٨.٢ تغييرات النسب إلى الثلاثي المحذوف أحد أصوله


أولًا: النسب إلى محذوف الفاء
إذا أردنا النسب إلى اسم ثلاثي حذفت فاؤه واللام فيه حرف صحيح لم نحتج إلى رد الفاء فنقول في رجل ينسب إلى العدة والزنة: رجل عِدِيّ وزِنيّ، وفي رجل ينسب إلى الثقة: رجل ثقي، وفي رجل يحب السعة: رجل سَعِيّ، وهي أسماء محذوفة الفاء لكونها من الوعد والوزن والوثوق والوسع، وإنما لم ترد الفاء إليها عند النسب لأمرين:
الأول: أن حذف الفاء فيها قياسي لعلة تقتضيه، وهي متابعة المصدر للفعل نحو: يعد ويزن ويثق ويسع، وهذه العلة باقية في حال النسب.
والثاني: أن الفاء بعيدة عن محل التغيير وهو الطرف فلا ينبغي التصرف فيها بالرد دون ضرورة.
وإذا أردنا النسب إلى اسم ثلاثي حذفت فاؤه واللام فيه حرف علة، وجب رد الفاء إليه كما قال ابن مالك:
وإن يكن كـ(شية) ما ألفًا عدم       فجبرُه وفتح عينه التُزِم

والشية: لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، ومثله في اللفظ (دية) وهي حق القتيل، وأصلهما: (وِشْيٌ وَوِدْيٌ بكسر الفاء وسكون العين، حذفت الفاء منهما حملًا على حذفها في المضارع، ونقلت حركتها إلى العين الساكنة لتدل على نوع الحركة في الحرف المحذوف، ثم جيء بالتاء عوضًا عن المحذوف، وعند النسب إليهما تحذف التاء لكونها لا تجتمع مع ياء النسب، فيبقى الاسم بعد حذفها على حرفين ثانيهما لين، ...

٨.٢ تغييرات النسب إلى الثلاثي المحذوف أحد أصوله


... وليس لذلك نظير في الأسماء المعربة؛ لأن الثاني عرضة للحذف عند التقاء الساكنين فيبقى حينئذ على حرف واحد، وفي ذلك إجحاف ببنيته: وبعد رد الفاء تصير صورة المنسوب: وِشَوِيٌّ، ووِدَويّ عند سيبويه، ووشييٌّ، ودييٌّ عند الأخفش، والسر في هذا الاختلاف هو أن سيبويه يبقي العين مكسورة بعد رد الفاء، ولا يجعلها ساكنة كما كانت في الأصل، ثم يبدل من كسرة العين فتحة لصيرورة الكلمة على ثلاثة أحرف أوسطها مكسور كما في نمر، وتقلب اللام ألفًا؛ لأنها حرف علة متحرك مفتوح ما قبله، ثم تقلب الألف واوًا لأجل ياء النسب، وإنما بقيت الياء مكسورة بعد رد الفاء عنده ولم ترجع إلى أصلها من السكون؛ لأن رد الفاء هنا لضرورة، وهذه الضرورة عارضة في النسب غير لازمة فلم يعتد بها فلا تحذف كسرة العين التي تستحقها مع حذف الفاء.
وأما الأخفش فيرد العين إلى أصلها من السكون بعد رد الفاء، ولهذا يقول في النسب إلى نحو شية: وشّييّ، والياءات فيه لا تستثقل مع سكون ما قبلها فهو مثل: ظبيي، في النسب إلى ظبي، وحجة الأخفش في ذلك أن العين أصلها السكون، وإنما تحركت عند حذف الفاء فإذا رد المحذوف عادت العين إلى سكونها الأصلي.



٨.٢ تغييرات النسب إلى الثلاثي المحذوف أحد أصوله


ثانيا: محذوف العين
عند النسب إلى الثلاثي المحذوف العين، لم ترد إليه عينه المحذوفة، فيقال في النسب إلى: "سه" وأصله "سته" اسم للدبر: سَهِيّ، وفي النسب إلى "مذ" المختصر من "منذ": مُذِيّ، وإنما لم ترد العين المحذوفة عند النسب لأمرين:
الأول: أن الاسم المعرب يستقل بدون العين المحذوفة، فلم تكن هناك ضرورة لردها.
والثاني: أن العين ليست في الطرف الذي هو محل التغيير، فلا داعي للتصرف فيها بالرد دون ضرورة.

