١.١ تعريف النداء لغةً، واصطلاحًا، واشتقاقًا


تعريف النداء لغةً، واصطلاحًا
النداء في اللغة
الدعاء بأي لفظٍ كان، واشتقاقُه من "نَدِيَ الصوتُ"، أي بعُدَ، أو ارتفع وامتدَّ في حُسن، فهو نَدِيٌّ، وقيل: إنه مشتق مِن نَدَا القومُ، إذا اجتمعوا فتشاوروا أو تحدّثوا.
وهمزة النداءِ منقلبةٌ عن واو ككساء ودعاء، وقد ذكر علماء اللغة أنَ النداء فيه أربعُ لغات: كسرُ النون وضمُّها مع المدّ، فيقال: نِداءٌ، ونُداءٌ، وكسرُ النون وضمُّها مع القصر، فيقال: نِدا، ونُدا، فالمدُّ معه لغتان، والقصر معه لغتان. قالوا: وكسرُ النون أكثر من ضمِّها، والمدُّ فيهِما أكثرُ من القصر، وقد وجّه العلماء لغةَ الضم والمدّ بأنه لمّا انتفت المشاركةُ في الفعل -كما لا يخفَى- كان بمنزلة الثلاثي الدال على صوتٍ، وقياسُه أن يكون على وزن (فُعالٍ) بالضم، كصرخَ صُراخًا، فمن ضمّ ومدّ راعَى جهةَ المعنى، ومن كسرَ راعَى جهةَ اللفظ، أما القصرُ مع الكسر أو الضم فللتخفيف.
فأكثر اللغات الأربع استعمالًا: الكسرُ مع المدِّ، يليه الكسرُ مع القصر، ثم الضمُّ مع المدّ، ثم الضم مع القصر، واللغةُ الأولى هي الأقرب إلى القياس أيضًا؛ فالنداءُ مصدرٌ قياسيٌّ للفعل "نادَى"؛ لأن قياس مصدرِ (فاعَلَ) كنادَى: الفِعالُ والمُفاعلةُ، وبقية اللغات مصادرُ سماعيةٌ، وقيل: المضمومُ اسمُ مصدرٍ، لا مصدرٌ.



١.١ تعريف النداء لغةً، واصطلاحًا، واشتقاقًا


اصطلاحًا
أما "النداءُ" في اصطلاح النحويين، فهو توجيه الدعوة إلى المخاطب، وتنبيهُهُ للإصغاء، وسماعِ ما يُريده المتكلمُ، أو هو طلبُ الإقبالِ بحرفٍ نائبٍ مَنابَ "أدعو" ونحوِه، وهو "يا" أو إحـدى أخواتها، سواءٌ أكان هذا الحرفُ ملفوظًـا به كقولـه تعالى: ((يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)) وهي الآية الثالثة والأربعون من سورة آل عمران، أم كان هذا الحرفُ مقدرًا كقوله عز وجل في الآية الثالثة والخمسين من السورة ذاتها: ((رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ))، أي: يا ربَّنا، وما دام النداءُ طلبَ الإقبال، فهو -إذن- من قبيل الأساليب الإنشائية الطلبية.

اشتقاقًا
وقد اعتُرضَ على ذلك بأن هناك تناقضًا بين كون النداء طلبًا، وكون حرف النداء نائبًا عن الفعل أدعو ونحوِه مثلِ: أُنادِي، أو أُريدُ، أو أَقصِدُ، وهي وأمثالُها أفعالٌ خبريةٌ، وأُجيب بأنّ الفعلَ النائبَ عنه حرفُ النداء مقصودٌ به الإنشاءُ لا الخبرُ، فلا تناقضَ، ويرى بعضُ العلماء أنّ الأَوْلَى أنْ يُقدَّرَ الفعلُ النائبُ عنه حرفُ النداء بلفظ الماضي، أيْ: دعَوْتُ، أو نادَيْتُ، أو قصدْتُ، ونحو ذلك؛ لأنّ الأغلبَ في الأفعالِ الإنشائيةِ مجيئُها بلفظ الماضي. والمراد بالإقبال ما يشمل الإقبالَ الحقيقيَّ، كقولك: يا عبدَ اللهِ، والمجازيَّ المقصودَ به الإجابةُ كقولك: يا أللهُ، ولا تناقضَ في نحو: يارجلُ لا تُقْبِلْ؛ لأن "يا" لطلب الإقبال الحقيقيِّ لسَماع النّهيِ، فلم يَتوجّه للمخاطب النهيُ إلا بعد إقباله.