١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


يجب إبدال أحرف العلة الثلاثة همزة في موضعين، ويجب إبدال الواو والياء دون الألف همزة في موضعين آخرين، ويجب إبدال الواو وحدها همزة في موضع واحد، وعلى هذا تكون مواضع الإبدال هنا خمسة، وفيما يلي بيانها:

الموضع الأول
ضابطه أن تقع الواو أو الياء أو الألف متطرفة بعد ألف زائدة فيجب إبدالها همزة فمثال إبدال الواو همزة: كساء وسماء ودعاء، وأبهاء جمع بهو، فالأصل فيها: كساو، وسماو ودعاو، وأبهاو، فلما تطرفت الواو بعد ألف زائدة أبدلت همزة، وقيل: أبدلت ألفًا ثم همزة.
ومثال إبدال الياء همزة: بناء وظباء، وقضاء، ورداء، والأصل فيها: بناي، وظباي، وقضاي، ورداي، فلما تطرفت الياء بعد ألف زائدة أبدلت همزة، وقيل: أبدلت ألفًا ثم همزة.
ومثال إبدال الألف همزة: حمراء، وصحراء، وحوراء، والأصل فيها: حمرى، وصحرى، وحورى، مثل سكرى وذكرى، فزيدت ألف قبل الآخر للمد كألف كتاب وغلام، فأبدلت الألف همزة لتطرفها بعد ألف زائدة.
وهذه الأمثلة المتقدمة من قبيل تطرف الواو والياء والألف تطرفًا حقيقيًّا حيث لم يأت بعدها حرف آخر، والتطرف الحقيقي لحرف العلة بعد الألف الزائدة يوجب إبداله همزة.

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


وهناك تطرف يعرف بالتطرف الحكمي، وضابطه أن يكون حرف العلة متلوًّا بتاء التأنيث أو الوحدة أو بعلامة تثنية، بشرط أن يكون هذا التالي قابلًا للسقوط والانفصال بأن يكون عارضًا وليس بلازم، وحينئذ يبدل معه حرف العلة الواقع بعد الألف الزائدة همزة على سبيل الوجوب أو الجواز كما يأتي تفصيله، ويعرف عُروض التاء باستعمال الكلمة بدونها كالتاء التي تأتي للفرق بين المذكر والمؤنث في الصفات؛ نحو: سقَّاء وسقاءة، وبناء وبناءة، وكالتاء التي تدخل المصدر لإفادة المرة الواحدة؛ نحو: استحياء واستحياءة، واصطفاء واصطفاءة، فعلى هذا تكون التاء في نحو: هداية وعداوة ليست عارضة لأن الكلمة لم تستعمل بدونها.
كما يعرف عروض علامة التثنية باستعمال المفرد كما في: كساءين مثنى كساء، وبناءين مثنى بناء، فإن لم يستعمل المفرد كانت علامة التثنية لازمة، ولا يكون معها حرف العلة متطرفًا، ولهذا قالت العرب: عقل بعيره بثنايين، ولم يبدلوا الياء التي قبل علامة التثنية همزة مع أنها بعد ألف زائدة، وذلك لأنها غير متطرفة، لكون علامة التثنية التي بعدها لازمة.
وإبدال حروف العلة المتلو بالتاء همزة تارة يكون واجبًا، وتارة يكون جائزًا، وتارة يمتنع، فيكون واجبًا إذا كانت التاء فارقة بين المذكر والمؤنث كما في نحو: بنّاءة وسقّاءة، ودعّاءة، ورجّاءة أو لإفادة الوَحدة كما في نحو: استقاءة، واصطفاءة.