ثالثا: محذوف اللام
عند النسب إلى الثلاثي المحذوف اللام لا يخلو أمر لامه من أن تكون محذوفة لالتقاء الساكنين كالألف في هدى وعصا، وكالياء في عمٍ، أو تكون محذوفة اعتباطًا لغير علة.
فإن كانت محذوفة لالتقاء الساكنين وجب ردها عند النسب، لزوال علة حذفها عند إلحاق ياء النسب، وتظهر هذه الألف عند ردها في صورة واو قبل ياء النسب فيقال في النسب إلى الأمثلة المذكورة: هدوي، وعصوي، وعموي، وأصل هُدًى: هَديٌ تحركت ياءه وفتح ما قبلها فقلبت ألفًا فالتقى ساكنان هما الألف ونون التنوين الساكنة فحذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين، ...

٨.٢ تغييرات النسب إلى الثلاثي المحذوف أحد أصوله


... وعند النسب ترد الألف لزوال علة حذفها؛ لأن التنوين ينتقل إلى ياء النسب، ثم تقلب الألف واوًا لأجل ياء النسب فيقال: هدوي.
وأصل عصا عصوٌ تحركت الواو وفتح ما قبلها فقلبت ألفًا والتقى بذلك ساكنان فحذفت الألف للتخلص من التقائهما، وعند النسب ترد الألف لزوال علة حذفها ثم تقلب واوًا لأجل ياء النسب فيقال: عصوي.
وأصل عم: عميٌ استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان: الياء ونون التنوين الساكنة فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، وعند النسب ترد الياء لزوال علة حذفها بانتقال التنوين إلى ياء النسب؛ ولأن الكلمة حينئذ من الثلاثي المكسور الوسط تبدل الكسرة فيها فتحة فتنقلب الياء فيها ألفًا ثم تقلب الألف واوًا لأجل ياء النسب فيقال:عموي، ومثلها: شج وشجوي.
وإن كانت اللام محذوفة اعتباطًا لغير علة فلا يخلو الأمر من أن يكون في الكلمة تعويض عن اللام المحذوفة أو لا يكون فيها تعويض عنها.
والتعويض عن اللام المحذوفة إما بهمزة وصل كما في اسم وابن: وإما بتاء كما في أخت وبنت ولك فيما عوض فيه بهمزة الوصل وجهان عند النسب:

أولهما: أن ترد اللام المحذوفة وتحذف همزة الوصل فتقول: سَمَوي وبَنَوي، ولا يصح إبقاء الهمزة مع رد اللام؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض عنه.
والوجه الثاني، أن تبقى على همزة الوصل ولا ترد اللام فتقول: اسمي وابني.


٨.٢ تغييرات النسب إلى الثلاثي المحذوف أحد أصوله


ولك فيما عوض فيه بالتاء وجهان أيضا:
الأول وهو مذهب سيبويه، أن تحذف التاء وترد اللام المحذوفة فتقول في النسب إلى أخت وبنت: أخوي وبنوي؛ وذلك لأنه يشبه تلك التاء بتاء التأنيث لاختصاصها بالمؤنث فيحذفها، ويرد اللام المحذوفة.
والثاني: وهو مذهب يونس، أن تبقي على التاء ولا ترد اللام؛ لأن التاء بدل منها وليست للتأنيث فتقول: أختي وبنتي، ويجوز حذف التاء ورد اللام فتقول: أخوي وبنوي، فيجوز فيه وجهان عند يونس، ودليله على أن التاء ليست للتأنيث أمران:
الأول: أنها لا تبدل في الوقف هاء بل يوقف عليها بالتاء، وتاء التأنيث تبدل في الوقف هاء نحو: ضاربة، وفاطمة.
والثاني: أن ما قبلها ساكن صحيح، وتاء التأنيث يكون ما قبلها إما محركًا بالفتح في حال صحته كما في رحمة، وإما ساكنًا معتلًّا نحو: فتاة وقناة.


