١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


وقوع الإبدال في أنواع الكلمة الثلاثة
في حديثنا عن دخول الإبدال في الكلمات الثلاث سنسير على التعريف العام للإبدال الذي يشمل أنواعه كلها، وهو إقامة حرف مقام آخر مطلقًا.
وغالب الإبدال واقع في الأسماء والأفعال، وأما الحروف فالإبدال الواقع فيها قليل بالنسبة لما يقع في الأسماء والأفعال.


والحروف يقع فيها الإبدال لقصد الإدغام، كما تجد حديث ذلك في علم التجويد عن إدغام النون الساكنة فيما بعدها إذا كان راءً أو لامًا أو ميمًا أو واوًا أو ياءً، كما في قوله تعالى: ((مِنْ رَبِّكُمْ)) [البقرة: ٤٩] وقوله تعالى: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)) [البقرة: ٢٤] وقوله تعالى: ((مِنْ وَاقٍ)) [الرعد: ٣٤] وقوله تعالى: ((وَمَنْ يَقُلْ)) [الأنبياء: ٢٩] وقوله تعالى: ((مِمَّ خُلِقَ)) [الطارق: ٥] ففي جميع هذه الأمثلة وقع إبدال في النون لقصد الإدغام حيث أبدلت إلى الحرف من جنس ما بعدها، وأدغم فيه.
كذلك يقع في الحروف الإبدال الشائع غير الضروري، وهو الذي يشيع في بعض اللهجات العربية كما تقدم بيانه، وقد رأينا ذلك في عنعنة تميم وقولهم: "عنك" في "أنك"، ورأيناه في عجعجة قضاعة في إبدالهم ياء النسب جيمًا، ورأيناه في فحفحة هذيل في "حتى" حيث يقولون: عتى، ورأيناه في طمطمانية حمير في "أل" المعرفة حيث يبدلون اللام ميمًا.

١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


كذلك يقع في الحروف الإبدال القياسي الضروري في التصريف، ومن أمثلته إبدال الميم من النون الساكنة الواقعة قبل الباء كما في قوله تعالى: ((أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ)) [النمل: ٨] ومنه إبدالهم الهاء جوازًا من تاء التأنيث المتصلة بالاسم إذا وقف عليها وقبلها متحرك نحو: رحمة وثمرة أو ساكنة معتل نحو: صلاة وزكاة.

والأسماء يقع فيها الإبدال لقصد الإدغام أيضًا كما في قراءة السوسي قوله تعالى: ((عَدَدَ سِنِينَ)) [المؤمنون: ١١٢] بإدغام الدال في السين بعد إبدالها سينًا، وكقراءة من قرأ بإدغام ذال (إذ) في ستة أحرف وهي حروف (تجد) وحروف الصفير وهي الصاد والسين والزاي، ومنهم أبو عمرو، واليزيدي وابن محيص، ولا يتحقق الإدغام إلا بإبدال الذال حرفًا من جنس ما بعدها، ومن ذلك إبدال نون التنوين الساكنة التي تكون في آخر الاسم حرفًا من جنس ما بعدها لقصد الإدغام، وذلك مع الياء والراء والميم واللام والواو كما في قوله تعالى: ((رَعْدٌ وَبَرْقٌ)) [البقرة: ١٩] و((فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ)) [الكهف: ٤٣] و((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة: ٢] و((ثَمَرَةٍ رِزْقًا)) [البقرة: ٢٥] و((سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)) [البقرة: ٢٦١] كذلك يقع فيها الإبدال الشائع غير الضروري، وهو الذي يشيع في بعض اللهجات كما رأينا في عجعجة قضاعة إبدال الياء المشددة جيمًا في قوله الراجز: أبو علج، والعشج، وإبدال ياء المتكلم جيمًا في قوله الراجز: حجتج، وبج، وكما رأينا في كشكشة ربيعة إبدالهم الكاف التي ضمير المخاطبة المؤنثة شينًا عند الوقف نحو عليش ومنك، ومررت بش، وكما رأينا في كسسكة بكر وإبدالهم كاف ضمير المؤنثة سينًا نحو أبوس وأمّس.

