١.١ تعريف التصغير وبيان ما يشترط في الاسم المراد تصغيره


للتصغير غرض لفظي عام يتحقق تصغير الاسم المراد تصغيره، وهو الإيجاز والاختصار؛ لأن المصغر يغني عن الموصوف وصفته فنحو: رجيل يغني عن قولنا: رجل صغير، وقولنا: دريهمات يغني عن قولنا: دراهم قليلة، وهكذا.
وهناك أغراض معنوية تتوخى من التصغير، وقد بينها العلماء فيما يلي:

تصغير ما يجوز أن يتوهم أنه كبير، وقد يعبرون عن ذلك بقولهم: تقليل ذات الشيء ومن أمثلة ذلك: جبيل، ونهير وكليب، وجحيش وشجيرة في تصغير: جبل، ونهر، وكلب، وجحش وشجرة فالمراد هنا الدلالة على صغر هذه الأشياء.
تقليل ما يجوز أن يتوهم أنه كثير نحو: دريهمات، ودنينيرات، وقديرات، في تصغير: دراهم ودنانير وقدور والمراد هنا وصف الدراهم والدنانير والقدور بالقلة وهذا الغرض مختص بتصغير الجمع، وقد يعبر عنه بلفظ تقليل كمية الشيء.
تحقير ما يجوز أن يتوهم أنه عظيم نحو: شويعر، وعويلم في تصغير شاعر وعالم، والغالب أن يكون التحقير هنا منصرفًا إلى الموصوف من جهة اتصافه لا من جهة ذاته فيكون المعنى: شاعر ضعيف الشعر، وعالم يسير العلم.

١.١ تعريف التصغير وبيان ما يشترط في الاسم المراد تصغيره


تقريب ما يجوز أن يتوهم أنه بعيد زمنًا أو مسافة أو مقدارًا، فمثال ما يختص بالزمن: قبيل الفجر، وبعيد الظهر، وقد يطلق على هذا: تقريب الزمان.
ومثال ما يختص بالمسافة: فويق الرأس وتحيت الماء، وقد يطلق على هذا تقريب المكان أو المسافة.
ومثال ما يختص بالمقدار: أصيغر منك، ودوين هذا.
وهذه الأربعة هي أغراض التصغير الحقيقية الشائعة عند العرب، وقد جاء في كلامهم لمعانٍ أُخر تدخل في باب الكناية ومنها:
الدلالة على العطف والشفقة، والتحبب إلى المخاطب نحو: يا بني ويا أخي، ويا صديقي، ويا حبيبي فقد كنوا هنا بالتصغير عن العطف على المصغر والشفقة عليه وأرادوا به التودد والتحبب إليه؛ لأن الصغير أولى بالشفقة والتودد من الكبير.
الدلالة على الزيادة في اللطافة والملاحة كقولهم في لطيف: لطيِّف وفي مليح: مليِّح؛ لأن اللطيف إذا صغر دل ذلك على الزيادة في لطافته، وكذلك المليح.
هذا وقد أضاف الكوفيون إلى الأغراض الحقيقية للتصغير غرضًا خامسًا وهو:

١.١ تعريف التصغير وبيان ما يشترط في الاسم المراد تصغيره


التعظيم واستدلوا على مجيء التصغير لهذا الغرض بجملة أدلة هي:
قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كُنيف مليء علمًا، وكنيف تصغير كنف وهو وعاء يضع فيه الراعي أدواته لحفظها.
وإنما كان التصغير فيه للتعظيم؛ لأن المقام مقام مدح ومقتضاه التعظيم، ويريد سيدنا عمر بقوله هذا وصف عبد الله بن مسعود بأنه حافظ لما أودع في صدره من العلم كما يحفظ كنف الراعي ما يوضع فيه.
قول الحباب بن المنذر في خطبته يوم السقيفة الذي بويع فيه لأبي بكر رضي الله عنه بالخلافة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، وجذيل تصغير جذل، وهو العود الذي ينصب للجمال الجربى في مبركها لتحتك به، وعذيق: تصغير عذق وهو النخلة بحملها، والمرجب: المعظم ومعنى قوله: (أنا جذيلها المحكك) أنه يستشفى برأيه وحكمته كما تستشفى الإبل الجربى بالعود الذي ينصب لها في مبركها، ومعنى قوله: (أنا عذيقها المرجب) أنه عظيم الفوائد لمن حوله كالنخلة وإذا كان المقام مقام مدح لرأيه ولذاته فاللائق بالتصغير أن يكون للتعظيم.
قول لبيد بن ربيعة:

١.١ تعريف التصغير وبيان ما يشترط في الاسم المراد تصغيره


وكل أناس سوف تدخل بينهم       دويهية تصغر منها الأنامل
ودويهية تصغير (داهية) وأراد بها الموت وهذا التصغير لتعظيم أمر الداهية التي هي موت وهلاك وقد عظم شأنها بقوله في وصفها: (تصغر منها الأنامل).
قول أوس بن حجر:
فويق جبيل شاهق الرأس لم تكن       لتبلغه حتى تكل وتعملا

وهذا الشاعر صغر الجبل القوي يتحدث عنه لإفادة التعظيم، والدليل على ذلك أنه وصفه بأمرين يقتضيان ذلك أولهما أنه شاهق الرأس، أي عظيم الارتفاع والعلو، والثاني: مخاطبته للسامع بقوله: "لم تكن لتبلغه حتى تكل وتعملا" أي لن تستطيع أيها السامع صعود هذا الجبل وبلوغ قمته إلا ببذل جهد عظيم يدركك منه التعب والإعياء.
فهذه الشواهد الأربعة اقترن فيها المصغر بما يقتضي تعظيمه لا تحقيره، وجاء في مقام مدح أو تهويل فيجب حمل التصغير على غرض التعظيم.
والبصريون ينكرون مجيء التصغير للتعظيم، ولذلك ردوا أدلة الكوفيين وتأولوها بما ينفي ذلك الغرض.
ففي قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كنيف مليء علمًا، يقولون: إن التصغير فيه للتقليل؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان ضئيل الحجم فالمعنى ...

١.١ تعريف التصغير وبيان ما يشترط في الاسم المراد تصغيره


... المراد أنه وإن كان صغير الجسم جليل قدره عظيم شأنه بما وعاه من علم شرعي وما حفظه من القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيما ورد في خطبة الحباب المنذر يقول البصريون: التصغير في (جذيلها) و(عذيقها) للتقليل، إذ لا ينتظر من الصحابي أن يمدح نفسه ويعظمها وإنما أراد أن يقرر أن كثرة الفائدة قد توجد مع صغر الذات، وأنه يستشفى برأيه ويؤخذ بقوله ويعمل بمشورته ويعظم في قومه مع ضألة حجمه وصغر جسمه.
وفي بيت لبيد بن ربيعة يقولون: تصغير الداهية فيه للتحقير للإيذان بأن هلاك المرء قد يكون بشيء تافه حقير لا يؤبد له يتسبب عنه موته، ويمكن أن يكون للتقليل؛ لأن الداهية -كلما قلت- في ذاتها أو مدتها كانت أعظم هؤلاء وأشد أثرًا.
وفي بيت أوس بن حجر يقولون: تصغير الجبل فيه للتقليل والإشعار بأنه ليس عريضًا واسع الممشى كما يكون في بعض الجبال، بل هو ضيق الممشى مع علوه الشديد وارتفاعه الشاهق مما يصعب معه بلوغ قمته إلا بجهد ومشقة وتعب.
وأقول: الأدلة التي استدل بها الكوفيون تحتمل ما ذكروه فيها من معانٍ كما تحتمل ما ذكره البصريون، والأفضل في هذه المسألة أن يقال: مجيء التصغير في اللغة لغرض التعظيم ليس ممتنعًا، لكنه لم يكثر في كلام العرب، بل هو قليل، والقليل لا يبنى عليه قاعدة، فلا يصح القول بأن مجيء التصغير للتعظيم قياس مطرد، كما أنه لا يصح منعه بل يقبل إذا جاء في مقام يقتضيه. والله أعلم.