٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


أولًا: المقال التحليلي:

الخصائص الفنية:
يقوم المقال التحليلي الصحفي بتلبية رغبة ملحة لدى القارئ في المعرفة، أو تبصيره بما ينميها لديه، وهو يتطلب من كاتبه أن يمتلك رؤية عميقة مستوعبة تجعل من المقال همزة وصل بين العمل الغامض وبين القارئ، وأن يصدر في عمله عن عقلية ناقدة تتيح له استخدام الأخبار وتحليل الاتجاهات، من خلال تقويم صحفي يقوم على إدراك العلاقات واستخراج النتائج والتنبؤ بالأحداث.

وأن ينظر في الموضوع من جميع زواياه المختلفة، ولا يقتصر على مجرد نقل الخبر وإبداء الرأي؛ بل يقوم بتقويمها وتقديمها في أسلوب منطقي قاطع الدلالة، وعبارة واضحة بليغة، وتحت عنوانٍ موحٍ كاشفٍ.

وهناك فارق جوهري بين المقال التحليلي وبين المقال الافتتاحي، غير الفارق في الحجم والمساحة والمكان الثابت، وهذا الفارق الكبير بين التحليلي والافتتاحي لا يعبر عن سياسة الصحيفة؛ وإن كان يجب ألا يختلف معها؛


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


فهناك مساحة كبيرة من الحرية تمنح لكتاب المقال التحليلي وتسمح لهم بالتميز عن رأي الصحيفة. ومن أبرز كتابه؛ طه حسين في كتاباته بـ(كوكب الشرق)، ومحمد حسنين هيكل في مقاله الأسبوعي "بصراحة" بجريدة (الأهرام)، وفهمي هويدي في (قضايا وآراء)، بجريدة الأهرام.

نموذج للمقال التحليلي:
مقال الأستاذ فهمي هويدي "في التقدم بالإسلام":
ومن أمثلة المقال التحليلي مقال بعنوان "في التقدم بالإسلام" الذي كتبه الأستاذ فهمي هويدي بجريدة (الأهرام) ضمن سلسلة مقالاته التي يكتبها حول القضايا الدينية المعاصرة في باب "قضايا وآراء".

وفي بداية مقاله يذهب الكاتب إلى أن أكثر ما يخشاه أن يفوتنا قطار التقدم بينما نحن نتجادل ونتعارك حول التنظير له؛ ومن ثم فهو يستحسن عنوان التقدم بالإسلام الذي حقق الإسلاميون تحت ظلاله في الانتخابات الأردنية فوزًا كبيرًا.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


ويرى أنه يصوغ أرضية ترفع توجس التقدميين من الإسلام، وتضع الإسلاميين أمام مسئولياتهم الحقيقية، ثم يرصد الكاتب العقبات التي تعترض طريق استدعاء الإسلام إلى معركة التقدم، والتي تتمثل في ضرورة الاجتماع على مبدأ التقدم بالإسلام، وفي الجمود الفكري والخلط المخل بين الإسلام والمسلمين، أو بين المبدأ والتاريخ والقراءة الخاطئة للتاريخ والواقع. وينتقل إلى بيان أن جهد التقدم بالإسلام لا يأتي من فراغ؛ وإنما يسنده من الماضي تراث غني بالنصوص الشرعية، ومن الحاضر اجتهادات فقهية تمثل خطى دينية متقدمة، ويستعرض منها في المجال السياسي التعرف على الموقف الفقهي الموروث، والموقف الاجتهادي المعاصر من قضايا متنوعة، وينتهي إلى أن تلك النماذج تدعو إلى التفاؤل وتقريب الشقة بين المتباعدين في سائر مجالات الحياة، وأن الأمر لا يحتاج إلا الإخلاص والتقرير والحسم.

نص المقال:
يقول الأستاذ فهمي تحت عنوان "في التقدم بالإسلام":
أكثر ما نخشاه أن يفوتنا قطار التقدم المنطلق الآن بسرعة الصاروخ؛ بينما نحن نتجادل ونتعارك حول التنظير له، ولا نعرف متى يقدر لنا أن نحسم ذلك الجدل الدائر منذ مطلع القرن الماضي؛ حتى ننصرف إلى تبعات التقدم ومسئولياته.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


ومع ذلك فنحن نضم صوتنا إلى أصوات الذين استحسنوا عنوان "التقدم بالإسلام" الذي أطلقه مؤخرًا العاهل الأردني الملك حسين، إبان المعركة الانتخابية التي حقق الإسلاميون فيها فوزًا مثيرًا للانتباه؛ إذ نحسب أنه من المقطوع به الآن أن أي مشروع للنهضة، للتقدم يقوم على نفي الإسلام أو استبعاده هو جهد محكوم عليه بالفشل والخسران.