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


ويكون جائزًا في ثلاث كلمات سمعت بالإبدال وعدمه؛ وهي: عظاءة (اسم لدويبة)، وصلاءة (ما يدق فيه الطيب)، وعباءة (نوع من الأكسية)، وقد سمع فيها عدم الإبدال حيث قالوا: عظاية، وصلاية، وعباية. والذين أبدلوا الياء فيها همزة عدّوا التاء فيها للوحدة لقول العرب في الجنس: غطاء، وصلاء، وعباء، والذين لم يبدلوا رأوا أن الأصل فيها لزم التاء؛ لأن تاء الوحدة فيها سماعية لا قياسية، وقد ذهب ابن الحاجب إلى أن الإبدال في هذه الكلمات الثلاث شاذ.
ويكون الإبدال ممتنعًا إن كانت التاء لازمة بنيت عليها الكلمة كالتاء في: إداوة، وهِراوة، وغباوة، وشقاوة، وهداية، وسقاية، ونهاية، وماية.
ونستخلص من ضابط هذا الموضع أن الإبدال فيه له شروط ثلاثة:

الأول: أن يتطرف حرف العلة.
والثاني: أن يكون تطرفه إثر ألف.
والثالث: أن تكون الألف زائدة.


١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


وعلى هذا لا إبدال في نحو: تبايُن، وتعاوُن، وإداوة، وهداية؛ لعدم التطرف الحقيقي أو الحكمي، ولا إبدال في نحو: ظبي ودلو لعدم كون التطرف إثر ألف، ولا إبدال في نحو: آي، وراي اسمي جنس لآية وراية لكون التطرف بعد ألف ليست زائدة، ووزن آية وراية عند الجمهور: فَعَلَة، ووزن آي وراي: فَعَل، فالألف فيهما أصلية.

الموضع الثاني
أن يقع حرف العلة وهو الواو أو الياء أو الألف بعد ألف الجمع الأقصى المشبه مفاعل، وقد كان في المفرد مدًّا زائدًا ثالثًا.
فمثال إبدال الواو همزة في هذا الموضع: حلائب جمع حلوبة، وقلائص جمع قلوص (وهو الناقة الشابة) وعجائز جمع عجوز، والأصل فيها: حلاوب، وقلاوص، وعجاوز، فوقعت الواو بعد ألف الجمع الأقصى المشبه مفاعل، وهي في المفرد حلوبة، وقلوص، وعجوز مد زائد ثالث فوجب إبدالها همزة ومثال إبدال الياء همزة: صحائف جمع صحيفة، وشعائر جمع شعيرة، وقصائد جمع قصيدة، وسلائق جمع سليقة، وفرائض جمع فريضة، والأصل فيها: صحايف، وشعاير، وقصايد، وسلايق، وفرايض، فوقعت فيها الياء بعد ألف الجمع الأقصى المشبه مفاعل، وهي في المفرد مد زائد ثالث فوجب إبدالها همزة.

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


ومثال إبدال الألف همزة: رسائل جمع رسالة، وقلائد جمع قلادة، وعمائم جمع عمامة، وشمائل جمع شِمال، فوقعت الألف بعد ألف الجمع الأقصى المشبه مفاعل، وهي في المفرد مد زائد ثالث فوجب إبدالها همزة.
والجمع الأقصى المشبه مفاعل، هو كل جمع ثالثه ألف بعدها حرفان مكسور أولهما كما رأينا في الأمثلة المتقدمة.
وقد عرفت من ضابط هذا الموضع أنه يشترط لإبدال حرف العلة الواقع بعد ألف الجمع الأقصى المذكور أن يكون في المفرد مدًّا، وأن يكون زائدًا، وأن يكون ثالثًا، فالشروط ثلاثة، ومعلوم أن حرف المد هو حرف العلة الساكن المسبوق بحركة تجانسه، وهو الألف، والواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها.
فإذا كان حرف العلة المذكور ليس مدًّا في المفرد امتنع إبداله همزة في الجمع فلهذا يقال: جداول في جمع جدول، ومقاول في جمع مِقْوَل، وقساور في جمع قسورة، لأن الواو في مفرداتها ليست مدًّا ويقال: عثارٍ في جمع عِثْيَر (وهو الغبار الناشئ عن عدْو الخيل) ومخايط في جمع مِخْيط؛ لأن الياء في المفرد ليست مدًّا.

