١.٣ حكم حذف حروف النداء


حكم حذف حروف النداء
عرفنا أن الغرض الأساسي من النداء التصويتُ بالمنادَى ليُقبل، وأن الغرض من حروف النداء امتدادُ الصوت وتنبيهُ المدعُوِّ، وأنها نائبةٌ عن الفعل "أدعو" ونحوِه تخفيفًا واختصارًا، فكان حق هذه الحروف أن تُذكر دائمًا في اللفظ؛ حتى لا يؤديَ حذفُها إلى إجحاف بحذف الفعل وما ناب عنه معًا، فيكون ذلك كالجمع في الحذف بين العوض والمعوَّض منه، أو يكون اختصارًا للمختَصَر، بيد أن العـرب حذفوا الحرف أحيانًا في اللفظ؛ اعتمادًا على قوة القرائن الدالة عليه التي يصير بها كالملفوظ به تمامًا، وقد ذكَر النحاة أن حذف حرف النداء تارةً يكون جائزًا، وتارةً يكون ممتنِعًا، وسنذكر أولًا المواضعَ التي يمتَنع فيها الحذفُ؛ لأن الجائز ما عداها، فنقول: اتفق النحاة على امتناع حذف حرف النداء في المواضع الآتية:
الموضع الأول: أن يكون المنادَى مندوبًا، نحو: وازيداه. قال سيبويه في الكتاب: "والندبةُ يلزمها "يا" أو "وا"؛ لأنهم يَحتلِطون (يعنِي: يغضبون) ويَدْعُونَ ما قد فاتَ وبعُد عنهم، ومع ذلك أن الندبة كأنهم يترنمون فيها، فمن ثَمّ ألزموها المَدّ، وألحقوا آخِر الاسم المَدّ مــبالغـةً في التـرنُّم" اهـ، وزاد العلامة الرضي في شرح الكافيـة علةً أخرى لعدم جواز حذف الحرف من المندوب، وهي أن المندوب منادًى مَجازًا، ولا يُقصد فيه حقيقةُ التنبيه والإقبال كما في النداء المحض، فلمّا نُقل عن النداء إلى معنًى آخرَ مع بقاء معنى النداء فيه مجازًا، أُلزِمَ لفظ علامة النداء؛ تنبيهًا على الحقيقة المنقول هو عنها.

١.٣ حكم حذف حروف النداء


والموضع الثاني من المواضع التي يَمتنع فيها حذف الحرف: أن يكون المنادَى المضمرَ المخاطبَ؛ لأن الحذف معه يُفوّت الدلالة على النداء؛ لاختلاف النحاة في جواز ندائه على ثلاثة أقوال؛ فمن النحاة من يرى اطرادَ ندائه كالناظم، ومنهم من قصَر جواز ندائه على الشعر كابن عصفور، ومنهم من منع نداءه كأبي حيان، ومحل الخلاف ضميرُ المخاطب، أمّا ضميرا المتكلم والغائب فنداؤهما ممنوعٌ باتفاق، ويأتي ضمير المخاطب المنادَى على صيغَتيِ المنصوب والمرفوع، فالأول كقـول الأحوص اليربوعي: "يا إيَّاكَ قد كَفيتُكَ"، قال ذلك لأبيه لمّا وفدا على معاوية -رضي الله عنه- وخطَب الأحوص، ووثب أبوه ليخطُب، فكفّه عن ذلك بهذه العبارة، والثاني كقول سالم بن دارة:
يا مُــرَّ يا ابنَ واقـعٍ يا أنتَـا
أنت الذي طلَّقْتَ عامَ جُعتــا

هذان بيتان من مشطور الرجز، وقد روي البيت الأول منهما محرَّفًا في كثير من كتب النحو، فمن النحاة من رواه بلفظ: (يا أبجرُ بن أبجرٍ يا أنتا)، ومنهم من رواه بلفظ: (يا أقرعُ بنَ حابس يا أنتا)، وكما وقع الخطأ في الرواية وقع في النسبة، فنسبهما كثير من العلماء –منهم الأنباريُّ، والعينيُّ، وخالدٌ الأزهري– إلى الأحوص، ومنشأ ذلك أن النحويين قد ذكروهما عقب قول الأحوص: يا إياكَ قد كفيتك، مع قولهـم: "وكقوله"، فظُنَّ أن الضمير للأحوص –ذكر هذا التحقيق عبد القادر البغداديُّ في خزانة الأدب.

