١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
حروف النداء ومواضعُها
عدّ جمهور النحاة حروفَ النداء ثمانيةً، ولكل حرفٍ منها موضعٌ يُستعمل فيه،
الحرفُ الأولُ "يا"، وهي أمّ الباب
وأصل حروف النداء وأعمُّها، ويرجع ذلك إلى الأسباب الآتية:
السبب الأول
أنها دائرةٌ في جميع وجوه النداء؛ لأنها تُستعمل للقريب، والبعيد، والمستيقظ، والنائم، والمقبل، والغافل، كما أنها تكون للنداء المحض المقصودِ به مجردُ طلب الإقبال، أو تكونُ للاستغاثة، أو الندبة، أو التعجب، ويرى بعضهم أنها موضوعةٌ أساسًا لنداء البعيد أو مَنْ هو في منزلته من نائم أو ساهٍ، وإذا نُودِيَ بها القريبُ فلحِرص الداعِي على إقبال المدعُوِّ عليه، ومُفاطنتِهِ لِمَا يدعُوه إليه.
ويقول أصحاب هذا الرأيِ: إنّ قول الدّاعِي: ياربِّ، هو استقصارٌ منه لنفسه، وهضمٌ لها، واستبعادٌ عن مَظانِّ القَبول والاستماع، وإظهارٌ للرغبة في الاستجابة بالجِوار، ومعنى ذلك أن قول الإنسان: ياربِّ، أو يا أللهُ، واستعمالَه "يا" -وهي التي لنداء البعيد أو مَن هو بمنزلته- حينما يُنـادِي ...
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
... بها اللهَ -عـز وجل- وهو أقرب إلينا من حبل الوريد, يكون الأسلـوبُ دُعاءً أُخرج مخرَجَ النداء، والذي حسّنَ إخراجَه هذا المخرجَ البيانُ عن حاجة الداعي إلى إقبال المدعُوِّ تبارك وتعالى عليه بما يطلبه، فقد وقَف في ذلك موقفَ مَن كأنه مغفولٌ عنه وإن لم يكن المدعُوُّ غافلًا تعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا، وذلك كقولك لمن كان قريبًا منك: يا فلان اقضِ حاجتِي، مع كونه مقبلًا عليك، وذلك لإظهار الرغبة والحاجة، وأنه قد صارت منزلتك منزلةَ من غُفلَ عنه.
وعلى هذا يكون استعمال "يا" للقريب عند أصحاب هذا الرأي على غير وجه الحقيقة، ويرى غيرهم أن كون "يا" للبعيد والقريب على وجه الحقيقة أَوْلَى؛ لاستعمالها فيهما على السواء، ودعوى المجاز أو التأويل في أحدهما خلافُ الأصل.
السبب الثاني
أنها تتعين في نـداء اسم الله تبارك وتعالى، وفي الاستغاثة، وفي نداء "أيّ"، و"أيّة"، وتتعيّن هي أو "وا" في الندبة.
السبب الثالث
أنه لم يأتِ في القرآن الكريم -مع كثرة النداء فيه- نداءٌ بغيرها، اللهم إلا ما ورد في بعض القراءات القرآنية من مجيء الهمزة محتمِلةً أن تكون للنداء.
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
السبب الرابع
أنها تُقَدَّر عند حذف حرف النداء دون سواها، كقوله تعـالى: ((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي)) [الأعراف: ١٥١]، التقدير: يا ربِّ. ومن أمثلة "يا" قول الشاعر في مدح الرسول -عليه الصلاة والسلام:
|
كيف ترقى رقيَّك الأنبياء |
|
يا سماء ما طاولتها سماءُ! |
الحرفُ الثاني من حروف النداء "أَيا"
كقول ذي الرُّمَة:
|
أَيا ظبيةَ الوَعساءِ بين جُلاجِلٍ |
|
وبين النَّقَا آأنتِ أمْ أُمُّ سالِمِ؟ |
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
والوعساء: هي الأرض الليّنة ذات الرّمل، وجَُلاجِل -بجيمين أو بمهملتيْن، بضم الأولى أو فتحها وكسر الثانية- جبل في بلاد تميم، والنَّقَا: التَّلّ من الرمل، وأُمّ سالمٍ: كنيةُ محبوبته ميَّةَ، ومن أمثلتها أيضًا قول قيس بن الملوّح المعروف بمجنون ليلى:
|
أيَا جبلَيْ نَعمانَ بالله خَلِّيَا |
|
نَسيمَ الصَّبا يَخلُصْ إليَّ نسيمُها |
نَعمانُ -بفتح النون- وادٍ في طريق الطائف، والصَّبا: ريحٌ ليِّنةٌ تهبّ من المشرق. و"أَيَا" لنداء البعيد، وقيل: هي لنداء البعيد والقريب، والراجح القول الأول.
