٧.٢ تغييرات النسب
يقول سيبويه: "واعلم أنَّ ياءي الإضافة إذا لحقتا الأسماء فإنهم مما يغيرونه عن حاله قبل أن تلحق ياءي الإضافة، وإنما حملهم على ذلك تغييرهم آخر الاسم ومنتهاه فشجعهم على تغييره إذا أحدثوا فيه ما لم يكن"، وفي هذا القول تصريح بكثرة ما يحدثه العرب من التغييرات عن النسب، وقد تأمل العلماء في تغييرات النسب، وقسموها إلى تغييرات عامة تلحق جميع الأسماء، وتغييرات خاصة تحدث في بعض الأسماء دون بعض.
أولًا: تغييرات النسب العامة: التغييرات العامة في النسب ثلاثة: تغيير لفظي، وتغيير معنوي، وتغيير حكمي، فالتغيير اللفظي عبارة عن ثلاثة أمور وهي: إلحاق الياء المشددة بآخر المنسوب إليه، وكسر ما قبلها، ونقل الإعراب إليها لصيرورتها بمنزلة الآخر في المنسوب فتظهر عليها الضمة رفعًا، والفتحة نصبًا، والكسرة جرًّا.
والتغيير المعنوي هو: صيرورة الاسم المركب مع الياء دالًّا على المنسوب ووصفًا له بعد أن كان قبل إلحاق الياء اسمًا للمنسوب إليه، وهذا الوصف يخصص النكرة كقولنا: قطن مصري ويوضح المعرفة نحو: مجمع اللغة المصري والتغيير الحكمي هو معاملة المنسوب إليه بعد إلحاق الياء المشددة به معاملة الوصف المشتق؛ لأنه في تلك الحالة يدل على ذات غير معينة موصوفة بصفة معينة، وهي النسبة إلى المجرد عن الياء، وهذه المعاملة تظهر في الآتي:
٧.٢ تغييرات النسب
تغييرات النسب إلى الثلاثي المكسور الوسط:
إذا أردت النسب إلى اسم ثلاثي مكسور العين وجب إبدال كسرة عينه فتحة، وسواء في ذلك ما كانت فاؤه مفتوحة نحو: نمر، وما كانت مكسورة نحو إبل، والمضمومة نحو: دئل "اسم لأبي قبيلة" فيقال في النسب إلى هذه الأسماء: نَمَرَي، وإبَلي، ودئَلي، بفتح العين منها فرارًا من توالي الكسرات مع ياء النسب الموجب للثقل المفرط في الثلاثي المبني على الخفة، فلو كسرت العين لكان على غاية من الثقل بتتابع الثقلاء من كسرة وياء، ففي "إبلي" بكسر الباء لم يخلص حرف من الثقل، وفي نميري ودئلي بكسر الميم والهمزة لم يخلص من الثقل إلا الحرف الأول.
فإذا كان الاسم زائدًا على ثلاثة وما قبل آخره مكسور بقي هذا المكسور في النسب على كسره عند الخليل وسيبويه والجمهور؛ وذلك لأن الاسم الزائد على ثلاثة ليس مبنيًّا على الخفة في أصل وضعه، فلا يستنكر فيه توالي الأمثال الثقلاء من كسر وياء، فيقال في النسب إلى تغلب ويثرب ومشرق ومغرب ومستغفر ومزخرف وحجمرش: تغلبي، ويثربي، ومشرقي، ومغربي، ومستغفري، ومزخرفي وحجمرشي بإبقاء ما قبل الآخر على كسره وكسر الآخر لأجل ياء النسب.
وذهب المبرد وابن السراج وجماعة إلى عدم وجوب ذلك في الزائد على الثلاثة إذا كان على أربعة أحرف ثانيها ساكن؛ كتغلب ومشرق ويثرب، بل يجوز فيه ذلك، ويجوز فتح ما قبل الآخر فيقال: تغلبي، ومشرقي، ويثربي، وعلة الجواز أنَّ الثاني الساكن كالميت المعدوم فيلحق بناؤها بالثلاثي في حكمه جوازًا.
