٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


من المقالات في كتب الجاحظ:

وصف المسعودي آثار الجاحظ الخالدة فقال: "كُتُب الجاحظ مع انحرافه المشهور تَجْلُو صَدَأَ الأذهان، وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ووصفها أحسن وصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، كان إذا تخوف مَلَل القارئ، وسآمة السامع خرج من الجِدّ إلى الهزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة طريفة، وتعتبر فصول كتابه "البخلاء" مقالات تصويرية رائعة تصوّر الحياة في البصرة، وفي بغداد خلال عصر الجاحظ أحسن تصوير وأدقَّه، وتعرض نماذج بارعة من البخل لأشخاص عصروا مُخَيّلتهم على غير نسق موجود، وبأسلوب تَفَرّد به، وأصبح علمًا عليه".

ومن أبرز الرسائل ذات الصّلة بما نُسَمّيه "المقال اليومي" رسالة "الحاسد والمحسود" التي بدأها الجاحظ بقوله:
"وهب الله لك السلامة، وأدام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ودفع عنك الندامة، كتبتَ إليّ- أكرمك الله- تسألني عن الحسد؛ ما هو؟ وأين هو؟ وما دلالاته وأفعاله؟ وكيف تفرقت أموره وأحواله؟ وبم يعرف ظاهره ومكنونه؟ ولِمَ صار في العلماء أكثر منهم في الجهلاء؟ ولِمَ كثر في الأقرباء، وقلّ منه في البعداء؟ وكيف دبّ في الصالحين أكثر منه في الفاسقين؟ وكيف خُصّ به الجيران من جميع الأوطان؟"



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


فتح الجاحظ رسالته بعناصر عِدّة ناقشها عنصرًا تِلْوَ عنصر، وعالج خلالها ظاهرة الحسد معالجة أدبيّة تُنَفِّرُ منه، وتقلّل من قيمة الحاسدين. استمع إليه إذ يقول: " الحسد- أبقاك الله- داءٌ ينهك الجسد، ويفسد الأود، علاجه عَثِر، وصاحبه ضَجِر، وهو باب غامض، وأمر متعذر، فما ظهر منه فلا يُداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء".

ثم يقول: "وما أتى المحسود من حاسده إلا من قبل فضل الله تعالى إليه، ونعمته عليه، والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطن، وضد الحق، وحرب البيان؛ فمنه تتولّد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنهج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم من الأقرباء، ومُحْدِث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء يَكْمُن في الصدر كُمُون النار في الحجر، ولو لم يدخل- رحمك الله- على الحاسد بعد تراكم الهموم على قلبك، واستكان الأحزان في جوفك، وكثرة مضضه، ووسواس ضميره، وتنقيص عمره، وكَدر نفسه، ونكد لذاذة معاشه إلا استئثاره لنعمة الله تعالى عنده، وسخطه على سيده بما أفاء الله عليه، وتمنّيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وألا يرزق أحدًا سواه؛ لكان عند ذَوِي العقول مرحومًا، وكان عندهم في القياس مظلومًا".


٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


من مقالات أبي حيان التوحيدي في كتابه (الإمتاع والمؤانسة):

أبو حيان التوحيدي: وصفه ياقوت الرومي بأنه فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق المتكلمين، ومتكلم المحققين، وإمام البُلَغَاء، فَرْد الدنيا الذي لا نظير له ذكاءً، وفطنة، وفصاحة، ومُكْنَةً.

أوصافه في كتاب (الإمتاع والمؤانسة):
كتاب (الإمتاع والمؤانسة) أبرز الآثار الأدبية لأبي حيان التوحيدي، والمطلع عليه يعجب بثقافة الرجل الواسعة واطلاعه الغزير.