١.٣ حكم حذف حروف النداء


وقد أجاب المانع نداء الضمير مطلقًا عما ورد في قول الأحوص وبيت سالمٍ بأن "يا" فيهما للتنبيه لا للنداء، و أن "إياك" في القول السابق منصوب على الاشتغال، فهو مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكـور وهو "كفى"، وأن "أنت" في الرجز في البيت الأول مبتدأٌ، و"أنت" في البيت الثاني كذلك، أو توكيد، أو بدل، أو ضمير فصلٍ، والموصول خبرٌ.
والموضع الثالث: أن يكون المنادَى مُستغَاثًا به، فلا يجوز أن تقولَ: لَزيدٍ وأنت تريد أن تقول: يا لَزيدٍ؛ وذلك لأن المُستغِيث يُبالغ في رفع صوته ومَدّه، إمّا للإشعار بشدة حاجة المُستغَاث له للمستغَاث به، كقول عمر -رضي الله عنه: يا لَلهِ لِلمسلمين، وإمّا لغير ذلك كما سيأتي في مبحث الاستغاثة، وحذف الحرف مُفوِّت للغرض.
والموضع الرابع: أن يكون المنادَى متعجَّبًا منه، كقولكَ: يا لَلماءِ! ويالَلعُشْبِ!، مُتعجِّبًا من كثرتهما، فلا يجوز الحذف لأن التعجب يقتضي إطالة الصوت، ولأن المتعجَّبَ منه منادًى على سبيل المجاز كالمندوب.
والموضع الخامس: أن يكون المنادَى بعيدًا؛ لأن البعد يتطلّب إطالة الصوت، والحذف يُفوِّت هذا الغرض.
والموضع السادس: أن يكون المنادَى لفظَ الجلالة، فلا يجوز حذفُ حرف النداء من قولك: يا أللهُ من غير تعويض منه بالميم المشددة في آخر المنادَى، وذلك لسببين: الأول: أن نداءه على خلاف الأصل؛ لوجود الألف واللام في أوله، فلو حُذف حرف النداء منه لم يدل عليه دليل، ...

١.٣ حكم حذف حروف النداء


... والحذف إنما يكون للدليل. والآخَر: أن حق ما فيه الألف واللام أن يُتوصّل إلى ندائه بأَيٍّ، أو باسم إشارة –كما سنعرف ذلك لاحقًـا بالتفصيـل إن شاء الله تعالى– فنقول: يا أيها الرجلُ، أو يا هذا الرجلُ، فلمَّا حُذفتِ الوصلةُ مع هذا الاسم الجليل لكثرة ندائه امتَنَع حذف حرف النداء منه؛ لئلا يكونَ الحذف إجحافًا، وأجاز بعض النحاة حذف الحرف مع لفظ الجلالة، محتجًّا بقول أميةَ بن أبي الصَّلت:
رضِيتُ بكَ اللهمّ ربًّا فلن أُرَى
أَدِينُ إلَهًا غيرَكَ اللهُ راضِيا

أي: يا اللهُ، فلفظ الجلالة منادًى بحرفٍ محذوف، و"أُرَى" من الـرأي في الأمـور، و"أَدِين" مضارع دانَ بالشيء إذا اتّخذَه دِينًا ودَيدَنًا، أي عادةً، والأصل: أن أَدِينَ، فحُذفتْ "أنْ" فارتفع الفعل المضارع بعدها على حدّ قولهم "تَسمعُ بالمُعَيديّ ..." و"إلهًا" مفعوله، و"راضِيًا" منصوب برَضِيتُ إمّا على الحالية من فاعله، وإمّا على المفعولية المطلقة على حدّ قولهم: قُمْ قائِمًا، أي قيامًا، وعلى الوجهين فهو مؤكِّدٌ له وما بينهما اعتراض، و "ربًّا" مفعول "رضِيتُ"، والمعنى: رَضِيتُ رِضًا بكَ يا اللهُ فلن أُرى أن أتخذ إلهًا غيرَك يا اللهُ، ويجوز أن يكون "راضِيًا" حالًا من فاعل "أَدِين"، أي: فلن أُرَى أن أتخذ راضِيًا إلهًا غيرَكَ يا الله.