الحرف الثالث من حروف النداء "هَيَا"
كقول الشاعر:
|
فأَصاخَ يرجو أنْ يكونَ حَيَا |
|
ويقولُ مِن فرحٍ: هَيَا رَبَّا |
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
أصاخَ: استمعَ، والضمير يعود على الراعي في البيت قبله وهو:
|
وحدِيثُها كالقَطْرِ يسمعُه |
|
راعي سنينَ تتابعتْ جَدْبَا |
والقطْر: المطر الرقيق، ووجه الشبه بين حديثها وبين القَطْر ظَنُّ كل منهما مقدِّمةً لغيره من وصالٍ وغيث؛ فإن أول القطر غيثٌ ثم ينهمر، والحَيَا: هو المطر الكثير.
ومن أمثلتها أيضًا قول الشاعر:
|
فانصرفتْ وهْيَ حَصانٌ مُغضبَهْ |
|
ورفعتْ بصوتها: هيَا أبَهْ |
الحصانُ –بفتح الحاء– هي المرأة العفيفة الطاهرة. و "هَيَا" لنداء البعيد كأَيَا.
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
الحرف الرابع من حروف النداء "أَيْ"
بفتح الهمزة وسكون الياء، كقول الشاعر:
|
أَلمْ تسمعِي أَيْ عَبْدَ في رَوْنَق الضُّحَى |
|
بُكاءَ حماماتٍ لهُنَّ هَدِيرُ |
عَبْدَ، أو عَبْدُ: منادَى مرخَّمٌ، أصله: عَبْدَةُ، وقد رخّمه الشاعر فحذفَ آخره وهو التاء المربوطة، ويجوز فيه لغتان: من ينتظر، ومن لا ينتظر -كما ستعرف لاحقًا إن شاء الله تعالى- ومعنى الرونقِ: الحُسنُ واللمعان، والهدير: الصوتُ.
وقد اختُلِفَ في "أَيْ"؛ فقال المبردُ والجزوليُّ: هي لنداء القريب، وقال ابن مالك: هي لنداء البعيد، وقال ابن برهانَ: هي لنداء المتوسط بين القرب والبعد.
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
الحرف الخامس: "أَ"، أي الهمزة المقصورة
كقول امرئ القيس:
|
أَفاطمَ مهلًا بعضَ هذا التدلُّلِ |
|
وإِنْ كنتِ قد أزمعتِ صَرْمًا فأجملِي |
فاطِمَ، أو فاطمُ: منادى مرخم كعبد في البيت السابق، وأصله: فاطمةُ، وهي عنيزةُ محبوبته، وقوله: "مهلًا" مفعول مطلق، أي: أمهـلِي مهـلًا، وهو اسم مصــدر، و"بعضَ" معمول له على تضمينه معنى: تركًا، و"التدلُّل" الإعـراض مـع كِبرٍ، و"أزمعتِ": عزمتِ، والصَّرْمُ: القطْع، والإجمالُ: الإحسان، قيل: والدليل على أن الهمزة لنداء القريب أن الكلام مسوق في المعاتبة، وهي لا تكون إلا بين قريبين.
وقد ذكر ابن هشام أن كونها لنداء القريب محلُّ إجماع العلماء، وأن ابن الخبَّاز نقَل عن شيخه ابنِ معطٍ أنها للمتوسط, وأن "يا" هي التي للقريب.
فقال ابن هشام معقبًا على ذلك الرأي "وهذا خرقٌ لإجماعهم". والسرُّ في إجماع العلماء على كون الهمزة المقصورة لنداء القريب، أن غير القريب –وهو البعيد ومن في حكمه كالنائم والساهي والمتراخي– يُفتقر في دعائه إلى شيئين: رفعِ الصوتِ، ومَدِّه، ومن ثَم جُعل لندائه ما يَتحقق فيه هذان الأمران، وهـو "يا، وأَيَا، وهَيا"؛ لأن أواخرهنّ ألفاتٌ، والألف ملازمة للمدّ، ويتحقق بها رفعُ الصوت، ...
