٢.٢ المنادى المستحق للبناء
المنادى المستحق للبناء
يبنى المنادى لفظًا على ما يُرفع به لو كان معربًا، وهو الضمة أو ما ناب عنها إذا اجتمع فيه أمران: التعريفُ والإفراد، فالمنادى المبني هو المعرَّف المفرد، ويراد بالمعرفة شيئان:
 |
الأول: ما كان معرَّفًا قبل النداء، كالعلَم، نحو قوله تعالى: ((وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)) [البقرة: ٣٥]، وقد اختلف العلماء في هذا النوع: هل بقِيَ على تعريفه الذي كان عليه قبل النداء، أو سُلب تعريفُه السابق قبل النداء واكتسب بالنداء تعريفًا جديدًا؟ فذهب أبو العباس المبرد إلى أن المعارف كلَّها إذا نوديت تنكّرت، ثم تكون معارف بالنداء. |
|
 |
وذهب ابن السراج، وابن جني، وتبعهما ابن مالك إلى أن التعريف الذي كان قبل النداء مستصحبٌ بعد النداء، وهو الصحيح؛ لأنه يُنادَى ما لا يمكن سلبُ تعريفِه كلفظ الجلالة واسم الإشارة، فهما لا يقبلان التنكير، |
 |
والثاني مما يراد بالمعرفة: ما كان نكرةً قبل النداء، وصار بعد النداء معرَّفًا بالقصد والإقبال، وهو ما يُسمى بالنكرة المقصودة، نحو قوله تعالى: ((وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي)) [هود: ٤٤]، وقوله عز وجل: ((قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) [الأنبياء: ٦٩]، وقول الأعشى: |
٢.٢ المنادى المستحق للبناء
|
قالت هريرةُ لمّا جئتُ زائرَها |
|
ويْلي عليكَ وويْلي منكَ يا رجلُ |
وقيل: تعريف هذا النوع بأل محذوفةً ونابت "يا" عنها.
ويراد بالإفراد في هذا الباب وفي باب "لا" النافية للجنس: ما كان مفردًا عن الإضافة وشبهها، أي ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، فيدخل في ذلك: المثنى بنوعيه، نحو: يا طالبان اجتهِِدا، ويا هندان اختمِرا، والجمعُ بنوعيه نحو: يا مسلمون تمسكوا بكتاب ربكم، ويا مسلماتُ تعفَّفْنَ، والمركبُ المزجيُّ نحو: يا معدِيكربُ أقبل، والمركبُ العددي عند البصريين، نحو: يا اثنا عشَر تعالَوْا، ويا اثنتا عشرةَ تعالينَ، وأجرى الكوفيون اثني عشر، واثنتي عشرة في النداء مجرى المضاف، ويدخل في المفرد أيضًا المركبُ الإسنادي، نحو: يا برقَ نحرُه تعالَ، ويا المنطلقُ زيدٌ أقبل.
فكل ما كان مفردًا معرفةً بني في النداء على ما كان يرفع به لو كان معربًا؛ فيبنى على الضمة الظاهرة إن كان مفردًا صحيح الآخِر، نحو قوله تعالى: ((قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)) [هود: ٨٧]، أو كان جمعَ تكسير، نحو: يا رجالُ، ويا زيودُ، ويا هنودُ، أو جمعًا سالمًا للمؤنث، نحو يا فتياتُ، ويا فاطماتُ.
٢.٢ المنادى المستحق للبناء
ويبنى على الضمة المقدرة إن كان مفردًا معتل الآخِرِ بالألف وهو المقصور، نحو قوله تعالى: ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ)) [المائدة: ١١٠], وقوله سبحانه: ((وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)) [طه: ١٧]، أو كان معتل الآخِرِ بالياء وهو المنقوص، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول
أن يقال: يا قاضِي، ويا داعِي، بحذف التنوين؛ لحدوث البناء, وإثبات الياء لزوال موجِبِ حذفها؛ وهو التنوين، وهذا قول الخليل. فالمنادَى مبني على ضمة مقدرة على الياء للثقل.
القول الثاني
أن يقال: يا قاضِ، ويا داعِ، بحذف التنوين والياء معًا، وهذا قول المبرد، وحجته في حذف التنوين والياء أن النداء دخل على اسم معرب منون محذوف الياء، فذهب التنوين للبناء وبقِيَ حذف الياء على حاله، فتُقدَّر الضمة على الياء المحذوفة كما تُقَدَّر عليها حركة الإعراب، بالإضافة إلى أن النداء مكان تغيير وتخفيف فناسبَ ألَّا تثبُتَ الياء فيه.
٢.٢ المنادى المستحق للبناء
القول الثالث
أن يقال: يا قاضٍ، ويا داعٍ، بحذف الياء وبقاء التنوين، وهذا قول يونس، فهو يحذف الياء ويُعوّض منها تنوينًا؛ لأنه لم يُعهد لامُ المنقوص ثابتًا مع السكون بلا لام أو إضافة، وعليه تُقَدَّر الضمة على الياء المحذوفة كسابقه.