٨.٢ تغييرات النسب إلى الثلاثي المحذوف أحد أصوله


وإذا كانت اللام محذوفة اعتباطًا من الكلمة، ولم يعوض عنها بشيء كما في شاة وأب ويد وجب رد اللام إلى الكلمة عند النسب في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كانت العين حرف علة، ولم يبدل منها قبل النسب حرف صحيح، وذلك نحو: شاة، وذو بمعنى صاحب، فتقول في رجل ينسب إلى الشاة: رجل شاهي، وفي رجل ينسب إلى (ذو) لكثرة استعماله لها: رجل ذَوَوي، فترد اللام في ذلك وجوبًا لكونها محذوفة لغير علة، والعين حرف علة ولم يبدل منها حرف صحيح، وأصل (شاة) في التصريف: شوهة بسكون الواو، حذفت الهاء منها اعتباطًا، وفتحت الواو لأجل تاء التأنيث فصارت: شوة، ثم قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت شاة، وعند النسب تحذف تاء التأنيث لكونها لا تجتمع مع ياء النسب، وترد اللام المحذوفة إلى الكلمة فتقول: شاهي، وأصل (ذو) في التصريف: ذووٌ بفتح الفاء والعين، حذفت لامها وهي الواو الثانية اعتباطًا، فصارت ذو ثم سكنت الواو وضمت الذال، وعند النسب ترد إلى أصلها، وترد إليها اللام المحذوفة فيقال: ذَوِوي، وإنما وجب رد اللام في: شاة وذو؛ لئلا يبقى الاسم المعرب على حرفين ثانيهما لين، وذلك لا نظير له في العربية.
ولا ينطبق هذا الحكم على (فم)؛ لأن عينه في الأصل حرفة علة لكنه أبدل منه حرف صحيح قبل النسب وهو الميم فلهذا لا ترد إليه اللام عند النسب ويقال: فَمِيٌّ، وأصل (فم) في التصريف: فَوْه بسكون الواو، حذفت لامه اعتباطًا، والواو التي هي عينه لا تثبت إلا في حال الإضافة، فإذا قطع عند الإضافة أبدلت ميمًا، تقول: فوك وفوه، وتقول: فم بالميم؛ لأن الاسم المعرب لا يكون على حرفين ثانيهما لين، وقد ذكر سيبويه أنَّ بعض العرق يقول في النسب إلى فم: فموي برد اللام حملًا على ردها في التثنية حيث يقول: فموان.


٨.٢ تغييرات النسب إلى الثلاثي المحذوف أحد أصوله


الحالة الثانية: أنْ تكون اللام التي حذفت اعتباطًا قد ردت في التثنية أو الجمع بالألف والتاء أو الإضافة ففي نحو: أب وأخ ترد اللام فيهما في التثنية والإضافة فيقال: أبوان وأخوان، ويقال: أبوك وأخوك فيجب رد اللام إليهما عند النسب فتقول: أبوي وأخوي، وفي نحو: سنة وعضة ترد اللام في الجمع بالألف والتاء فتقول: سنوات أو سنهات، وعضوات أو عضهات، فيجب رد اللام في النسب كما ردت في الجمع فيقال: سنوي أو سنهي، ويقال: عضوي أو عضهي، وإنما وجب رد اللام في تلك الحالة؛ لأن النسب يجيز رد اللام التي لم ترد قبل ذلك كما في قولهم: يدوي في النسب إلى يد، فيكون رد ما سبق رده واجبًا.
وفي غير هاتين الحالتين لا يكون رد اللام واجبًا بل جائزًا، وضابط ذلك أن تصح العين، وأن تكون اللام المحذوفة اعتباطًا لم ترد إلى الكلمة في تثنية ولا جمع ولا إضافة فيكون رد اللام حينئذ جائزًا، وعلى هذا أجازوا في النسب إلى يد ودم وغد، وأمة وشفة: يدي ويدوي، ودمي ودموي، وغديٌّ وغدويٌّ، وأمِيِ وأموِي، وشفيِ وشفوي أو شفهي، وإنما جاز رد اللام في ذلك لأن النسب يرجح رده، وجاز عدم ردها؛ لأنها لم ترد في غير النسب.