١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


ووقع فيها الإبدال الشاذ بإبدال اللام من نون أصيلان كما تقدم بيانه.
والإبدال إلى الشائع الضروري في التصريف أكثر في الأسماء منه في الأفعال والحروف، وسيأتي بيانه بالتفصيل، ويمكننا هنا أن نشير إلى أنواعه مع التمثيل لكل نوع:

إبدال الدال من التاء نحو: مزدجر ومدكر.
إبدال الهمزة من الواو نحو: سماء، وقائل، وحلائب، وصوائغ، وأواصل.
إبدال الهمزة من الياء نحو: قضاء، ودائن، وقصائد، وبوائع، وغائي في النسب إلى غاية.
إبدال التاء من الواو نحو: اتعاظ، ومن الياء نحو: اتسار.
إبدال الميم من الواو، وذلك في كلمة فم.
إبدال الواو من الهمزة نحو: علاوي، ومن الألف نحو: كويتب، ومن الياء نحو: موقظ، وفتوى.
إبدال الطاء من التاء نحو: اصطحاب، واضطراب.

١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


إبدال الياء من الهمزة نحو: قضايا وإيمان ومن الألف نحو: مصابيح وغليّم، ومن الواو نحو: الداعي، وصيام، وديار، وميزان، ودنيا، وطي، ومرضي، وعصا، والتداعي.
إبدال الألف من الهمزة نحو: آخذ وآمر، ومن الواو نحو: مال، ومن الياء نحو: ناب، والفعل يقع فيه الإبدال لقصد الإدغام، كما في إبدال القاف كافًا لتدغم في الكاف في نحو: خلقكم، ونخلقكم، وكما في إبدال التاء طاءً لتدغم في الطاء في نحو: ((بَيَّتَ طَائِفَةٌ)) [النساء: ٨١] وكما في إبدال الذال سينًا لتدغم في السين في قوله تعالى: ((فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ)) [الكهف: ٦١] وإبدالها صادًا في: ((مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً)) [الجن: ٣]، وكما في إبدال الدال زايًا لتدغم في الزاي في: ((يَكَادُ زَيْتُهَا)) [النور: ٣٥] أو شيئا في ((وَشَهِدَ شَاهِدٌ)) [يوسف: ٢٦] أو صادًا في ((نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ)) [يوسف: ٧٢] ويقع فيه الإبدال الشائع غير الضروري وهو ما يكون لهجة لبعض العرب، ومن ذلك ما نسبه صاحب لسان العرب لأهل اليمن من إبدال همزة أفعل هاءً فيقولون: في أرقت الماء، وأرحت الدابة، وأردت الشيء: هرقت، وهرحت، وهردت، وهو إبدال سماعي غير قياسي، ومنه ما ورد في الإبدال لابن السكيت نقلًا عن الفراء من أن العرب يقولون: قاتله الله، ثم يستقبحونها فيقولون قاتعه الله، وكاتعه، ويقولون قهرت الرجل أقهره وكهرته أكهره، وسمع بعض بني أسد يقرءون: (فلا تكهر) ووقع فيه الإبدال الشاذ كما رأينا في إبدال الضاد لامًا في قول الراجز:

١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


مال إلى أرطأة حقف فالطجع

والإبدال الشائع الضروري في التصريف أو القياسي كثير في الأفعال لكنه دون كثرته في الأسماء، وستأتي مواضعه بالتفصيل، ويمكننا هنا أن نشير إلى أنواعه مع التمثيل لكل نوع:
إبدال الدال من التاء نحو: ازدجر، وازدان.
إبدال التاء من الواو نحو: اتعظ، ومن الياء نحو اتسر.
إبدال الواو من الهمزة نحو: أوثر، وأوم مضارع أم، ومن الألف نحو: حوكم، ومن الياء نحو: بوطرت الدابة، ونهو الرجل.
إبدال الطاء من التاء نحو: اصطحب، واضطرب.
إبدال الياء من الهمزة نحو: أيّن مضارع أنّ، ومن الواو نحو: رضي، وأعطيت.
إبدال الألف من الهمزة نحو: آتزر مضارع ائتزر، ومن الواو نحو: قال، ومن الياء نحو: هاب. ومن ذلك نحو: دَعوا ورموا، وإن كانت الألف فيه قد حذفت بعد إبدالها من الواو، والياء.