بنفس المقدار بنفس المقدار؛ فنحسب أن أي دعوة للإسلام لا تجعل من التقدم هدفًا لها تفقد مشروعيتها؛ فضلًا عن صلاحيتها للاستمرار.

وقليلة- بل نادرة- هي المرات التي أتيح للناس أن يعبروا عن رأيهم في هذا الموضوع من خلال استفتاء نزيه وحر، وربما كانت الانتخابات الأردنية التي جرت في الشهر الماضي من تلك المناسبات النادرة؛ فرغم أنها لم تكن استفتاء على دور الإسلام؛ ولكن حصول الإسلاميين على أربعين في المائة من مقاعد المجلس النيابي الأردني له دلالته البالغة في السياق الذي نحن بصدده الآن.

وقد تعددت التحليلات والتأويلات لنتائج انتخابات الأردن، وذكرت أسباب كثيرة لهذا الفوز الملحوظ، لم يكن بينها أن الناس يلتفون حول الراية الإسلامية، وأن تلك الدائرة تتسع في مختلف أنحاء العالم من الأردن إلى تونس والجزائر،


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


وفي ظل ذلك المنطق لا بديل عن التعامل مع المسار الإسلامي الصاعد، ولا بديل عن محاولة استخلاص أفضل ما في ذلك المسار من عناصر وطاقات، وتوظيفها لصالح التقدم والنهضة والمستقبل الأفضل؛ لهذا يكتسب شعار "التقدم بالإسلام" أهمية قصوى في هذه المرحلة؛ لأنه يجسد بقدر كبير من الدقة طموح الأمة وأمانيها باختلاف منها الدينية والسياسية: أعني أنه يصوغ أرضية مشتركة ترفع توجس التقدميين من الإسلام، وتضع الإسلاميين أمام مسئوليتهم الحقيقية.

إذن هناك عقبات في الطريق، إذا عَنَّ لنا أن نتحرك بشكل جاد في هذا الاتجاه، وهو ما نلحّ عليه منذ سنوات من خلال ما أسميناه باستدعاء الإسلام إلى معركة التقدم؛ فسوف نتبين أن الطريق ليس ممهدًا ولا مفروشًا بالورود؛ وإنما ثمة عقبات ينبغي اجتيازها، والقياسات يتعين تحديدها وتوضيحها أولًا لنبدأ الكلام المفيد في الموضوع:
أولى تلك العقبات: تتمثّل في ضرورة الإجماع على مبدأ التقدم بالإسلام، والإجماع هنا مطلوب من النخبة التي تمثل عقل الأمة ووعيها، سواء تلك التي تشكل مرجعية سياسية حاكمة أولًا، ثم مرجعية ثقافية موجهة بعد ذلك ثانيًا، وربما كان أحد معوقات التقدم عندنا أننا نفتقد إلى ذلك الإجماع حول الموقف الاستراتيجي من قضية التقدم.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


فالتشرذم بالغ مداه، والاختلاف حول الكليات والأصول لا يقل حدة عن الاختلاف في الجزئيات والفروع؛ بحيث إن الجميع وهم يخوضون معركة في أهمية التقدم والمصير، لا تجمعهم جبهة واحدة، إنما يظهرون على الملأ في خنادق متقابلة، وتلك حال لا تبشر بأمل في النصر؛ وإنما هي مؤدية بالجميع إلى هزيمة محققة.

العقبة الثانية: الجمود الفكري، يمثل عقبة ثانية نحن ندين دائمًا بالجمود الفكري على الجانب الإسلامي؛ حتى لم يعد لدينا مزيد كلام نقوله في هذه النقطة، غير أن ثمة جمودًا فكريًّا في الساحة يحتاج إلى علاج، وذلك الذي يصر على اختزال سبل النهضة في برشامة العلمانية، وقد قرأنا لهؤلاء كتابات تعتبر العلمية من الأصول الضامنة للتقدم تحت عناوين مثل: العلمانية فريضة العلم والحرية، وعنوان: العلمانية ضرورة حضارية.