٧.٢ تغييرات النسب
ومما شذَّ من الثلاثي هنا ما نبه عليه سيبويه بقوله: "وقد سمعنا بعضهم يقول في الصِّعِق: صِعِقي يدعه على حاله، وكسر الصاد؛ لأنه يقول: صِعِق، والوجه الجيد فيه صَعَقِي".
وإنما حكم عليه بالشذوذ؛ لأن القياس فتح عينه عند النسب فيقال: صَعَقي كما يقال في نَمِر: نَمَري و"صِعِق" بكسر الصاد أصله "صَعِق" بمعنى مغشي عليه، وإنما كسرت صاده إتباعًا لكسرة العين، وعند النسب تفتح هذه الصاد لزوال سبب الإتباع.
تغييرات النسب إلى نحو: طيب وهين:
إذا أردت النسب إلى اسم ينتهي بحرف صحيح قبل آخره ياء مشددة مكسورة، وجب عليك حذف الياء الثانية المكسورة، فتقول في النسب إلى طيّب وهيّن، وسيّد، وميّت، وبيّن، وكتيّب، وغزيّل: طيْبي، وهيْني، وسيْدي، وميْتي، وبيْني، وغزيْلي، فتحذف الياء الثانية المكسورة وتبقى الأولى الساكنة وإنما فعل العرب ذلك لكراهتهم اجتماع أربع ياءات وكسرتين في آخر الكلمة الذي يناسبه التخفيف، وهم يفرون من توالي الياءات والكسرة، فحذفوا الياء الثانية المكسورة للتخفيف، فإن قيل: لِمَ لَمْ يحذفوا غير هذه الياء للتخفيف؟ فالجواب أنه لا يجوز حذف إحدى ياءي النسب؛ لأن علامة النسب لا تتحقق إلا بهما معًا، ولا يجوز أن يحذفوا الياء الأولى ...
٧.٢ تغييرات النسب
وعلة حذف الياء هنا هي التخفيف؛ لأن عدم حذفها يؤدي إلى توالي الأمثال الثقلاء من الكسر والياءات في بناء قريب من بناء الثلاثي المبني على الخفة، وعلة أخرى لهذا الحذف هي الفرق بين النسب إلى المؤنث كما في هذه الأمثلة، والنسب إلى المذكر كما في عقيل وسهيل، فإنه يكون بإثبات الياء فتقول: عقيلي وسهيلي، وإنما اختص المؤنث بحذف الياء؛ لأنه تحذف من تاء التأنيث والحذف يشجع على الحذف ويجرئ عليه.
وإذا كانت العين في "فعيلة" معتلة مع صحة اللام بقي الحكم كما هو، فيقال في النسب إلى: عيينة، وقويمة، وسويقة، ونويرة ورويحة: عيني، وقومي، وسوقي، ونوري، وروحي، ولا خوف هنا من انقلاب العين ألفًا؛ لأن حرف العلة المتحرك لا يقلب ألفًا إذا انضم ما قبله، وإذا كانت "فعيلة" من قبيل المضعف لم تحذف الياء، فيقال في النسب إلى هريرة وقطيطة، ومديدة: هريري، وقطيطي، ومديدي، بإثبات الياء؛ لأنها لو حذفت لاجتمع مثلان في كلمة واحدة فيثقل التلفظ بها إذا لم يدغم أحد المثلين في الآخر، ويزيد التغيير في الكلمة مع اللبس لو أدغم المثلان.
وقد شذَّ في هذا الموضع قول العرب: رمح رديني، وهو منسوب إلى ردينة زوجة صانع تلك الرماح، والقياس في النسب إليها: ردني، وشذ قولهم: خريبي في النسب إلى خريبة وهي قبيلة، وقولهم خريني في النسب إلى خرينة هو اسم من أسماء البصرة، والقياس فيهما: خُرَبي، وَخُرَني.
وعند النسب إلى "فعولة" نحو: شنوءة "حي من اليمن" تحذف تاء التأنيث لكونها لا تجتمع مع ياء النسب ثم لك أن تقول في النسب إليها: شنئي أو شنوئي أو شنئي على حسب اختلاف الصرفيين في ذلك، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
٧.٢ تغييرات النسب
المذهب الأول
مذهب سيبويه، وهو يوجب حذف الواو من "فعولة" بالشرطين المتقدمين في "فعيلة" وهما: ألا تكون العين معتلة مع صحة اللام، وألا تكون الكلمة من المضعف، وبعد حذف الواو يحذف الضمة التي على العين، ويجتلب فتحة في مكانها، فيقول في النسب إلى شنوءة شنئي، وإلى خروقة: خرَقي وإلى ركوبة: ركبي، وإلى حلوبة: حلَبي، وهكذا.