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


وإذا كان حرف العلة في المفرد مدًّا غير زائد بأن كان أصليًّا امتنع إبداله همزة في الجمع، فلهذا يقال في جمع مثوبة: مثاوب، وفي جمع مشورة: مشاور، لأن الواو في مثوبة ومشورة مد أصلي غير زائد، ويقال أيضًا في جمع مصيف: مصايف، وفي جمع معيشة؛ معايش؛ لأن الياء في مصيف ومعيشة مد أصلي غير زائد، وكذلك الشأن في جمع مَسيل على مسايل، ومَبيع على مبايع.
وإذا كان حرف العلة في المفرد مدًّا غير زائد بأن كان منقلبًا عن أصل كالألف في مفازة ومُقامة ومَطارة (الأرض الكثيرة الطير)، وفي مقام ومعاش ومطار امتنع إبداله في الجمع أيضًا فيقال في جمع هذه الأمثلة: مفاوز ومقاوم ومطاير، ومقاوم ومعايش ومطاير، وإنما قلنا: إن الألف في هذه الأمثلة منقلبة عن أصل لأن أصلها واو أو ياء فمثلًا: مفازة أصلها مَفْوزة فنقلت حركة العين إلى الساكن الصحيح قبلها ثم قلبت ألفًا لتحركها بحسب ما سبق وانفتاح ما قبلها الآن فصارت مفازة، وأصل مطار: مَطْيَر فنقلت حركة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها ثم قلبت ألفًا فصارت: مطار.
وإذا كان حرف العلة في المفرد مدًّا زائدًا لكنه غير ثالث امتنع إبداله همزة في الجمع، فلهذا يقال في جمع مفتاح: مفاتيح، وفي جمع قنديل: قناديل، وفي جمع عصفور: عصافير، ولم يبدل حرف العلة في الجمع همزة لأنه لا يشبه مفاعل، ولأن المد في المفرد مد غير ثالث، وكذا يقال في جمع صيرف: صيارف، وفي جمع عوسج؛ لأن الياء والواو لم تقعا بعد ألف الجمع كما أنهما ليستا مدًّا ثالثًا في المفرد.

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


ومما ينبغي أن يعلم هنا أن الإبدال ليس الغرض منه طلب الخفة وحدها بل له غرض آخر وهو قصد الفرق بين ما ليس له حركة في الأصل وهو المد الزائد، وما له في الأصل حركة وهو غير المد والمد الأصلي، والمنقلب عن حرف أصلي، فأعلوا المد الزائد وصححوا ما عداه، ولم يعكسوا الأمر لقوة غير المد بحركته، ولكون المد الأصلي والمنقلب عن حرف أصلي له أصل في الحركة، فإذا وقع بعد ألف الجمع رجع إلى أصله ولم يبدل لكونه أقوى على البقاء وأجلد.
ويرى ابن جني أن قلب الواو والياء همزة في نحو: عجائز، وقصائد علته الحمل على قلب الألف همزة في نحو: رسائل وعمائم، وذلك أنه لما وقعت ألف (عمامة) و(رسالة) بعد ألف الجمع الأقصى التقى ساكنان، ولا سبيل إلى حذف أحدهما لفوات الغرض منه فتخلصوا من التقاء الساكنين بتحريك الألف التي كانت في المفرد، وتحريكها يكون بإبدالها همزة، وحملت الواو والياء على الألف في ذلك لأنهما مدتان زائدتان كالألف.
وقد اختلف في لفظ (مدائن) جمع مدينة أهو بهمزة بعد ألف الجمع أم بياء بعدها؟ والقراء أجمعوا على همزها في المواضع الثلاثة التي وردت بها في القرآن الكريم وهي قوله تعالى: ((قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ)) [الأعراف: ١١١]، وقوله: ((قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ)) [الشعراء: ٣٦]، وقوله: ((فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ)) [الشعراء: ٥٣] وذكر أبو حيان أن العرب أجمعوا على همزها، لكن ذكر المازني والجوهري وغيرهما أن بعض العرب قالوا: مداين بالياء، وذكرت كتب اللغة والتصريف أن الهمز لغة أكثر العرب، وأن بعضهم لا يهمزها، ...