وهو منطق ثبت خطؤه علميًّا وتاريخيًّا فأكثر أقطار العالم العربي محكومة منذ قرن من الزمان بأنظمة علمانية، ولبنان هي الدولة العربية الوحيدة التي نصت في دستورها على العلمنة، ثم إن دول أوربا الشرقية- فضلًا عن الاتحاد السوفيتي- ذهب بعيدًا في التطرف العلماني طوال أربعين عامًا؛ ومع ذلك فالكل يعلم نصيب تلك الدول من الحضارة والحرية والتقدم.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


هي إذن ليست وصفة سحرية للتقدم كما يدعون، إضافة إلى ذلك؛ فموقفها المؤدي إلى إضعاف دور الدين في المجتمع وحصاره في المجرى العبادي بين الإنسان والله فقط؛ هذا الموقف يمثل تعارضًا صريحًا مع المنطوق الإسلامي الذي يقيم نظامًا للحياة ليس فيه مكان لما يسمى بالسلطة الدينية أو التفويض الإلهي؛ حتى ذهب الإمام محمد عبده إلى القول بأن هدم السلطة الدينية هو أحد الأسس التي قامت عليها رسالة الإسلام.

والأمر كذلك؛ فإن فتح الطريق للتقدم بالإسلام يستتبع بالضرورة إخلاءه من شعارات الدعوة العلمانية؛ لأنه- كما قال المستشار طارق البشري بحق-: لا تجتمع علمانية وإسلام إلا بطريق التلفيق، وبطريق صرف أي منهما إلى غير حقيقة معناه.

العقبة الثالثة: تتمثل في ذلك الخلط المخل بين الإسلام والمسلمين، أو بين المبدأ والتاريخ؛ فرسالة الإسلام وكل عقيدة فكرية أو سياسية هي خطاب موجه إلى البشر، الذين فيهم الصالح والطالح والمحسن والمسيء والبر والفاجر، وما يفعله هؤلاء وهؤلاء بتعاليم الرسالة- بناءً أو هدمًا- منسوب إليهم ومحسوب عليهم في البدء والمنتهى؛ بالتالي فإن القضية عند التقييم والعلاج تنتقل من المستوى الفكري والعقدي إلى المستوى الاجتماعي.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


فإذا توافر لدينا مثلًا تراث عريض وحافل بخليط من الأفكار العظيمة والاجتهادات السقيمة، وحدث في زمن من الأزمنة أن تَبَنَّى جماعة من الناس ما هو سقيم وأعرضوا عما هو نافع وجليل؛ ألا يقتضي المنطق في هذه الحالة أن نناقش الظروف الاجتماعية التي دفعت ذلك النفر من الناس إلى الجنوح في هذا الاتجاه دون غيره، هل يجدي أن تصب اللعنات على التراث، وندعو إلى إسقاطه من الوعي والذاكرة- كما قال البعض في المغرب العربي. العقبة الرابعة: القراءة الغلط للتاريخ وللواقع، من قبيل القراءة الخاطئة للتاريخ تعميم الحكم بالإدانة على الحركة الإصلاحية الإسلامية، من جراء عدد محدود من حوادث العنف: ثلاث أو أربع، وقعت قبل ثلاثين عامًا، واعتبرت أخطاء عدل عنها وتم إدانتها؛ نحن نخطئ كثيرًا إذا لم ندرك أن الرؤى تتطور وتنضج من خلال التجارب عبر السنين ومن مصلحة الحاضر، والمستقبل أن يتعاون الجميع على طي صفحات الماضي، خصوصًا تلك التي تم تجاوزها.

من قبيل القراءة الخاطئة للواقع تكثيف الأضواء وتركيز كل الانتباه في مصر مثلًا على حركة الإخوان- الجماعة الأم- وعدد من الجماعات المستجدة، خصوصًا تلك التي تمارس العنف الفكري أو المادي، وهي لا تتجاوز مجموع أصابع اليد الواحدة، يتمثل الخطأ هنا في تجاهل شريحة عريضة من عناصر المدرسة الإصلاحية داعيةً للنهضة والتقدم؛ الذين تجاوزوا تجربة حركة الإخوان، ولم يلتقوا مع الجماعات الإسلامية الجديدة في أي من خطوط تفكيرها؛ وبالتالي فإنه يصعب تصنيفهم في جماعة بذاتها؛


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


لكن حضورهم ملموس في مختلف المجالات الفكرية والاجتهادية، هؤلاء يمثلون جسرًا فاعلًا ومهمًّا في التبشير بمشروع التقدم بالإسلام، وتجاهل وجودهم ودورهم يفترض أن التيار الإسلامي قد أصيب بالعمق، وذلك غير صحيح؛ فضلًا عن أنه يعطل أحد خطوط السير الحثيث باتجاه الهدف الذي نصبو إليه.

