلتَ: يا رجلًا، ويا غلامًا غيرَ قاصدٍ رجلًا بعينه، ولا غلامًا بعينه، فالمنادى نكرةٌ غيرُ مقصودة، ومثال ذلك قول الأعمى: يا رجلًا خذ بيدي، وقولُ الواعظ: يا نائمًا تنبه، ويا غافلًا والموت يطلبه، فالمنادى في ذلك كله نكرةٌ غيرُ مقصودة. ولم يَرد هذا النوع في القرآن الكريم سوى في آيتين محتمِلَتَيْن له ولغيره، الأولى قوله تعالى: ((قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ)) [يوسف: ١٩]، فالمنادى "بشرى" قيل: يَحتمل أن يكون نكرةً غيرَ مقصودة، فهو معرب منصوب، وحـذف منه التنويـن للمنـع من الصـرف لأن ألـف "فُعْلَى" لا تكون إلا للتأنيث، والثانية قوله عز وجل: ((يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)) [يس: ٣٠] قال أبو حيان في البحر المحيط: ونداء الحسرة على معنى: هذا وقت حضوركِ وظهوركِ، هذا تقدير نداء مثلِ هذا عند سيبويه، وهو منادى منكور على قراءة الجمهور. اهـ.
ومن ورود النكرة غير المقصودة في الشعر العربي قول عبد يغوثَ بنِ وقَّاصٍ الحارثِيِّ:


٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


فيا راكِبًا إمّا عرَضتَ فبلِّغَنْ
ندامايَ من نجرانَ أنْ لا تلاقِيا

ويروى: أيا راكبًا، و"عرضتَ": أي أتيتَ العَروضَ وهو مكةُ والمدينة وما حولهما، و"نجـران" بلد باليمن. والبيت من شواهــد سيبويه في الكتاب. والشاهد فيه نصب "راكبًا"؛ لأنه منادى منكور، إذ لم يَقصد الشاعر به قصْدَ راكب بعينه، إنما التمس راكبًا من الرُّكبان يبلغ قومه خبره وتحيته، ولو أراد راكبًا بعينه لبناه على الضم، ولم يَجُزْ له تنوينُه ونصبُه؛ لأنه ليس بعده شيءٌ نكرةٌ يكون مِن وصفه... وإنما قال هذا لأنه كان أسيرًا.
والبصريون –في ضوء الشواهد المتقدمة ونحوها– يُجيزون نداء النكرة غير المقصودة، إذ لا مانع عندهم من ذلك، وذهب المازني إلى أنه لا يُتصوَّر أن يوجد في النداء نكرةٌ غيرُ مُقبَلٍ عليها (يعني غيرَ مقصودة)؛ إذ نداء غير المعيَّن -في نظره- لا يمكن، ويرى أن ما جاء منونًا فإنما لحقه التنوين شذوذًا أو ضرورةً، وذهب الكوفيون إلى جواز ندائها إن كانت خلَفًا من موصوف، بأن كانت صفة في الأصل حُذف موصوفُها وخلَفَتْه، نحو: يا ذاهبًا، والأصل: يا رجلًا ذاهبًا، والمنع إن لم تكن كذلك. وأرجح الآراء وأولاها بالاعتبار قول البصريين؛ لورود نداء النكرة غير المقصودة شعرًا ونثرًا.



٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


النوع الثاني
يكون المنادَى مضافًا، سواءٌ أكانت إضافته محضةً، وهي الخالصة من شائبة الانفصال، نحو قوله تعالى: ((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)) [آل عمران: ٨]، وقوله عز وجل: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)) [النساء: ١٦١]، أم كانت غيرَ محضة، نحو قول المولى تبارك وتعالى: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)) [يوسف: ٣٩].
وأجاز ثعلبٌ البناءَ على الضم في الإضافة غير المحضة؛ لأن إضافتها في تقدير الانفصال، ويرده السماعُ، وعدم وجود علة من العلل المقتضية لبناء المنادى التي أوضحْناها.
وشرط نداء المضاف عدمُ إضافته إلى كاف الخطاب، فلا يجوز نحو: يا غلامَكَ, قال السيوطي في الهمع ذاكرًا العلة في عدم جواز ذلك: لأن المنادَى –حينئذٍ– غيرُ مَن له الخطابُ، فكيف يُنادَى مَن ليس بمخاطب؟ اهـ.
وقد أجاز النحاة الفصل بين المنادَى المضاف والمضاف إليه باللام الزائدة للضرورة الشعرية؛ توكيدًا للإضافة، كقول النابغة الذبياني:

قالتْ بنو عامرٍ خالوا بني أسد
يا بؤسَ للجهل ضرَّارًا لأقوام


٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


قوله "خالوا"، من المخالاة وهي المتاركة والمقاطعة، ومعنى البيت: ما أبأس الجهلَ على صاحبه، وما أضرَّه له! والشاهد قوله: "يا بؤسَ للجهل"، أصله: يا بؤسَ الجهلِ، بالإضافة، قأقحم الشاعر اللام بين المتضايفين لتوكيد الإضافة؛ اعتمادًا على الضرورة الشعرية، والبيت من شواهد سيبويه في الكتاب، ومثله قول سعد بن مالك:
يا بؤسَ للحرب التي
وضعتْ أراهطَ فاستراحوا

"أراهطَ": جمع أَرْهُطٍ –بضم الهاء– جمع رَهْطٍ بسكونها، وقيل: هي جمع رَهْطٍ بسكون الهاء على خلاف القياس، والرَّهْطُ: النفَر من ثلاثة إلى عشرة، ومعنى "وضَعتْ أراهِطَ": حطَّتْهم وأسقطتْهم، فلم يكن لهم ذِكر شرفٍ في هذه الحرب، فاستراحوا من مكابدتها كالنساء، والشاهد فيه كالذي قبله، وموضع الشاهد قوله "يا بؤسَ للحرب"، والبيت –أيضًا– من شواهد سيبويه في الكتاب.


٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


النوع الثالث
الشبيه بالمضاف، وقد عرّفَه النحاة بأنه: ما اتصل به شيءٌ من تمام معناه، فهو اسمٌ يجيء بعده شيءٌ من تمام معناه، ويكونُ معمولًا له، أو معطوفًا عليه عطفَ نسق قبل النداء، فيكونُ المنادى مرتبطًا بما يجيء بعده ارتباطًا لفظيًّا ومعنويًّا، كما أن المضاف يرتبط بما بعده وهو المضاف إليه ارتباطًا لفظيًّا ومعنويًّا، ومن ثََم سُمِّيَ هذا النوع: الشبيهَ بالمضاف، أو المضارعَ للمضاف.
ووجه شبهه بالمضاف كما رأيت ارتباطُ كل بما بعده ارتباطًا لفظيًّا ومعنويًّا، والارتباط اللفظي في الشبيه بالمضاف هنا بأحد أمرين: إما بالعمل، وإما بالعطف، وأما الارتباط المعنوي فلأن ما بعده يكون متممًّا لمعناه، والعمل يكون في فاعِلٍ، نحو: يا حسنًا وجهُهُ، ويا طاهِرًا قلبُهُ، ويا جميلًا فعلُهُ، فوجهُهُ مرفوعٌ على الفاعلية بـ"حسَنًا"، وقلبُهُ مرفوعٌ على الفاعلية بـ"طاهِرًا"، وفِعلُهُ مرفوعٌ على الفاعلية بـ"جميلًا".
أو في مفعول، نحو: يا طالِعًا جبلًا، ويا طالِبًا علمًا، ويا مطيعًا ربَّهُ، ويا محترِمًا والديه، فـ"جبلًا" منصوب على المفعولية بـ"طالعًا"، و"علمًا" منصوب على المفعولية بـ"طالبًا"، و"ربَّهُ" منصوب على المفعولية بـ"مُطيعًا"، و"والديه" منصوب على المفعولية بـ"محترِمًا"، أو في مجرور، نحو: يا رفيقًا بالعباد، ويا محسِنًا إلى الفقراء، ويا ناصحًا للمسلمين، فبالعباد جار ومجرور متعلِّق بـ"رفيـقًا"، و"إلى الفقـراء" متعلـق بـ"محسِنًا"، و"للمسلمين" متعلق بـ"ناصِحًا".

٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


بلا خلاف، أي لو جعلتَ المتعاطفين معًا علمًا لشخص وناديته بهما، نصبتَهما؛ لأنك جعلتَهما بإزاء حقيقة واحدة، فكان الثاني –وهو المعطوف– من تمام معنى الأول –وهو المعطوف عليه– وكان تابعًا له في إعرابه بواسطة الواو، فصار كأن الأول عاملٌ في الثاني فانتصَبَ، فحرف النداء نصبَ الاسمَ الأول، والثاني يتبعه في إعرابه لزومًا لطريقته التي كان عليها قبل التسمية، وهي متابعة المعطوف للمعطوف عليه في الإعـراب.
قال الشيخ خالد في التصريح: أمّا نصْبُ (ثلاثة) فلأنه شبيهٌ بالمضاف من حيث إن الثانيَ من تمام الأول؛ لأن التسمية وقعتْ بالكلمتين مع حرف العطف، ولمّا كان حرف العطف يقتضِي معطوفًا ومعطوفًا عليه –وهو بمنزلة العامل- صار كأنه بعضُ اسمٍ عمل في آخَرَ فأشبَهَ: ضارِبًا زيدًا، وأما نصْبُ (ثـلاثين) فبالعطف على (ثلاثة)، ويَمتنع إدخالُ (يا) على (ثلاثين)؛ لأنه الجزء الثاني من العلَم، فأشبه (شمسٍ) من (عبدِ شمسٍ) و (يـا) لا تدخـل عليه. ا هـ.
فإن ناديتَ جماعةً -هذه العِدَّةُ عِدَّتُها- فلا يخلو إمّا أن تكون معيَّنةً أوْ لا، فإن كانت غيرَ معينة نصبت المعطوف والمعطوف عليه أيضًا؛ أمّا الأول فلأنه اسمٌ نكرةٌ غيرُ مقصودةٍ، وأمّا الثاني فلأنه معطوف على منصوب.

٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


وإن كانتْ معيَّنةً ضممْتَ الأول لأنه نكرةٌ مقصودةٌ معرَّفةٌ بالقصد والإقبال، وعرَّفْتَ الثاني بأل وجوبًا لأنه اسمُ جنسٍ أُريد به مُعيَّنٌ فوجَبَ إدخالُ أداة التعريف عليه، ونصبتَه عطفًا على المحل، فقلتَ: يا ثلاثةُ والثَّلاثينَ، أو رفعتَه عطفًا على اللفظ، فقلت: يا ثلاثةُ والثلاثون، كما في قولك: يا زيدُ والضحاكَ، أو والضحَّاكُ. وأجاز بعضهم عدم إدخـال "أل" على المعطوف اكتفاءً بالتعريف بأداة النداء ولو لم تُباشرْه، فتقول: يا ثلاثةُ وثلاثين، ويا ثلاثةُ وثلاثون. وهذا إذا لم تُعِدْ "يا" مع المعطوف، فإن أعدْتَ معه "يا" وجبَ بناؤه على ما يرفع به لأنه نكرةٌ مقصودةٌ، كما وجبَ تجريدُه من "أل"؛ لئَلا تجتمعَ "يا" و"أل"، فتقول: يا ثلاثةُ ويا ثلاثون.
وينبغِي أن ينتظم في سلك الشبيه بالمضاف: المنادى إذا كان نكرةً مقصودةً، ونُعتَ بمفردٍ نكرةٍ، أو جمـلةٍ، أو شبهِ جملـةٍ، فإن العرب حينئذ تُؤثر نصبه على ضمه؛ إذ حكى الفرَّاءُ عنهم قولهم: "يا رجـلًا كريمًا أقبل"، ويؤيِّد ما حكاه الفرَّاء ما رُوي من قِيل النبي -صلى الله عليه وسلم- في سجوده: "يا عظيمًا يُرْجَى لكل عظيم". والشواهد الشعرية على ذلك كثيرة جدًّا، منها قول ذي الرُّمَّة:

أدارًا بحُزْوَى هَجْتِ للعين عَبرةً
فماءُ الهوَى يَرْفَضُّ أو يترقْرَقُ


٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


"حُزْوَى" –بضم الحـاء المهملة وسكون الزاي: اسم موضع بعينه، و"هِجْتِ": أثرْتِ، والعَبرة: الدمع، و"يرفَضُّ": يترقرق ويتحيّر في العين. والبيت من شواهد سيبويه في الكتاب، والشاهد فيه نصب دار لأنه منادى منكور في اللفظ؛ لاتصاله بالمجرور بعده ووقوعِه في موضع صفته، كأنه قال: أدارًا مستقرَّةً بحزْوى، فجَرى لفظُه على التنكير -وإن كان مقصودًا بالنداء- معرفةً في التحصيل، وذكر أن نظيره مما ينتصب وهو معرِفةٌ لأن ما بعده من صلته فضارعَ المضاف قولُهم: يا خيرًا من زيد، وكذلك ما نُقل إلى النداء موصوفًا بما توصف به النكرة جَرَى عليه لفظ المنادى المنكور وإن كان في المعنى معرفةً. ومن ذلك أيضًا قول الصَّلَتان العبْدِي:
أيَا شاعرًا لا شاعرَ اليومَ مثلُهُ
جريرٌ، ولكنْ في كليبٍ تواضُعُ

فالمنادى نكرةٌ مقصودةٌ موصوفةٌ بجملةٍ بعدها وهي جملة "لا شاعرَ اليوم مثلُهُ"، وقد نصب الشاعر المنادى لذلك لعدِّهِ إياه من قبيل الشبيه بالمضاف، و"جريرٌ" خبرٌ لمبتدأ محذوف والتقدير: هو جريرٌ.
وقد اشترط النحاة لانتظام النكرة المقصودة الموصوفة في سلك الشبيه بالمضاف أن تكون موصوفةً بما توصف به النكرةُ، وهو المفرد المنكَّر، والجملة، وشبه الجملة، أما في نحو: يا رجلُ ابنُ عليٍّ، فلا تُعدُّ كذلك؛ لأن وصفها بمعرفةٍ يؤكِّد تعريفها.

٢.٣ المنادى المستحق للإعراب


فإن قيل: إذا كانت النكرة مقصودةً فهي مُعرَّفةٌ بالقصد والإقبال، فكيف توصف بما توصف به النكرة؟ فالجواب على ذلك أن تعريفها بالقصد تعريفٌ طارئٌ، ويُغتفر في المعْرفة الطارئة ما لا يغتفر في الأصلية.
ولذلك نرى أن الحقَّ الحكمُ بوجوب نصب النكرة المقصودة الموصوفة بما توصف به النكرات، ولا يجوز فيها الضم إلا إذا قُطع عنها النعت وصار مستأنَفًا؛ لأنها تخرج حينئذ من حيز الشبيه بالمضاف.
وقد أشار الناظم إلى أنواع المنادى المعرب المنصوب بقوله:

والمفردَ المنكورَ، والمضــافا
وشبهَهُ انصِبْ عادِمًا خِلافَا