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


... وفي تفسير ما أجمع عليه القراء، وما ورد في لغة أكثر العرب وهو الهمز نقول: إن مفرد مدائن هو مدينة بوزن فعيلة والميم فيه أصلية والياء زائدة واشتقاقه من مدن يمدُن مدونًا بمعنى أقام يقيم إقامة، وعلى هذا يجب إبدال الياء همزة بعد ألف الجمع، ويدل على صحة هذا الرأي أن العرب جمعوا مدينة على مدن كصحيفة وصحائف وصحف وسفينة وسفائن وسفن.
وأما لغة بعض العرب (مداين) بترك إبدال الياء همزة فتفسيره أن الياء في (مدينة) حرف مد أصلي، ووزنها مفعلة، والأصل: مَدْيَنة لأنها مشتقة من دانه يدنيه بمعنى ساسه يسوسه، ومعنى مدينة: مملوكة ومسوسة أي مسوس أهلها، فهي مثل معيشة، وعلى ذلك لا تبدل الياء همزة بعد ألف الجمع؛ لأنها في المفرد مد أصلي.
وقد علم مما سبق أن ما ثالثه مد أصلي أو بدل من أصلي لا يستحق بمقتضى القياس أن يبدل ثالثه هذا همزة في الجمع الأقصى؛ لأن أصله الحركة لكونه عين الكلمة فإذا وقع بعد ألف مفاعل تحرك بالكسر فتعاصى على الإبدال كما رأينا في جمع مثوبة ومصيف وملامة ونحوها على مثاوب ومصايف وملاوم، ولهذا حكم الصرفيون بالشذوذ على قول العرب (منائر) في جمع منارة، ومعائش في جمع معيشة، ومصائب في جمع مصيبة، أما منارة فوزنه مَفْعَلَة، وأصله: مَنْوَرَة، والألف فيه منقلبة عن حرف أصلي هو الواو، فالقياس في جمعه (مناور) برد الألف إلى أصلها وعدم إبدالها همزة.

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


وأما معيشة فوزنها: مَفْعِلة: وأصلها: مَعْيِشة، والياء فيها مد أصلي، فالقياس أن يكون جمعها: معايش بترك إبدال الياء همزة، والجمهور يقرءون قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ)) [الأعراف: ١٠] بالياء وهو القياس، وروى خارجة عن نافع أنه قرأها بالهمز، وقال الفراء في توجيه ذلك: (ربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة لشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف).
وأما مصيبة فوزنها: مُفْعِلَة، وأصلها: مُصْوِبَة، والياء فيها عين الكلمة، وهي مد أصلي منقلب عن الواو، فالقياس جمعها على مصاوب برد الياء إلى أصلها الواو وعدم إبدالها همزة في الجمع، وإنما قالت العرب (مصائب) بالهمز لأنهم توهموا أن المفرد (مصيبة) بوزن فعيلة كصحيفة مع أنه بزنة مُفْعِلَة، قال سيبويه: (فأما قولهم مصائب فإنه غلط منهم وذلك أنهم توهموا أن (مصيبة) فعيلة، وإنما هي مُفْعِلة، وقد قالوا: مصاوب... وقالوا: مصيبة ومصائب فهمزوها وشبهوها حيث سكنت بصحيفة وصحائف) ومراده بالغلط التوهم كما هو ظاهر في عبارته، والتوهم هنا مزدوج لأنهم لم يتوهموا أصالة الميم فقط، بل توهموا مع ذلك أنها مفتوحة.