ويتابع فهمي هويدي فيقول: اجتهاد جديد: جهد التقدم بالإسلام لا يبدأ من فراغ بطبيعة الحال، وزاده في النصوص المرعية كبير ووفير، والمنصفون من أهل الاختصاص يعرفون كم هو غني، تراث هذه الأمة غني بكنوز تشكل رصيدًا لا ينضب لمشروع النهضة، وهي لا تحتاج لأكثر من إزاحة أكوام الأتربة، وطبقات الصدأ التي تراكمت عليها، فساوت بين غثه وسمينه، وقد اجتمع الاثنان في سلة واحدة وتحت عنوان واحد، لن نتحدث عن موقف النص الشرعي، ولا عن الوجه المشرق في التراث؛ فقد أفاض في ذلك كثيرون ممن سبقوا وأحسنوا.

لكن الذي نودّ أن نلفت إليه الأنظار أن ثمة اجتهادات فقهية معاصرة تمثّل خطى متقدمة إلى حد كبير تجاوزت، ليس فقط مواقف الجماعات الإسلامية ذات الصوت العالي؛ وإنما أيضًا موقف الفقه التقليدي في مختلف مناحي الحياة؛ ولسبب أو لآخر لم تلق تلك الاجتهادات حظها من الذيوع والانتشار على أهميتها البالغة.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


ولا يتسع المقام لاستعراض كل تلك الاتجاهات؛ لكنني سأضرب مثلًا بنماذج منها في المجال السياسي وحده؛ فالموقف الفقهي الموروث منذ العصر العباسي يرى أن الخلافة هي نظام الحكم الذي يقره الإسلام؛ حتى اعتبرها البعض دينًا واجب الاتباع، والموقف الاجتهادي الجديد يرى في الخلافة نظامًا تاريخيًّا لا إلزام فيه، ويذهب إلى أن الإسلام لم يحدد نظامًا معينًا للحكم ولكنه عني بفرض قيم معينة وأوجب اتباعها في ظل أي شكل للحكم يرتضيه الناس، والشورى والعدالة والحرية والمساواة في مقدمة تلك القيم.

والموقف التقليدي يقرر أنه لا حزبية في الإسلام، وأن التعددية السياسية سبيل إلى فرقة منهي عنها شرعًا، والموقف الاجتهادي الجديد يعتبر اختلاف الناس من سنن الله في الكون، وأن التعددية من مقتضى توسيع نطاق الشورى، وأن الاختلاف المنهي عنه هو الذي يقطع أوصال الأمة أو يقسمها؛ أما اختلاف الرؤى السياسية؛ فهو من قبيل التنافس المستحب في الخير العام. والموقف التقليدي يعتبر الشورى من الأمور المستحبة- يعني المندوبات- وأن الحاكم الذي يستشير ليس عليه الالتزام؛ بينما الموقف الاجتهادي الجديد يرى الشورى واجبة ابتداءً ملزمة انتهاءً، وأن الحاكم لا يحل له أن يترك مشاورة الأمة، ولا يحل له بعد أن يعرف رأيها أن يعدل عن الذي انتهى إليه المشيرون.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


وكان من ثوابت الموقف الفقهي التقليدي أن العلاقة بين الدولة الإسلامية وبين مواطنيها من غير المسلمين محكوم بقواعد العقد المعروف تاريخًا بعقد الذمة، والموقف الاجتهادي الحديث يقرر أن المواطنين متساوون بصرف النظر عن دينهم، متساوون في الحقوق والواجبات، إلا ما كان منها ذا صبغة دينية بحتة؛ فيختص به أهل كل دين وفقًا لأحكام دينهم، أما عقد الذمة فقد انتهى بانتهاء أطرافه ومبرراته، وتلحق به مسألة الجزية التي كانت بديلًا عن اشتراك غير المسلمين في الجهاد مع المسلمين.

وأخيرًا؛ فإن الموقف الفقهي التقليدي كان يحدد مجالات عمل المرأة ومسئوليتها، ويعتبر أن مكانها في البيت ودورها محصور في تربية الأولاد، أما الموقف الاجتهادي الجديد؛ فإنه يعتبر أن المرأة كالرجل في العمل العام- السياسي وغير السياسي- وأنه لا تعارض بين قيامها بدورها العام وقيامها بواجباتها الأخرى، وإذا حدث التعارض؛ فإنه يحل بصورة فردية في كل حالة على حدة، وليس طريق حله وضع قواعد مانعة للمرأة من العمل العام.