١.٣ حكم حذف حروف النداء


وأجاب المانعون بأنْ لا حجة في البيت؛ لإمكان حمله على الضرورة أو الشذوذ.
وهناك موضعان اختلف النحاة في جواز حذف حرف النداء منهما، أحدُهما: أن يكون المنادَى اسمَ جنسٍ معيَّنًا، ويُعنَى بالجنس المعيَّن ما كان نكرة قبل النداء وتعرَّف بالنداء، نحو: يا رجلُ أقبل، والآخَر: إذا كان المنادَى اسمَ إشارة، نحو: يا هذا تقدَّمْ، فالبصريون يمنعون حذف الحرف معهما، والكوفيون يجوِّزونه، وقد اعتمد البصريون في المنع في اسم الجنس المعيَّن على أن حرف النداء معه هو حرف تعريف أيضًا، فلا يُحذف مما تعرَّف به حتى لا يُظنَّ بقاؤه على تنكيره الذي كان عليه قبل النداء، واعتمدوا في المنع في اسم الإشارة على أن اسم الإشارة في معنى اسم الجنس، فجرَى مَجراه، واحتجّ الكوفيون بورود الحذف فيهما باطِّراد مستشهدين بالحذف في اسم الإشارة بقول الله تعالى: ((ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ)) [البقرة: ٨٥]، أي: يا هؤلاء، وبقول ذي الرُّمَّة:

إذا هَمَلَتْ عينِي لها قال صاحبِي
بمثلِكَ هذا لوعةٌ وغرامُ


١.٣ حكم حذف حروف النداء


أي: يا هذا، وهَملَتْ عيني: فاض دمعها. وبالحذف في اسم الجنس بقـولهم في مثل "أطرِقْ كَرَا إنّ النَّعَامَ في القُرَى"، أصل "كرا": يا كروانُ، رخم بحذف النون والألف قبلها، ثم قُلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مثل يُضرب لمن تكبّر وقد تواضع من هو أشرف منه، أي: اخفِض ياكروانُ عنقَكَ للصيد، فإنّ من هو أكبر وأطول عنقًا منك –وهو النَّعَامُ– قد صِيد، وبقولهم: "افتدِ مخنوقُ"، أي: يا مخنوقُ، وهو مثل يُضرب لكل مضطر وقع في شدة، وهو يبخل بافتدائه نفسَه بماله، وبقولهـم: "أصبِحْ ليلُ"، أي: يا ليلُ، وقد خرَّج البصريون ذلك على أنّ ما ورد في الشعر أو ما جرى مجراه وهو الأمثال التي يستجاز فيها ما يستجاز في الشعر، حملوه على الضرورة الشعرية، وما ورد منه في النثر حملوه على مخالفة القياس، أما "هؤلاء" في آية البقرة فهو عندهم يَحتمل -فيما يَحتمل- أن يكون منصوبًا على الاختـصاص، و يكـون "أنتم" مبتدأً وجملة "تقتلون" الخبر، وفي التصريح ذكر الشيخ خالد نقلًا عن المرادي أن الإنصاف القياسُ على اسم الجنس لكثرته نظمًا ونثـرًا، وقصْـرُ اسم الإشارة على السَّماع؛ إذ لم يوجد إلا في الشعر، وأما "هؤلاء" في آية البقرة فمتأَوَّلٌ على أن "أنتم" مبتدأٌ و"هؤلاء" خبره، أو بالعكس، وجملة "تقتلون" حال.
قال الناظم مشيرًا إلى حكم حذف حرف النداء:


١.٣ حكم حذف حروف النداء


وغيرُ مندوب، ومضمـرٍ، ومـا
جا مستغاثًا، قد يُعَرَّى فاعلما
وذاك في اسم الجنس، والمشار له
قلَّ، ومَن يمنعْه فانصر عاذلَهْ

ويجوز حذف حرف النداء فيما عدا المواضع المتقدمة، كقولـه تعـالى: ((يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)) [يوسف: ٢٩]، وقوله عــز وجل ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة: ٢٨٦]. ولا يُقدَّر الحرف المحذوف إلا "يا" دون غيره هذا وبالله التوفيق.