الموضع الثالث
أن تقع الواو أو الياء عينًا لاسم فاعل فعل ثلاثي أعلت فيه، وهذا الموضع والذي يليه خاصان بالواو والياء ولا تشاركهما فيه الألف، ومن أمثلته: قائل وقائلة، وصائغ وصائغة، وبائع وبائعة، ودائن ودائنة، فهذه الأمثلة من قبيل اسم الفاعل، وقد وقعت الواو أو الياء عينًا لاسم الفاعل فيها ...

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


... جميعًا؛ لأن الأصل فيها قبل الإبدال: قاول وقاولة، وصاوغ وصاوغة، وبايع وبايعة، وداين وداينة، واسم الفاعل في هذه الأمثلة فعله ثلاثي أعلت عينه؛ لأن أفعالها هي: قال، وصاغ، وباع، ودان، وأصل قال وصاغ: قول وصوغ، وقد أعلت الواو فيهما بقلبها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل باع ودان: بَيَع ودَيَن، وقد أعلت الياء فيهما بقلبها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما كانت العين قد أعلت في الفعل وجب إعلالها في اسم الفاعل بقلبها همزة حملًا لاسم الفاعل على فِعْلِه؛ لأن اسم الفاعل فرع عن الفعل في الإعلال والتصحيح، وإن كان فرعًا عن المصدر في الاشتقاق على القول الراجح، فإبدال الواو همزة في قائل وقائلة بالحمل على إبدالها ألفًا في قال، وكذلك الأمر في صائغ وصائغة وصاغ وإبدال الياء همزة في بائع وبائعة بالحمل على إبدالها ألفًا في باع، وكذلك الأمر في دائن ودائنة ودان. وقد اختلف علماء التصريف في كيفية حدوث هذا الإبدال على ثلاثة أقوال:
الأول أن الواو والياء أبدلا في اسم الفاعل همزة من أول الأمر، وهو ظاهر قول ابن مالك في الألفية.
والثاني: وهو قول الأكثرين: أن الواو والياء قلبت كل منهما ألفًا لتحركها بعد فتحة مفصولة بحاجز غير حصين ثم أبدلت الألف همزة، وكسرت الهمزة على أصل التخلص من التقاء الساكنين.
والثالث: وهو قول المبرد أن ألف فاعل أدخلت قبل الألف المنقلبة في الفعل في قال وباع وأشباههما فالتقى ساكنان فحركت العين لأن أصلها الحركة، والألف إذا تحركت صارت همزة.


١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


ولا فرق هنا بين المفرد والمثنى والجمع فكما يقال: قائل وقائلة، يقال: قائلان وقائلون، وقائلتان وقائلات، وكما يقال: بائع وبائعة يقال: بائعان وبائعون، وبائعتان وبائعات... وهكذا.
ومن البدهي أن هذا الإبدال مشروط بأن تبقى العين في مكانها، فلو نقلت من مكانها -مثلًا- إلى موضع اللام لم تقلب همزة، ومثال ذلك أن اسم الفاعل من شاكَ بمعنى صار ذا شوكة هو: شائك، والأصل: شاوك فأبدلت واوه همزة، وقد ورد عن العرب في اسم الفاعل منه أيضًا: شاكٍ، وهذا لم يحدث فيه إبدال الواو همزة، وإنما حدث فيه قلب مكاني تبعه إعلال بالقلب وبالحذف، والأصل: شاوك أخرت عينه عن لامه فصار شاكِوٌ فقلبت واوه ياءً لتطرفها إثر كسرة ثم أعلت الكلمة إعلال قاضٍ بحذف الياء فصارت شاكٍ، وورد عنهم في اسم الفاعل منه أيضا شاكٌ بضم الكاف وتنوينها، ووزنه فعل عند بعض العلماء، وقال عند آخرين فعلى الأول كان الأصل: شوِك فقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وعلى الثاني: أدخلت ألف فاعل قبل الألف المنقلبة عن الواو فالتقى ألفان فحذفت الألف التي هي عين الكلمة للتخلص من التقاء الساكنين، وعلى كلا التوجيهين لا نجد أثرًا لإبدال العين همزة.
والإبدال في هذا الموضع يجري فيما كان على فاعل أو فاعلة ولم يكن اسم فاعل لكن له نظير من أسماء الفاعلين توافرت فيه شروط الإبدال كما في قول العرب: جائز للبستان، وحائر لمجتمع الماء، وجائزة لخشبة تجعل في وسط السقف، فهذه الأسماء الثلاثة ليست من الصفات، ولا فِعلَ لواحد منها لكن العرب عاملوها معاملة أسماء الفاعلين في الإبدال لموازنتها إياها والأصل فيها: جاوز، وحاير، وجاوزة.