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
... أمّا الهمزة المقصورة فلا يتحقق فيها شيءٌ من ذلك، فمن ثَمّ جُعلت لنداء القريب خاصةً.
وهذا مما يُقوّي رأي المبرد والجزوليّ في جعل "أيْ" لنداء القريب أيضًا؛ مِن قِبل أن الياء فيها ليستْ مَدّةً؛ لسكونها إثرَ حركة غير مجانِسة وهي الفتحة، ولعلّ قاعدةَ زيادة المعنى لزيادة المبنى هي التى دعت غيرهما إلى القول باستعمالها لغير القريب؛ نظرًا لزيادتها في المبنى على الهمزة المقصورة، مما يمُدّ في استعمالها للمتوسط، أو للبعيد كما تقدم.
السادس من هذه الحروف "آ" بهمزة
ونكتفي بهذا الحديث عن الهمزة المقصورة لنتحدث عن بقية حروف النداء، فنقول: السادس من هذه الحروف "آ" بهمزة ممدودة،
السابع "آيْ" بهمزة ممدودة بعدها ياء ساكنة
وهما للبعيد، واستعمالهما نادر، ولم يعدَّهما كثير من النحاة -منهم سيبويه والزمخشريّ وابن يعيشَ- في حروف النداء، وقد حكاهما الكوفيون عن العرب الذين يَثقون بعربيّتهم، وذكرهما ابن مالك في التسهيل, وابن هشام في أوضح المسالك.
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
لثامن من هذه الحروف "وا"
والجمهور على أنه مختص بالندبة، فلا يُستعمل في غيرها، نحو: وازيداه، وحكى بعضهم استعمالَه في النداء قليلًا، كقول عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص -رضي الله عنهما: وا عجبًا لك يا ابن العاص.
والحرف "وا" أكثر استعمالًا من الحرف "يا" في باب الندبة؛ لأنه الأصل في هذا الباب، وإنما تدخل "يا" في باب الندبة إذا أُمِن اللَّبس بالمنادَى، كقول جريرٍ يندُب عمر بن عبد العزيز:
|
حُمِّلْتَ أمرًا عظيمًا، فاصطبَرتَ له |
|
وقمتَ فيه بأمر اللهِ يا عمرَا |
فثبوت ألف الندبة دليل على أنه مندوبٌ لا منادَى؛ إذ لو كان منادًى لقال: يا عمرُ بالبناء على الضم؛ لأنه مفرد معرَّف.
وقد أجمع النحويون على جواز استعمال أحرف النداء التي للبعيد في نداء القريب لأحد غرضين: الأول: لقصد التوكيد، والمبالغةِ في طلب الالتفات، والحثِّ على زيادة الإقبال، والإشارةِ إلى أن ما يُلقَى للمخاطب أمرٌ عظيم من شأنه أن يُعنَى به غايةَ العناية، وأن يُهتم به كمالَ الاهتمام. والثاني: ...
١.٢ حروف النداء، ومواضعُها
... لتنزيل المخاطب القريب حسًّا أو معنًى منزلـة البعيد، إمّا لسهوه أو نومه أو غفلته، وإمّا للإشارة إلى بعد مكانته وعلوّ منزلته، واستقصار المنادِي نفسَه بالنسبة إليه، وإمّا للإشارة إلى بعده من نفس المتكلم، أو انحطاط درجته عنه .
وأما العكس –وهو نداء البعيد بما للقريب– فقد أجمعوا على منعه إن كان لغرض التوكيد، وأجازوه إن كان لتنزيل البعيد حسًّا أو معنًى منزلةَ القريب؛ للإشارة إلى قربه من نفس المتكلم، حتى كأن المتكلم يراه قريبًا وإن كان بعيدًا.
وقد أشار الناظم إلى ما تقدم بقوله:
|
وللمنادَى النَّاء، أو كالنَّاءِ "يا" |
|
وأيْ، و"آ"، كـذا "أَيَا"، ثم "هَيَا" |
|
والهمزُ للدَّانِي، و"وا" لمَن نُدبْ |
|
أو "يا"، وغيرُ "وا" لدَى اللَّبس اجتُنِبْ |