١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


أدلة الإبدال وأماراته
يعرف الإبدال في الكلمة بأدلة وعلامات تتلخص في أربعة أدلة أو أربع علامات وهي:

الرجوع إلى الحرف المبدل منه في بعض تصاريف الكلمة رجوعًا لازمًا أو غالبًا
ومعنى ذلك أنك إذا وجدت كلمتين بمعنى واحد، ولا يفترقان لفظًا إلا في حرف واحد في مكان متقابل فيهما كنت أمام احتمالين أحدهما بدلًا من الآخر، والثاني: أن يكون أحد الحرفين في إحدى الكلمتين أصلًا، والآخر الذي في الكلمة الأخرى بدلًا منه، والفيصل في ذلك هو الرجوع إلى تصاريف الكلمة فإن كان أحد الحرفين قد التزم في تلك التصاريف، والآخر اختفى أو ظهر قليلًا علم من ذلك أن الذي لزم أو غلب هو الأصل، وأن الآخر مبدل منه، وإن لزم الحرفان في جميع التصاريف، دون غلبة لأحدهما على الآخر واستويا كانا كلاهما أصلين؛ لأن اعتبار أحدهما أصلًا والآخر بدلًا منه في هذه الحالة تحكم لا معنى له فمثال الحرف الذي التزم في بعض تصاريف الكلمة، والرجوع إليه لازم الثاء في (جدث) فإنه أبدل منه فاء في (جدف) وهما بمعنى واحد، وعندما جئنا بالجمع وجدنا العرب لم يقولوا إلا أجداثًا بالثاء فالرجوع إلى الثاء في الجمع لزومًا دلنا على أن الثاء مبدل منها، وأن الفاء بدل منها، ولهذا نقول: الفاء في (جدف) بدل من الثاء، قال تعالى: ((يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ)) [القمر: ٧] والأجداث: القبور، ومثال الحرف الذي يرجع إليه في بعض التصاريف غالبًا الصاد في قول العرب: لص ولصت، وهما اسمان بمعنى واحد، ...

١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


... وهو السارق واللام فيهما مثلثة والكسر أفصح، والتاء في (لصت) بدل من الصاد في (لصّ)، ودليل ذلك وأمارته هو الرجوع إلى الجمع، والعرب يقولون غالبًا في الجمع لصوص، وبقلة: لصوت، فالرجوع إلى الصاد في الغالب دل على أن الصاد أصل في لص، وأن التاء في لصت بدل منها.
ومثال الحرفين اللازمين في جميع التصاريف دون غلبة لأحدهما على الآخر الهمزة في (آكد) والواو في (وكد) فكلاهما لزم في جميع التصريف، لأن العرب يقولون: أكد يؤكد تأكيدًا فهو مؤكد والشيء مؤكد، ويقولون: وكد يوكد توكيدًا فهو موكِّد والشيء موكَّد. ومثل ذلك الهمزة في (أرخ) والواو في (ورخ) فإن العرب يقولون: أرخ يؤرخ تأريخًا فهو مؤرخ، والشيء مؤرخ، ويقولون: ورخ يورخ توريخًا فهو مورخ والشيء مورخ، وقد دل هذا اللزوم في جميع التصاريف على أن الهمزة والواو في المادتين كل منهما أصل، وليس أحدهما بدلًا من الآخر.


