٧.١ تعريف النسب وبيان الغرض منه وعلامته
تعريف النسب
النسب لون من الاستعمال اللغوي يدخل في مجال التركيب، وقد لجأ إليه العرب لإفادة ارتباط بين منسوب ومنسوب إليه سواء أكان المنسوب إليه علمًا أم قبيلة أم موطنًا أم صنفًا أم شيئًا يراد للمنسوب إثبات أن له به علاقة وصلة، وهذا اللون من الاستعمال يدل على اتصاف المنسوب بشيء مع الإيجاز والاختصار، فإن قولك: مصريّ أوجز من قولك: منسوب إلى مصر، وقولك أمويّ أوجز من قولك: منسوب إلى بني أمية، والفائدة من دراسة هذا الباب هي التعرف على التغييرات التي تحدث للكلمة في هذا الاستعمال، واكتساب الخبرة في النسب إلى الأسماء المختلفة بحيث يأتي النسب موافقًا للاستعمال العربي الفصيح.
تعريف النسب لغة
يقول ابن فارس في مقاييس اللغة: النون والسين والباء كلمة واحدة قياسها اتصال شيء بشيء، منه النسب سمي لاتصاله وللاتصال به، تقول نسَبت أنسِب، وهو نسيب فلان، ومنه النسيب في الشعر إلى المرأة كأنه ذِكْرٌ يتصل بها، ولا يكون إلا في النساء، تقول منه: نسبت أنسب، والنسيب:
الطريق المستقيم لاتصال بعضه من بعض.
٧.١ تعريف النسب وبيان الغرض منه وعلامته
وفي معاجم اللغة يأتي النسب مصدرًا لفعلين أحدهما متعدٍ والثاني لازم، فيقال في المتعدي: نسبه ينسبه وينسبه نسبًا ونسبة بمعنى: ذكر نسبه ووصفه، أو سأله أن ينتسب أو عزاه إلى شيء، ويقال في اللازم: نسب ينسب وينسب نسبًا ومنسبة بالمرأة أي: وصف محاسنها وتغزل بها.
والمشهور في معاني المتعدي هو العزو، واشتهر بمعنى صلة القرابة، واستعمله المعاصرون في معنى المصاهرة وأقر ذلك مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
عريفه اصطلاحًا
هو إلحاق ياء مشدَّدَة بآخر الاسم للدلالة على نسبته إلى المجرد عنها، هكذا عرفه كثير من العلماء وأرى أن المناسب في تعريفه أن نقول: هو إلحاق ياء مشددة بآخر الاسم للدلالة على نسبة شيء إليه، ففي قولنا: مصري ألحقنا الياء المشددة بآخر لفظ "مصر" وتوخينا من هذا الإلحاق الدلالة على نسبة شيء إلى "مصر" فلو قلنا: رجل مصري تبين أن هذا المنسوب رجل وإذا قلنا ثوب مصري تبين أنه ثوب، وهكذا، وكذلك في قولنا "شعر حجازي" ألحقنا الياء المشددة بلفظ "حجاز" للدلالة على نسبة الشعر إليه، هذا ويسمَّى اللفظ المجرد عن ياء النسبة منسوبًا إليه؛ لأنه المقصود نسبة الشيء إليه، ويسمى المقترن بياء النسبة: المنسوب، فقولنا: مصري وحجازي كلاهما منسوب، والمنسوب إليه هو لفظ "مصر" ولفظ "حجاز" ويمكن تعريف المنسوب بأنه الاسم الملحق بآخره ياء مشددة للدلالة على نسبة شيء إليه.
ويمكن تعريف المنسوب إليه بأنه الاسم المراد نسبة شيء إليه.
٧.١ تعريف النسب وبيان الغرض منه وعلامته
الغرض من النسب
يقول بعض علماء التصريف: الغرض من النسب أن تجعل المنسوب من آل المنسوب إليه أو من أهل البلدة أو الصنعة أو نحوهما، والمعنى أن قولنا محمدي الغرض من النسب فيه إفادة كون الموصوف به من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وقولنا: شامي الغرض فيه إفادة كون الموصوف بالمنسوب من أهل الشام وقولنا: قيادي معناه من أهل حرفة القيادة وهكذا.
ويمكن أن يقال: إن الغرض من النسب هو إفادة مطلق ارتباط بين المنسوب إليه والموصوف بلفظ النسبة. ولعل ذلك ما حدا بسيبويه إلى أن يطلق على باب النسب باب الإضافة؛ وذلك لأن الإضافة قد تكون لأدنى ملابسة كما في قول العرب: كوكب الخرقاء بإضافة الكوكب إلى المرأة الخرقاء وهي التي لا تحسن تدبر أمورها فتكسل طوال يومها ثم تجتهد في العمل عند طلوع ذلك الكوكب، يقول سيبويه: "هذا باب الإضافة وهو باب النسبة، اعلم أنك إذا أضفت رجلًا إلى رجل فجعلته من آل ذلك الرجل ألحقت ياءي الإضافة، فإن أضفته إلى بلد فجعلته من أهله ألحقت ياءي الإضافة، وكذلك إن أضفت سائر الأسماء إلى البلاد أو إلى حي أو قبيلة".