وينفرد كتاب أبي حيان بالجزالة في العبارة، والإطناب في تصوير الفكرة، والإكثار من الازدواج، مع الاهتمام بالتعمق في سبر غَوْرِ الموضوعات التي يتناولها، وفصول الكتاب الوصفيّة تُشبه المقالات الموضوعية الحديثة، وتقترب من المقالات التأمّلِيّة الفلسفية؛ فقد ضمّ الكتاب صورًا شخصية بارعة أصلحها للتمثيل، وأقربها إلى المقال وصف الصاحب بن عباد التزم فيه بالأسلوب الهادئ الخالي من السّبَاب البذيء،


٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


حتى لا يفوت الغرض الذي رَمَى إليه، والهدف الذي يريد تحقيقه؛ ومما جاء في وصف الصاحب بن عباد:
إن الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب، فصيح اللسان، قد نَتَفَ من كل أدبٍ خفيفٍ أشياءَ، وأخذ من كلّ فنّ أطرافه، والغالب عليه كلام المتكلمين المعتزلة، وكتابته مُهَجّنة بطرائقهم، ومناظرته مشوبة بعبارة الكُتّاب، وهو شديد التعصّب على أهل الحكمة، والناظرين في أجزائها كالهندسة، والطب، والتنجيم، والموسيقى، والمنطق، وغير ذلك، وليس عنده بالجزء الإلهي خبر، ولا له فيه عين ولا أثر، وهو حسن القيام بالعروض والقوافي، ويقول الشعر، وليس بذاك، وفي بديهته غزارة، وطالعه بالجوزاء والشّعرى قريبة منه، وتشيعه بمذهب أبي حنيفة، ومقالة الزيدية، ولا يرجع إلى الرقة والرأفة والرحمة.

والناس كلهم محجمون عنه لجرأته، وسلاطته، واقتداره، وبسطته؛ شديد العقاب، طفيف الثواب، طويل العتاب، بذيء اللسان، يعطي كثيرًا قليلًا، أعني: يعطي الكثير القليل، مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب، بعيد الفَيْأة، قريب الطيرة، حسود حقود حديد، وحسده وقف على أهل الفضل، وحقده سارٍ إلى أهل الكفاية.

أما الكتاب والمتصرفون فيخافون سطوته، وأما المنتجعون فيخافون جفوته، وقد قتل خلقًا، وأهلك ناسًا، ونفى أمة نخوةً، وتعنتًا، وتجبرًا، وزهوًا، وهو مع هذا يخدعه الصبي، ويغلبه الغبي؛ لأن المدخل عليه واسع،


٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


والمَأْتَى إليه سهل، وذلك بأن يقال: مولانا بأن أعار شيئًا من كلامه، ورسائل منثوره ومنظومه، فما جبت الأرض إليه من فرغانة، ومصر، وتفليس إلا لأستعيد كلامه وأفصح به، وأتعلم البلاغة منه، فكأنما رسائل مولانا سُوَر قرآن، وفقره فيها آيات فرقان، واحتجاجه من ابتدائها إلى انتهائها برهان فوق برهان، فسبحان من جمع العلم في واحد، وأبرز جميع قدرته في شخص!

فيلين عند ذلك ويذوب، ويُلْهى عن كل مهم له، وينسي كل فريضة عليه، ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائل مع الورق والورق، ومسهل له الإذن عليه، والوصول إليه، والتمكن من مجلسه، فهذا هو هذا، ثم يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرًا، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجم، ويقول له: قد نَحَلْتُك هذه القصيدة، امدحني بها في جملة الشعراء.

فيفعل أبو عيسى وهو بغدادي محنّك، قد شاخ على الخدائع، وتحنّك عند سماع شعره في نفسه، ووصفه بلسانه، ومدحه من تعبيره: أَعِدْ يا أبا عيسى، والله قد صفا ذهنك، وزادت قريحتك، وتنقحت قوافيك، ليس هذا من الطراز الأول حين أنشدتنا في العيد الماضي، مجالسنا تخرّج الناس، وتهب لهم الذكاء، وتزيد لهم الفطنة، وتحوّل الكودن عنيفًا، والمحمر جوادًا، ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا بجائزة ثَنِيّة، وعطية هنية، ويغيظ الجماعة من الشعراء وغيرهم؛ لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعًا، ولا يَزِنُ بيتًا، ولا يذوق عروضًا.


٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


رسائل "إخوان الصفا":

إخوان الصفا:
ضمّت الرسائل العلمية لإخوان الصفا أربعة أقسام: قسم في الرياضيات، وآخر في الجسمانيات- أي: الطبيعيات- وثالث في النفسيات- أي: العقليات- ورابع في الناموسيات- أي: الإلهيات- بالإضافة إلى الرسالة الجامعة التي توضح كل ما جاء بهذه الرسائل.