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


ولما كان اسم الفاعل في هذا الموضع محمولًا على فعله في الإبدال سلمت أسماء الفاعلين التي سلمت أفعالها من الإبدال، فلهذا قالوا: عاور في اسم الفاعل من عَوِر، وعاين في اسم الفاعل من عين، وصايد في اسم الفاعل من صيد، والصايد من مال عنقه من داء أو كبر.

الموضع الرابع
أن تقع الواو أو الياء ثاني حرفي علة تتوسطهما ألف الجمع الذي على مثال مفاعل سواء أكان الحرفان المكتنفان لألف الجمع واوين أم ياءين أم مختلفين.
فمثال الواوين: أوائل جمع أول، وصوائغ جمع صائغة، وأصلهما أواول، وصواوغ، وقعت الواو ثاني حرفي علة تتوسطهما ألف الجمع الأقصى الذي بعد ألفه حرفان، فأبدلت الواو همزة، وإذا أردت أمثلة من هذا النوع الذي توسطت فيه ألف الجمع الأقصى بين واوين فجيء باسم على وزن فاعلة من فعل ثلاثي أجوف واوي، وأجمعه الجمع الأقصى فتقول من نحو: صام وقام، ونام، وعام: صائمة وقائمة، ونائمة وعائمة ثم تجمعها على صوائم، وقوائم ونوائم، وعوائم، والأصل في الجمع: صواوم، وقواوم، ونواوم، وعواوم.
ومثال الياءين: نيائف جمع نيِّف وهو كل ما زاد على العِقد حتى يبلغ العقد الثاني، واشتقاقه من ناف ينيف، ويرى بعض اللغويين أنه من ناف ينوف، وعلى هذا يكون مثالًا للمختلفين، ومثال الياءين أيضًا عيائل جمع عيِّل وهو الكثير العيال، واشتقاقه من عال يعيل عيلًا وعَيْلة، وكذلك: ...