قلة استعمال الكلمة المشتملة على البدل
ومعنى ذلك أنك إذا وجدت كلمتين بمعنى واحد ولا يفترقان لفظًا إلا في حرف واحد يمكن أن يكون في إحداهما بدلا من مقابلة الذي في الآخر، وكانت إحدى الكلمتين أكثر استعمالًا من الأخرى فإنك تحكم بأصالة الحرف الذي في الكلمة الأكثر استعمالًا وتحكم بأن الحرف المقابل له في الكلمة الأخرى بدلا منه، ومثال ذلك أن العرب يقولون في جمع ثعلب: ثعالب، وثعالي، ويقولون في جمع أرنب: ...

١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


... أرانب وأراني، وفي جمع ضفدع: ضفادع وضفادي والأكثر استعمالًا في الجمع هو: ثعالب، وأرانب، وضفادع، فلهذا نحكم بأن الياء في هذه الجموع بدل مما يقابلها، وهو الباء أو العين، وقد ورد استعمال الكلمة المشتملة على البدل في هذه الجموع.
في قول أبي كاهل اليشعري:
لها أشارير من لحم تتمره من الثعالي ووخز من أرانيها
وقول الراجز:

ومنهل ليس له حوازق       ولضفادي جمه نقانق

والأشارير: جمع أشرارة وهي اللحم القديد، وتتمره: تجففه، والوخز الشيء القليل، والمنهل: المورد والحوازق: الجماعات، والجم: معظم الماء ومجتمعه.
ومن هذا القبيل أيضًا إبدال الياء من السين في قول الشاعر يهجو امرأة:
إذا ما عد أربعة فسال       فزوجك خامس وأبو سادي


١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


والأصل: سادس، ومنه إبدال الياء من الثاء في قول الراجز:
يفديك يا زرع أبي وخالي       قد مر يومان وهذا الثالي

والأصل: الثالث.

أمثلة الاشتقاق
وهي الأمثلة التي اشتقت مما اشتق منه اللفظ الذي وقع فيه الإبدال. فالتاء في (تراث) وهو المال الموروث بدل من الواو، والأصل وراث، ودليل ذلك أمثلة الاشتقاق التي اشتقت مما اشتق منه، فالعرب يقولون: ورث، ووارث، وموروث، وكلها مشتقة من الوراثة كما اشتق لفظ تراث منها، وكلها تدل على أن الواو المقابلة لتاء (تراث) هي الأصل، وأن التاء بدل منها، ومثل ذلك التاء في (تجاه) فإن أمثلة الاشتقاق نحو: توجه، ومواجهة، ووجيه تدل على أن التاء في (تجاه) بدل من الواو، ومثل هذا الدليل قائم في كلمة (أجوه) والأصل: وجوه.


١٢.٢ تغييرات النسب إلى ما دل على جماعة


أن يكون تقدير الحرف غير مبدل يخرج الكلمة عن الأوزان الصرفية المعروفة
وبعبارة أخرى: يعرف الإبدال في الكلمة بوجود حرف لو قدرت أصالته لأدى ذلك إلى بناء مجهول غير معروف في الأوزان الصرفية، ومثال ذلك الهاء في قولهم: هرقت الماء، وهرحت الدابة، وهردت كذا، فإنها بدل من الهمزة في أراق، وأراح، وأراد، ولو لم نقدر ذلك لكان وزن هذه الأفعال: هفعل، ولا يوجد ذلك في الأوزان الصرفية المعهودة للفعل المزيد بالحرف، فيترتب على ادعاء أصالة الهاء الأداء إلى بناء مجهول غير معروف.
وهذه الأدلة أو الأمارات قد يجتمع منها اثنان أو ثلاثة في المثال الواحد، فمثلا جدث وجدف عرفنا الإبدال فيهما بالرجوع إلى الجمع، ويمكن أن يقال: عرفناه بكثرة الاستعمال، وكذلك الشأن في تراث عرفنا الإبدال فيه بأمثلة الاشتقاق وعرفناه أيضًا بالرجوع إلى الواو لزومًا في أصل الكلمة وهو الوراثة. وهكذا.