وهي تتميز بالنزعة الكلامية الفلسفية أكثر من تميزها بالصفة الأدبية البيانية، تحكي الرسائل الخصومة الأبدية بين الإنسان والحيوان، أمام محكمة الجن يروي مؤلفوها:
أن الحيوانات كانت حرّة تركض في الغابات، والإنسان يسكن أعالي الجبال، ثم ما لبث أن تحضّر وتجمّع في المدن، وانقض على الأنعام والبهائم يستعبدها، ويسخّرها، ثم تروي الرسائل: أن الناس خضعوا للإسلام حين ظهر، وخضع فريق من الجن له، وكان بيرست الحكيم ملك الجن يحكم جزيرة صاغون التي تقع في وسط البحر الأخضر قريبة من خط الاستواء، وحدث أن استطاب نفر من الآدميين الإقامة بالجزيرة، وأخذوا يتعرّضون لحيواناتها التي هربت منهم، وذهبوا إلى بيرست الحكيم يشكون ظلم الإنسان لهم.



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


فبعث إليهم كي يَمْثُلُوا بين يديه، ويحلّق خيال مؤلّفي الرسائل، فيجعلون زعماء الحيوانات يختارون ابن آوى يتحدث عنهم، ثم يعتذر عن مهمّته لكثرة أعدائه من الكلاب، فيتقدم الذئب معللًا عداوة الكلاب للحيوانات، وصداقتهم لبني الإنسان، فيقول:
"إنما دعا الكلاب إلى مجاورة بني آدم ومداخلتهم مشاكلة الطباع، ومجانسة الأخلاق، وما حدث عندهم من المرغبات، واللذات، ومن المأكولات، والمشروبات، وما في طبائعها من الحرص، واللؤم، والبخل، وما في جبلتها من الأخلاق المذمومة في بني آدم، مما السباع عنه بمعزل، وذلك أن الكلاب تأكل اللحم نيئًا، وجيفًا، مذبوحًا، وحامضًا، وما شَاكَلَها من أصناف مأكولات بني البشر التي أكثر السباع لا يأكلها ولا يعرفها".

ويدافع زعيم الإنس عن حقهم في تسخير الحيوانات بآيات من القرآن الكريم مثل: ((وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) [النحل: ٥- ٨].

ويرد البغل على هذه الحجج فيقول: "ليس في شيء مما قرأ هذا الإنسي من آيات القرآن- أيها الملك- دلالة على ما زعم أنهم أرباب، ونحن عبيد؛ إنما هي آيات تذكار بإنعام الله عليهم، وإحسانه عليهم؛


٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث


سخرها كما سخر الشمس والقمر، والرياح، والسحاب، أفترى- أيها الملك- أننا عبيد، وأنهم أرباب". ويستنطق مؤلّفو الرسائل كلّ فرد من بني الأنفس بأسلوب بني جنسه ثقافةً وتفكيرًا، ويصف سحنتهم، وأزياءهم، وعاداتهم؛ فالهندي طويل اللحية، والعبراني يرتدي برداء أصفر، والسرياني والمسيحي يلبس ثيابًا من الصوف، والقرشي يلبس ثوبين وإزارًا، وكأنه رجل محرم.

والرسائل كما ترى مرآة لأفكار إخوان الصفا، تعكس عقائدهم الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، وتتميز بسهولة الأسلوب، ووضوح الفكرة واختيار الألفاظ؛ مما جعلها قريبة من المقال الأدبي الفلسفي في أشياء عديدة، وتدور موضوعات الرسائل- كما هو واضح- حول نقد العقائد الهندية، واليهودية، والنصرانية، والإسلامية من خلال عقيدة إخوان الصفا الشيعية العَلَوية، وتهدف إلى محاربة الحاكم الظالم ومن يعملون معه، وتنتهي بدفع الملوك لظلم الملكين: ملك الجن وملك النحل، وهذا ما يهدف المقال إليه اليوم في مفهومه ومضمونه.


٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث



٢.١٥ نماذج من الكتب القديمة التي تعد أصولا للمقال الحديث