تلك هي نماذج محدودة في مجال واحد فقط، وهناك اجتهادات أخرى كثيرة على ذلك المستوى في المجالات الأخرى: الجنائية، والاقتصادية، والتربوية... وتلك هي مقدمات مشجعة تدعو إلى التفاؤل بإمكان تقريب الشقة وتحويل الحلم إلى واقع، فقط قرروا، واحسموا الأمر وستجدون جنود هذه الرسالة بغير حصر، وستفاجئون بأن غاية مراد أكثره أن يستشهدوا دونها.


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


ثانيًا: المقال النزالي:

الخصائص الفنية:
المقال النزالي موجود منذ مرحلة مبكرة في الصحف المصرية في العصر الحديث، تمثل المقال النزالي في الملاحاة الصحفية بين الشيخ علي يوسف وإبراهيم المويلحي بسبب المنافسة الصحفية بينهما، وقد كان لقيام الصراع الحزبي والتنافس الأدبي- بجانب الخصومات الشخصية والصراع بين الأجيال- أثر كبير في إذكاء المعارك الأدبية والفكرية والسياسية على صفحات الجرائد، وذيوع المقال النزالي.

ويعنى به: المقال الذي ينازل الكاتب فيه خصيمه في الرأي ومناوئه في عقيدة أو اتجاه، ويصارعه من خلاله بطريقة تدل على قدرته الصحفية ومهارته السياسية ودهائه العقلي. وقد اتجهت المقالات النزالية في الصحف المصرية إلى ثلاثة مجالات: هي السياسة، والأدب، والاجتماع؛ فالسياسة كان النزال فيها قبل الثورة بين الأحزاب السياسية، ولم تقف عند حد نقد مبادئ الحزب المناوئ والتهوين من شأنه؛ وإنما تجاوزت ذلك النقد إلى تجريح الأشخاص القائمين عليه والنيل من أعراضهم.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


وفي ميدان الأدب؛ فقد دارت هذه المعارك بين المحافظين والمجددين، ثم دارت بين المجددين أنفسهم متطرفيهم ومعتدليهم، وقد انتظمت موضوعين مهمين: معركة مفاهيم الثقافة ومعركة مفاهيم الأدب، وكان أبرز أعلامها في معسكر المحافظين: أحمد زكي باشا، والرافعي، وشكيب أرسلان، وفي معسكر المجددين: عباس محمود العقاد، وإبراهيم المازني، وطه حسين، وسلامة موسى.

وفي ميدان الاجتماع؛ فإن أبرز الموضوعات التي كانت مثار الجدال والحوار بين الكتاب: هي قضية حقوق المرأة ودورها في المجتمع، والتي أولتها المجلات العامة العناية مثل: (المجلة الجديدة)، و(الرسالة)، و(الهلال)، وقضية الاشتراكية بين سلامة موسى، وعلي أدهم، وبين عباس محمود العقاد، وأحمد حسن الزيات، ثم قضية رفع الظلم الاجتماعي، أو (من هنا نبدأ) بين خالد محمد خالد، وسلامة موسى، ومحمود شلتوت، وصالح عشماوي، والشيخ محمد الغزالي.

المعارك والخصومات التي تناولها المقال النزالي:
لعل من أهم هذه الخصومات:


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


خصومة بين توفيق الحكيم وطه حسين على صفحات مجلتي (الرسالة) و(الوادي) عام ألف وتسعمائة وأربعة وثلاثين. ومعركة الصفاء والخصام بين توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وزكي مبارك وأحمد حسن الزيات على صفحات مجلة (الرسالة)، عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين.

نموذج للمقال النزالي:
مقال الدكتور زكي مبارك "إلى الأستاذ إبراهيم المازني":
وقد بدأه بسؤال صديقه المازني عن سر التوافق في الإجابة عنه مع الأستاذ العقاد؛ فقد سئل كل منهما عنه- أي عن زكي مبارك- فأجابا معًا بأنه لو أخلى زكي مبارك كتابته من الحديث عن زكي مبارك؛ لكان أحسن مما هو الآن؛ فكأنهما- العقاد والمازني- متفقان على هذا الرأي في شخصية زكي مبارك.

ويذكر الكاتب- وهو زكي مبارك- تعليلًا لذلك؛ يذكر قصة "مستر ديبون" الفرنسية، ثم يذكر أنه لا يخشى من نقد طه حسين والعقاد أبدًا، ولكنه- على سبيل التهكم- يخشى من نقد المازني له.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


ثم يستمر الكاتب في التساؤل حول نقد المازني، وأدب المازني، وكتابة زكي مبارك عن نفسه؛ التي يراها دليلًا على الذاتية والخلود في أدبه، ويعلل لوجود ذلك في أدبه بأداء حق النفس عليه الذي جحده الناس.