وحجة سيبويه في مذهبه هذا تعتمد على القياس والسماع، أما القياس فهو حمل فعولة على فعيلة لما بينهما من المشابهة في اللفظ، ولتساويهما في وجود المد الزائد وكونه بعد العين، فحذفت منها الواو كما حذفت الياء من فعيلة، وفتحت العين كما فتحت في فعيلة، ولطلب مزيد من الخفة، ووجه آخر للقياس هو استقباح إبقاء حرف معتل زائد لغير معنى وهو الواو بعد حذف حرف صحيح دال على معنى وهو تاء التأنيث، وأما السماع فهو ما سمع من قول العرب في النسب إلى شنوءة: شنئي، ولم يسمع في "مفعولة" غيره، ولم يسمع إلا كذلك، فهو كل المسموع منه فصار أصلًا يقاس عليه.
وعلى هذا المذهب إن كانت "فعولة" معتلة العين مع صحة اللام لم تحذف الواو منها كما في: قووله وبيوعة (مبالغة في قائل وبائع) وكذا لا تحذف الواو منها إن كانت من المضعف نحو: ملولة وضرورة، فيقال في النسب إلى هذه الأمثلة: قوولي وبيوعي، وملولي وضروري، وإنما ثبتت الواو في نحو قوولة؛ لأنها لو حذفت للزم قلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها وتحرك ما بعدها، وفي ذلك كثرة التغيير، وبعد الكلمة عن أصلها وحصول اللبس، ...
٧.٢ تغييرات النسب
... ولو تركت ولم تقلب ألفًا لزم الاستثقال، وإنما ثبتت الواو في نحو: ملولة؛ لأنها لو حذفت لاجتمع مثلان في كلمة واحدة فإن أدغم أحدهما في الآخر لزم كثرة التغيير وحصول اللبس، وإن لم يدغما ثقل التلفظ بهما.
المذهب الثاني
مذهب ابن الطراوة، وهو يوجب حذف الواو من فعولة مع بقاء الضمة، فيقول في النسب إلى ما سبق. شُنئي، وخُرقي، وركُبي، وحُلبي.
المذهب الثالث
مذهب الأخفش والمبرد والجرمي، وهو يقتصر على حذف التاء فيقول في النسب إلى ما تقدم شنوئي، وفروقي، وركوبي، وحلوبي، ويرى أصحاب هذا المذهب أنّ ما سمع من قول العرب: شنئي، شاذ يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأنه لم يسمع غيره، وحجتهم في ترك ما ذهب إليه سيبويه من القياس أن بين الياء والواو فرقًا؛ لأن العرب جمعوا في النسب بين واوين فقالوا: عدوي في النسب إلى (عدو) ولم يجمعوا بين ياءين فقالوا: عدوي في النسب إلى عدي، كما أن بين الكسر والضم فرقًا؛ لأن العرب غيروا الكسرة في النسب إلى نمير فقالو نمري، ولم يغيروا الضمة في النسب إلى: عضد، فقالوا: عضدي، فدل ذلك على أن الواو والضمة لا يستكرهان في النسب كما تستكره الياء والكسرة، قال ابن يعيش: ...
٧.٢ تغييرات النسب
... (وقول أبي العباس متين من جهة القياس، وقول سيبويه أسد من جهة السماع، وهو قولهم: شنئي وهذا نص في محل النزاع).
والراجح من هذه المذاهب هو مذهب سيبويه؛ لأن السماع يؤيده، ولا يصح العدول عما سمع عن العرب، والحكم عليه بالشذوذ لكونه لم يسمع غيره، بل نعده أصلًا يقاس عليه لكونه جميع المسموع؛ ولأن المنسوب في مذهبه يكون أخف مما ذهب إليه غيره فقولنا: شنئي أخف من شنُئي وأخف من شنوئي، وذلك واضح لا ينكر.