وهناك غرض لفظي يتحقق بأسلوب النسب هو الإيجاز والاختصار؛ لأن فيه أداء المعنى المقصود بكلمة واحدة مركبة من المنسوب إليه مع الياء المشددة، ولو ذهب المتكلم لأداء هذا المعنى بدون النسب لاحتاج إلى كلمات كثيرة تؤديه، ومثال ذلك أن قولنا: بغدادي يؤدي معنى يحتاج إلى ثلاث كلمات لأدائه، وهو أن يقال: منسوب إلى بغداد.
٧.١ تعريف النسب وبيان الغرض منه وعلامته
ومن الأغراض التي تتوخى من النسب أيضًا: تنمية اللغة، والإكثار من مبانيها وجعلها صالحة لأداء معانٍ لا يؤديها غير هذا الأسلوب المختصر. فأنت إذا قلت: علم ذري نسبة إلى الذرة عبرت بذلك عن كل ما يتعلق بالذرة من معارف، وكذلك لو قلت: خُلُق إنساني عبرت به عن جميع الأخلاق التي يكون بها الإنسان إنسانًا، وهكذا.
علامة النسب
لما كان النسب معنى طارئًا على الاسم كالتثنية والجمع والتأنيث احتاج إلى علامة تدل عليه كما حصل في التثنية ونحوها، وقد جعل العرب علامة النسب ياء مشددة تلحق بآخر الاسم المنسوب إليه ويكسر ما قبلها، وهنا يتساءل علماء التصريف: لِمَ كانت علامة النسب من حروف اللين؟ ولِمَ اختصت بالياء دون الألف والواو؟ ولِمَ كانت مشددة ولم تكن مفردة؟ ولم ألحقت بالآخر؟ ولم كسر ما قبلها؟
وجوابهم عن ذلك: أن علامة النسب جعلت من حروف اللين لخفة تلك الحروف وكثرة زيادتها في أبنية اللغة، واختصت بالياء دون الألف؛ لأنها تصير بعد التركيب حرف الإعراب، والألف يمتنع ظهور الإعراب عليها، وما يظهر عليه الإعراب أولى مما لا يظهر عليه، ولم تجعل واوًا لكون الواو ثقيلة، ويستثقل عليها الإعراب، مع كون ذلك يؤدي في الصورة إلى اسم معرب ينتهي بواو قبلها ضم، وذلك لا نظير له في اللغة.
وإنما كانت الياء مشددة ولم تكن مفردة لثلاثة أمور وهي:
تنبيه: مذهب الجمهور أنَّ ياء النسب تركبت مع المنسوب إليه، وصارت جزءًا منه بدليل ظهور الإعراب عليها فتقول: هذا كوفيّ وقابلت كوفيًّا، ومررت بكوفيّ، وهي في الأصل حرفٌ دالٌ على النسب لا محل له من الإعراب، وذهب الكوفيون إلى أنها اسم في محل جر بإضافة ما قبلها إليها، وإنما ظهر عليها الإعراب لكونها في صورة الحرف، وكالجزء من المضاف، وقد استدلوا على مذهبهم هذا بقول بعض العرب: رأيت التيميَّ تيمِ عديٍّ بجر "تيم" لكونه بدلًا من ياء النسب، ولا يبدل الاسم إلا من مثله، فتعين القول بأن ياء النسب اسم مجرور بإضافة ما قبله إليه.
ويرى الجمهور أنَّ الكوفيين لا حجة لهم في ذلك القول لاحتمال أنْ يكون "تيم" مجرورًا بإضافة اسم محذوف، والأصل: رأيتُ التيميّ صاحب تيمِ عديٍّ، فلما حذف المضاف بقي المضاف إليه على جره، وإن كان ذلك قليلًا في الاستعمال العربي كما في قولهم: ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك والتقدير: ولا مثل أخيه، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، كما هو معلوم.
٧.١ تعريف النسب وبيان الغرض منه وعلامته
 |
ظهور حركات الإعراب الثلاثة وهي الضمة والفتحة والكسرة عليها، ولو كانت مفردة لم يظهر عليها إلا الفتحة؛ لأن الضمة والكسرة يثقلان عليها. |
 |
أنها في تلك الحالة لا تكتب بياء المتكلم بخلاف المفردة. |
 |
أنها في تلك الحالة لا تحذف، والمفردة تحذف عند التقاء الساكنين. |
وإنما ألحقت بآخر المنسوب إليه؛ لأنها تشبه الإعراب من حيث عروضها، فيكون موضع زيادتها هو آخر الكلمة كما يحدث في حركات الإعراب.
وإنما كسر ما قبل ياء النسب؛ لأن الكسر يناسبها كما يكسر ما قبل ياء المتكلم وياء المخاطبة للمناسبة ولو أن ما قبلها فتح لالتبس المنسوب بالمثنى المضاف إلى ياء المتكلم في حالتي النصب والجر، كما في نحو: كتابَيّ ولو أن ما قبلها ضم لكان ثقيلًا فلهذا تعين الكسر.