ومحل الخلاف المذكور إذا لم يَصر بحذف الياء ذا أصل واحد، وإلا ثبتت الياء اتفاقًا، حتى لا يحدث إجحاف بالكلمة، وذلك نحو: يا مُرِي وهو اسم فاعل من أرَى، ويا يَفِي؛ لأن الأول ذهبت عينه وهي الهمزة، والثاني ذهبت فاؤه وهي الواو، فلو حُذفت ياؤهما في النداء –وهي لام كل منهما– لبقِيا على أصل واحد وهذا إجحاف أيُّ إجحاف.
ويُبنى على الضمة المقدرة –أيضًا– ما كان مبنيًّا قبل النداء، سواء أكان علمَ مذكرٍ، نحو: يا سيبويهِ في لغة من بناه، أم كان علمَ مؤنثٍ، نحو: يا حذامِ في لغة أهل الحجاز، أم كان غير علم، نحو: يا هؤلاءِ، ويا هذا، ويا أنت. فكل هذا يبنى على ضمة مقدرة على آخره مجددة للنداء، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركةِ البناء الأصلي أو سكونه، ويظهر أثر هذا التقدير في تابعه، فتقول: يا سيبويهِ العالِمُ برفع التابع مراعاةً للضمة المقدرة على آخر المتبوع وهو المنادَى، ونصبه مراعاة لمحله فإن محله النصب كما عرفت، كما تفعل في تابع ما تجدد بناؤه نحو: يا عليُّ الفاضلَُ برفع الفاضل ونصبه.
٢.٢ المنادى المستحق للبناء
ويبنى على الضم المقدر -أيضًا- العلَم المركب تركيبًا إسناديًّا إذا كان محكيًّا، تقول: يا جادَ الخير المقدام برفع التابع ونصبه.
ويبنى المنادى المفردُ المـعرفةُ على الألف إن كان مثنى، نحو يا رجلانِِ (لمعينَيْنِ)، ويا محمدانِ، وعلى الواو إن كان جمعًا سالمًا لمذكر نحو: يا محمدون، ويا مسلمون.
قال الناظم مشيرًا إلى ما تقدم:
|
وابنِ المعرَّفَ المنادَى المفردا |
|
على الذي في رفعه قد عُهِدا |
|
وانوِ انضمامَ ما بنَوْا قبلَ النِّدا |
|
وليُجْرَ مُجرَى ذي بناءٍ جُدِّدا |
٢.٢ المنادى المستحق للبناء
ونختم الحديث في هذا العنصر بذكر علة بناء المفرد المعرفة على الضمة أو ما ناب عنها في النداء، فقد ذكروا أن العلة في بنائه وقوعُه موقع ضمير المخاطب؛ وذلك لأن النداء حالُ خطاب والمنادَى مخاطب، فالأصل في نحو: يا خالدُ أن تقول: يا إياك، أو يا أنت كما تقدم، غير أن المنادى قد يكون بعيدًا منك، أو غافلًا عنك، فتناديه بالاسم الذي يخصه، فيكون ذلك الاسمُ واقعًا موقع الضمير، فيبنى كما يبنى الضمير، وقد قالوا: إن هناك ثلاثة أوجه للشبه بين المنادى المفرد المعرفة وبين الضمير ولذا وقع موقعه، وهي: الخطاب، والتعريف، والإفراد.
أما سبب بنائه على حركة، فلأن له أصلًا في التمكن، فوجب أن يُمَيَّز عما بُني ولا أصل له في التمكن مثل مَنْ، وكمْ، وغيرِهما مما لم يكن له سابقة إعراب، وأما كون حركته خصوص الضمة فلأمور ثلاثة:
الأول
شبهُهُ بالغايات نحو قبلُ وبعدُ، ووجه الشبه بينهما أن المنادى إذا أُضيف أو نُكِّر أُعرب، وإذا أُفردَ بُني، كما أن "قبلُ" و"بعدُ" تُعربان مضافتَيْنِ ومنكورتَيْنِ، وتُبنيان في غير ذلك، فكما بُني قبلُ وبعدُ على الضم يُبنى المنادى المفرد المعرفة على الضم كذلك.
٢.٢ المنادى المستحق للبناء
الثاني
أن المنادى إذا كان مضافًا، فإما أن يضاف إلى ياء المتكلم، وستعرف أن الاختيار حينئذ حذفُ الياء اجتزاءً عنها بالكسرة، وإما أن يضاف إلى غير الياء فيكون منصوبًا بالفتحة أو ما ناب عنها، ومثل ذلك إذا كان شبيهًا بالمضاف أو نكرة غير مقصودة، فلما كان الكسر والفتح له في حال الإعراب، جُعل له الضم في حال البناء.
الثالث
أنه لو بُني على الفتح لالتبس بما لا ينصرف، ولو بُني على الكسر لالتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم، فتعيَّن بناؤه على الضم.