نص المقال:
يقول الدكتور زكي مبارك تحت عنوان "إلى الأستاذ إبراهيم المازني":
صديقي حدثتنا مجلة (آخر ساعة) أنك سئلت عني؛ فأجبت: لو أخلى زكي مبارك كتابته من الحديث عن زكي مبارك لكان أحسن ما هو الآن، وبمثل هذا أجاب الأستاذ عباس العقاد حين سألته عني مجلة الاثنين؛ فكيف ثم التوافق بينك وبين صديقك فيما كتبتما عني؟! أو هو من باب توارد الخواطر، ووقوع الحافر على الحافر- كما كان يقال- أم هو موصول بقصة "المسيو ديبون"، ومن "ديبون؟"

قال زكي مبارك: هو رجل فرنسي صنع شرابًا سمّاه باسمه، وأعلن عنه في جميع البقاع، فما تسير في شارع، ولا تدخل قهوة، ولا تركب قطارًا إلا وجدتَ اسمه مسطورًا بأحرف كبيرة تُبهر العيون، ولم يكتفِ بذلك، بل وضع اللوحة المسجوعة بهذا الوضع الطريف "عند ديبون كل بون"، وقد هَالَنِي هذا الإسراف في الإعلان، فسألت صديقًا فرنسيًّا عن السرّ فيه.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


فأجاب: ذلك رجل نفسانيّ يعرف العادة المتّبعة في القهوات الفرنسية، العادة التي تُوجب أن يسألك غلام القهوة عمّا تطلبُ قبل أن تجلس، فتنطق بأكثر الأسماء ورودًا على بالك، وهو "ديبون"، والأمر كذلك فيما يتّصل بحياتي الأدبية؛ فقد قال الدكتور طه حسين: إن أكثر أدب زكي مبارك في الحديث عن زكي مبارك، فلما سُئِل الأستاذ العقاد عنّي وجد هذه العبارة في باله فأجاب، ولما سُئِل الأستاذ المازني عني وجدها في باله فأجاب، وكذلك تُعاد قصة "المسيو ديبون" في القاهرة، باسمي أنا- أي: باسم زكي مبارك- بعد أن سَئِمَها الناس في باريس.

وهنا مشكلة لا أكتمها عنك، وهو الخوف منك- ويوجّه الكلام إلى المازني- ولكن كيف أنا لا أبالي، نقد الدكتور طه حسين إياي؛ لأنني نقدته بمائة مقالة ومقالة، فمن السهل أن يقول الناس: إنه ينتقدني وفي نفسه أشياء، وأنا لا أبالي نقد الأستاذ العقاد إياي؛ لأن بيننا أحقادًا تُنشر في حينٍ، وتُطْوَى في أَحَايِين، الخوف كله من نقدك أنت؛ لأنك صديق حميم، ولن أجد من يتّهمك بالتحامل حتى أطمع في أن يُكَذِّبَ الناس ما تقوله عني، يضاف إلى هذا أنك مسموع الكلمة، وأن الجمهور لا يفطن إلى قدرتك على قلب الحقائق.

وهل أنسى ما صنعت بنفسك وبصديقك العقاد، كانت العيون ترى قبل عشرين سنة أنك طويل جدًّا، وأن العقاد قصير جدًّا؛ فشاء برّك بصديقك أن تزعم أنك القصير، وأنه هو الطويل، وما زلت تُبدي وتعيد حتى آمن الناس بقولك،


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


وظنّوا أنك قِزْم وأن العقاد عملاق، وبنو آدم يصدقون ما يسمعون، وما يقرءون قبل أن يصدقوا ما تحدثهم به العيون والقلوب، من أجل هذا أَنْقُضُ حكمك عليّ، وأرجو أن تكفّ عني شرك، وإن لم تُكْفِفْهُ عن نفسك، فما بي حاجةٌ إلى صديق يسير على طريقة "المسيو ديبون".

وماذا تنكر من حديثي عن نفسي؟ وماذا ينكر صديقك العقاد؟ وماذا ينكر الدكتور طه حسين؟ هل كان أدبك- يا صديقي المازني- إلا دورانًا حول نفسك، وهل كتب الأستاذ العقاد مقالًا أقوى من مقاله الأخير في مجلة "الرسالة" عن الأزمة التي صاولت روحه يوم احتلال العلمين، وهل كتب الدكتور طه حسين أقوى ممّا كتب في الحديث عن طفولته وصِبَاه؛ إن تصوير هموم النفس وما يحيط بها من مخاوف وآمال، هو أدبٌ صحيح جعلته الكتب السماوية من شمائل الأنبياء.