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


... بيائع جمع بَيِّع، وهو من باع يبيع، والأصل في هذه الجموع: نيايف، وعيايل، وبيايع، توسطت ألف الجمع الأقصى بين الياءين فأبدلت الياء الواقعة بعدها همزة.
ومثال المختلفين بواو ثم ياء: بوائع وحوائض، وبوائع مفرده بائعة، وأصله بوايع، وحوائض مفرده حائض، وأصله حوايض فلما وقعت الياء ثاني حرفي علة بينهما ألف الجمع الأقصى أبدلت همزة. ومثال المختلفين بياء ثم واو: سيائد جمع سيد بزنة فَيْعِل من ساد يسود فأصله: سياود، وكذلك: عيائل جمع عيل من عال يعول، وأصله عَيْوِل وأصل الجمع عياوِل فوقعت الواو ثاني حرفي علة تتوسطهما ألف الجمع الأقصى فأبدلت همزة.
وعلة إبدال الواو والياء همزة في هذا الموضع هي استثقال اجتماع أحرف العلة الثلاثة قريبة من الطرف، وقياسًا على إبدالهما همزة في نحو: سماء وبناء، ويجوز أن يكون الإبدال هنا واقعًا من أول الأمر، كما يجوز أن تكون الواو أو الياء أبدلت أولًا ألفًا ثم أبدلت الألف همزة.
ويستفاد مما تقدم أن شرط الإبدال في هذا الموضع وقوع ذلك في الجمع الأقصى الذي على مثال مفاعل وليس على مثال مفاعيل، لأن علة وقوع الإبدال اتصال حرف العلة الواقع بعد ألف الجمع بالطرف، والأطراف محل التغيير، وكذا ما يتصل بها، فإن فصل عن الطرف بمدة كما في مثال مفاعيل لم يقع الإبدال لعدم اتصال حرف العلة بالطرف، فلهذا يقال في جمع عُوّار وهو الرمد أو القذى في العين: عواوير، وفي جمع ناووس وهو صندوق يضع فيه النصارى جثة الميت: نواويس، وفي جمع طاووس: طواويس، وفي جمع بَيّاع: بياييع، وفي جمع ديّار: ...

١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


... دياوير. وذلك لانفصال حرف العلة عن الطرف بياء المد، ويستمر امتناع الإبدال لو حذف المد للضرورة، لكونه في تقدير الموجود، وهذا يفسر ترك الإبدال في قول الراجز:
وكحل العينين بالعواور

وأصله العواوير فحذف المد للضرورة.
وفي مقابل ذلك يجب الإبدال في مفاعل بمقتضى القياس، ولو تحول في الضرورة إلى مفاعيل بزيادة ياء للإشباع، وهذا يفسر وقوع الإبدال في قول الراجز:

فيها عيائيل أسود ونمر

فهذا جمع عيل، والقياس فيه عيائل بإبدال الياء همزة، فعمل بمقتضى القياس مع زيادة ياء الإشباع للضرورة.


١٣.٢ مواضع إبدال الواو والياء والألف همزة وجوبًا


الموضع الخامس
وهذا الموضع خاص بالواو، وضابطه أن يجتمع واوان في أول الكلمة وتتحرك الثانية مطلقًا أي سواء كانت أصلية كما في أُوَل جمع أولى، أو عارضة كما في أواصل جمع واصلة، أو تسكن الثانية وهي متأصلة في الواوية ليست مبدلة من غيرها كما في أولى أنثى أوَّل، وكما في أوْعَد على مثال جوهر من وعد، فيجب قلب الواو الأولى همزة في هاتين الصورتين، أي إذا تحركت الثانية مطلقًا وإذا سكنت متأصلة في الواوية، وعلة وجوب الإبدال هنا كراهة اجتماع واوين في أول الكلمة لأن اجتماع المثلين في أول الكلمة مستثقل في الحروف الصحيحة، ولم يأت إلا في كلمات قليلة مثل: ددن، فهو في الواوين أشد ثقلًا.
ومثل أواصل: أواق جمع واقية، وأويصلة مصغر واصلة، وأويقية مصغر واقية، والأصل: وواق، وويصلة، وويقية فاجتمع واوان في أول الكلمة، وتحركت الثانية وهي عارضة مبدلة من الألف الزائدة في المفرد فقلبت الأولى منهما همزة، وأصل: أُوَل: جمع أولى: وُوَل فاجتمع واوان في صدر الكلمة والثانية منهما متحركة وهي أصلية غير مبدلة من غيرها، فوجب إبدال الأولى منهما همزة، وأصل أولى أنثى أول، وُولى بزنة فُعْلى فاجتمع واوان في صدر الكلمة، والثانية منهما ساكنة وهي متأصلة في ذاتها ليست مبدلة من غيرها فوجب إبدال الواو الأولى همزة.