٢.١ لمنادَى، وموقعه في الجملة العربية، وأنواعه


المنادَى
هو المطلوب إقباله بحرف النداء، كعبد الله في قولك: يا عبدَ الله، ولا يُنادَى حقيقةً إلا العاقلُ المميِّز؛ لأنه هو الذي تتأتى منه الإجابة، ويتحقق منه الإقبال، وأما غيره فقد ينادَى لداعٍ بلاغي، كقولـه تعالى: ((وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي)) [هود: ٤٤] ، وقوله سبحانه: ((قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) [الأنبياء: ٦٩]، وقوله تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) [سبأ: ١٠]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اثبُتْ أُحُدُ..." الحديث، وقول امرئ القيس:
ألا أيها الليلُ الطويل ألا انجلِي
بصبح، وما الإصباح منك بأمثلِ

وقول عنترة:
يا دارَ عبلةَ بالجِواء تكلَّمِي
وعِمِي صباحًا دارَ عبلةَ واسلمِي


٢.١ لمنادَى، وموقعه في الجملة العربية، وأنواعه


فقول الله عز وجل: (يا أرضُ، ويا سماءُ، ويا جبالُ) قيل: إنها استعارات بالكناية لتشبيهها بأهل العقل والتمييز، وحذْف المشبه به، وإثبات شيء من خصائصه -وهو النداء- للمشبه، إلا أنّ لبعض علماء السلف رأيًا تستريح إليه النفس، ويطمئن به الضمير العلمي، وهو أنّ النداء في الآيات على وجه الحقيقة، لا المجاز؛ إذ من الممكن أن يكون الله –جلَّت قدرته– قد خلق لهذه المنادَياتِ حالَ الخطاب تمييزًا، فلم يقع النداء إلا لمميِّز (انظر الكشاف للزمخشري، والبحر المحيط). وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري معلقًا على الحديث الشريف السابق: "أُحُدُ": منادى، ونداؤه وخطابه يَحتمل المجاز، وحمله على الحقيقة أَوْلَى "اهـ".
أمّا نداء عامّة البشر من الشعراء وغيرهم لغير ذوِي العقل والتمييز، فلا يُحمل إلا على المجـاز.


موقع المنادَى في الجملة العربية
أمّا مـوقع المنادَى في الجملة العربيـة فالمنادَى مفعـول به منصوب لفظًا، كقوله تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) [الأحزاب: ٣٢]، أو منصوبٌ محلًّا، نحو قوله تعالى: ((قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ)) [هود: ٤٨]؛ لأنه مفعول به؛ إذ حرف النداء نائب مناب الفعل "أدعو" ونحوِه كما سبق بيانه، وكان الأصل أن يقال: يا أدعوكَ، أو أناديكَ، فيُؤتَى بـ"يا" لتنبيه المدعوِّ، وبالفعل لطلب الإقبال، وبعلامة الضمير لأن النداء حالُ خطاب، والمخاطب لا يُحدَّث باسمه الظاهر لئلا يتوهَّمَ أن الحديث عن ...

٢.١ لمنادَى، وموقعه في الجملة العربية، وأنواعه


... غيره؛ لأن حضوره يُغني عن اسمه، ولكنهم جعلوا في أول الكلام حرفَ النداء ليفصِلوا بين الخطاب الذي ليس بنداء وبينه.
وقد التزموا حذفَ الفعل لأمور أربعة: أولها: كثرة الاستعمال المقتضِية للتخفيف والاختصار، وثانيها: الاستغناء بظهور معناه، ودلالة حرف النداء عليه، وإفادته فائدتَه، وثالثها: جعل حرف النداء كالعوض منه، ورابعها: قصد التمحيض للإنشاء، وظهور الفعل يوهم قصد الإخبار، وبعد حذف الفعل على وجه اللزوم وُضعَ الاسم الظاهر موضع الضمير؛ لئلا يَظنَّ كلُّ سامع أنه هو المنادَى والمَعنِيُّ بعلامة الإضمار، فاختُصَّ المنادَى باسمه الظاهر دون كل مَن يسمعه، وجَرى نداؤه على هذه الصورة سواءٌ أكان وحده، أم في جماعة؛ طردًا للباب على وتيرة واحدة، ولئلا يختلفَ فيَلتبسَ، كما لزم الرفعُ الفاعلَ في إعرابه. ألا ترى أنكَ ترفع الفاعلَ للفرق بينه وبين المفعول، ومع هذا فإنك ترفعه حيث لا مفعولَ معه، نحو: قام عليٌّ، وانصرف خالدٌ.
وقد اختلف النحويون في تحديد ناصب المنادى، فذهب سيبويه والجمهور إلى أن المنادى منصوبٌ لفظًا أو محلًّا بفعل لازم الإضمار دلّ عليه حرف النداء، وسدّ مَسدَّه.
قال سيبويه في الكتاب: ومما يَنتصب في غير الأمر والنهي على الفعل المتروك إظهاره قولُكَ: يا عبدَ الله، والنداءُ كلُّه. وقال: اعلم أن النداء كلُّ اسمٍ مضافٍ فيه فهـو نصْبٌ على إضمار الفعـل المتروكِ إظهارُه، والمفردُ رفعٌ وهو في موضع اسم منصوب. اهـ.

٢.١ لمنادَى، وموقعه في الجملة العربية، وأنواعه


فحرف النداء عندهم سدّ مسدَّ الفعل في اللفظ فقط دون العمل، أمّا العمل –وهو النصب– فللفعل المضمر، وذهب بعض النحاة إلى أن ناصب المنادى حرف النداء نفسُه على سبيل النيابة والعوض، وقيل: إن حروف النداء أسماء أفعال بمعنى "أدعو". وقيل غيرُ ذلك من الآراء.

أنواع المنادَى
والمنادَى نوعان: معربٌ، ومبنيٌّ؛ فيكون معربًا منصوبًا إذا كان مضافًا، أو شبيهًا بالمضاف، أو نكرةً غيرَ مقصودةٍ، ويكون مبنيًّا إذا توافر فيه شرطان: الإفراد، والتعريف.