فما العيب في أن يكون الحديث عن النفس من خصائص أدبي، وهل يمكن أن أتعرّف إلى الوجود قبل أن أتعرف إلى نفسي، وهل كانت روائع الأدب في جميع الأمم إلا أحاديث نفسيّة، ما هو سفر أيوب الذي ترجم إلى أكثر اللغات؟ ألم تكن أصالته في التعبير عن المخاوف الروحية، وهل كانت أكثر القصائد الخوالد إلّا إفصاحًا عن عواطف ذاتية.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


قال ديكارت: أنا أفكر، فأنا إذن موجود، ومعنى هذه العبارة: أن الشعور بالنفس هو أساس الشعور بالوجود، لا موجب للمُدَاوَرَة في محاورتك، فأنت لم تنكر عليّ الحديث عن النفس بمدلوله المعروف عند رجال الأدب، ولا كان ما أنكره الدكتور طه، والأستاذ العقاد، وإنما تنكرون الثناء على النفس، وهذا يقع من حين إلى حين، والثناء على النفس يُضايق الناس حين يكون ثناء بالحق، وإلا فمن الذي استطاع أن يُكذّبني حين أثنيت على نفسي، ولكن هل جال في خاطرك أن تبحث عن السرّ في هذه النزعة النفسية؟ هل حاولت إدراك الأسباب للتكبّر الذي أقع فيه كارهًا غير طائع؟

لو أنك فعلت؛ لعرفت أني لا أتكبّر إلا متحدّيًا، والتحدي نزعة طبيعية تطوف بالنفس حين تفكر في دفع الجُحُود والعقوق، وإليك شاهدًا من مقالك بجريدة "البلاغ" في مساء هذا اليوم، في كلامك عن قصة الأدب في العالم أثنيت على رأي المؤلّفَيْن الفاضلين أحمد أمين، وزكي نجيب حين قرّرا أن عمر بن أبي ربيعة لم يقتصر على معشوقة واحدة، وإنما اتّبع الحسن أنَّى كان؛ بخلاف ما كان عليه أمثال قيس، وكثير، وجميل، ثم تحمّست للأمانة الأدبية والتاريخية فقلت: وهذا تفريقٌ سبق إليه العقاد في كتابه "شاعر الغزل"، وقد بسطه بسطًا وافيًا وتوسع في بيانه، لستُ أقول: إن المؤلِّفَيْن الفاضِلَيْن أخذا هذا التفريق عنه، فليس ما يمنع أن يتنبّه إليه، ولكني أقول: إن الأستاذ العقاد سبقهما إليه؛ فمن الإنصاف أن يُذكر له فضلُ السبق ويسجل.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


وهذه حماسة مشكورة، وهي من بعض صفاتك الطيبات، ومن الواجب أن نتلقّاها بالترحيب، ولكن هذه الحماسة نفسها تُقَابَل بالإنكار حين تصدر عني، كأني أقول في الردّ عليك: إن أول من سجل هذا الرأي في كتاب طُبع ثلاث مرات هو المبارك، لا العقاد.

إن كتاب "حب ابن أبي ربيعة وشعره" طبع أول مرة أوائل سنة ألف وتسعمائة وتسع عشرة، وهذا الرأي مدوّن في أول طبعة، فهل تكره أن أُثني على نفسي فأقول: إني سبقت العقاد إلى هذا الرأي بأكثر من ثلاثة وعشرين عامًا،، وما أقول إني كنت في بالك حين سجّلت للعقاد ذلك السبق؛ فمن المحتمل أن يغيب عنك أني أولُ من أصدر كتابًا عن شاعر الغزل، وأن كتابي كان المنار لكل من تحدثوا عن ذلك الشاعر الفنّان، وأنا في الواقع أتعجب من استهانة الباحثين بالأمانة العلمية في هذا العالم؛ فما يمرّ أسبوع بدون مفاجآت غريبة تتمثّل في سرقات جريئة من مؤلفاتي ومقالاتي، وأنا مع هذا أسكت؛ لئلا يقال: إني أُُكثر من الحديث عن نفسي، وإصرارك وإصرار صديقك على أن هذا من عيوبي لن يصدني أبدًا عن النص الصريح: بأن خلائق كثيرة تنتهب آرائي علانية، وتعيش بها عيش السعداء.



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


انتقاد حب الذات، والاهتمام بالسيرة الذاتية:
في مقال زكي مبارك عن المازني: يقول زكي مبارك:
هل تذكر ما قال بعض الناس حين جازيت العقاد قتالًا بقتال، قالوا: إني أثنيت على العقاد من قبل، فكيف أهدم ما بنيت بالأمس، والاعتراض صحيح، ولكن المعترضين غَفَلوا عن أسباب ذلك الثناء، فقد أردت أن أشرح لطلبة السنة التوجيهية عناصر الكتب المقرّرة لمسابقة الأدب العربي، وعند ذلك تذكرت أني مدرس أُعَلّم التلاميذ، ومن واجب المدرس أن يُنَزّه أحكامه عن الأهواء، أثني على نفسي فأقول: إن تلك الدراسات نفعت المتسابقين أجزل النفع.

وقد شكا الدكتور عبد الوهاب عزام، والأستاذ إبراهيم مصطفى من تأثير تلك الدراسات في عقول الطلاب، وقال في دعابة: إنهما سَيَرْجُوان وزير المعارف أن يشير بألا تُعاد تلك الدراسات في "مجلة الرسالة" بعد أن ظهر أنها تُكَثّر من عدد الفائزين، بهذا الصدق في الأحكام أنصفت نحو عشرين باحثًا من رجال هذا الجيل، وفيهم خصوم أَلِدَّاء يُشرقون بريقهم حين يسمعون اسمي، فأين من يملك من الصدق بعض الذي أَمْلُك؟



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


المازني وحده يستطيع أن يجازيني صدقًا بصدق؛ فقد وقف بجانبي وقفة كريمة يوم قال الدكتور طه على صفحات الرسالة: إن كتاب النثر الفنّي كتاب من الكتب أخرجه كاتب من الكتّاب، ولكن هل يستطيع الأستاذ المازني أن يُنْصِف خصومه كما أنصف أعدائي؟

لقد يئست من إنصاف الناس، فكيف لا أنصف نفسي في كتاب "ملامح المجتمع العراقي" ثناء على الأستاذ المازني، والأستاذ الزيات، فهل قدّمت نسخة من هذا الكتاب إلى أحد هذين الرجلين؟ عزّ عليه أن أظهر بمظهر من يَمُنّ على الصديق، واستغنيت عن تقريظ الرسالة، وتقريظ البلاغ؛ اكتفاء بما أثنيت به على نفسي في مقدمة الكتاب، وأعجب العجب أنني أهديت كتابي إلى رجل لا ينتظر منّي أيَّ معروف، ولا أنتظر منه أي جزاء؛ ليكون في عملي شيء لوجه الله تعالى، ولوجه الوطنيّة، وهو رجل سبقنا جميعًا إلى التشرّف بخدمة العلم في العراق، ولم يحفظ له مواطنوه بعضَ ما حَفِظَ له العراقيون.

وأنا بعد هذا أسأل: من يؤذيهم ثنائي على نفسي؟ أسألهم متى يجاهدون في الأدب كما أجاهد؟ ومتى يعانون في سبيل الأدب ما أعاني؟ أين الزميل الذي يقول: إنه أحرص منّي على الوفاء بحقوق القلم البليغ؟ وأين الشخص الذي يملك الزعم بأنه نفعني؟ ومن هو المخلوق الذي يتوهّم أن له دَيْنًا في عنقي؟


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي


ومن هو الروح الطاهر الذي يطمع في السيطرة على شيطانية روحي؟ كانت الغاية عندي أن أقيم الدليل على أن لوطني وجوديّة تحميه من الأباطيل، وكانت حياتي شاهدًا على صحّة ما ابتغيت، فما استطاعت قوة أن تهدمني، ولا جاز في وهم مخلوق أن يراني من أتباعه، ولو كان أعظم العظماء.

أنا أخاطب رجلًا هو الأستاذ المازني، أخاطب رجلًا يسرّه أن يعلم: أني أسيطر على شَآبِيبَ من الدّواهي المواحق، وسأصبّها على أعدائي حين أشاء؛ إن أدبي من صنع الله، وثقة الجمهور بأدبي من فضل الله، ولن أرتاب لحظة في أني أول كاتب، وأول مؤلف، وأول شاعر في هذا الزمان، هاتوا برهانكم يا خصومي إن كنتم صادقين، هاتوا برهانكم، هاتوه إن استطعتم الاعتصام بخيوط الأحلام.

أنا أثني على نفسي؛ وذلك لأني أسهر الليل في مسامرة قلمي، ولأني أومن بأن الاعتماد على الماضي هو ثروة السفهاء من الوارثين، سنلتقي غدًا وبعد غدٍ، وسيكون صرير الأقلام أخطر من قَعْقَعَةِ السيوف وإلى اللقاء، ولعله قريب.


٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي



٣.١٤ المقال التحليلي والنزالي