٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


الخصائص الفنية:

يقترب فنّ اليوميات من روح فنّ العمود الصحفيّ؛ من حيث التعبير عن خوالج النفس وروح المذهب الذي يعتنقه الكاتب، وعن نظرته إلى الحياة. وفي فنّ اليوميات تبدو ذاتية الكاتب في معالجة الموضوعات المختلفة، ونقد الظواهر السلبية في تناول أشبه بحديث السمر، وحرية تستند إلى منطق نفسيٍّ في ترابط أجزائه لا إلى منطق عقليٍّ صارم.

ولعله أقرب إلى مقالات الاعتراف بصفة خاصة؛ حيث تقدم صور نابضة بالحياة، زاخرة بالمعاني، وهي تتطلب سيطرة تامة على اللغة والتعبير، وذلك بالأسلوب السهل الممتنع. ومن الواضح أن فن اليوميات ليس من الانتشار والازدهار الآن على هذا النحو الذي لمسناه في كثرة الأعمدة الصحفية وتعدد كتابها وتنوع ألوانها؛ ويرجع سبب ذلك إلى عاملين: الأول: أن فن العمود الصحفي صار يؤدي جميع وظائف اليوميات؛ بالإضافة إلى تميزه بصغر المساحة التي يشغلها من الصحيفة.

والثاني: تراجع صحافة الرأي وغلبة صحافة الخبر على الصحافة المعاصرة. وفي مقدمة هذا اللون من المقالة الصحفية "يوميات الأخبار" التي ما زال يتوارد على كتابها جيل بعد جيل من أعلام الصحافة والثقافة والفكر.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


نموذج لليوميات الصحفية:
مقال نبيل زكي "مع الشرقاوي":
ومن هذه اليوميات تلك اليومية التي خصصها الأستاذ نبيل زكي للحديث عن الكاتب والشاعر المسرحي عبد الرحمن الشرقاوي، وفي بداية الحديث يتذكر الكاتب نبيل زكي قصة لقائه بعبد الرحمن الشرقاوي، وذلك في الخمسينات بعد تأليفه قصيدة "من أبٍ مصري إلى الرئيس ترومان".

وبتوالي الحديث عن الذكريات في موقف الشرقاوي من قرارات لجنة النظام التابعة للاتحاد الاشتراكي، بفصل عشرات الصحفيين من عملهم، وحديث الكاتب معه عن ملحمة الحسين ثائرًا وشهيدًا، والذي استغرق معظم حديث اليوميات، وينتهي إلى ما ذكر بما يعرفه عن الشرقاوي من حب العدالة والحقيقة والقيم الفاضلة.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


نص المقال:
أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي التقيت فيه مع عبد الرحمن الشرقاوي في بداية الخمسينات، كانت قصيدته: "من أبٍ مصريّ إلى الرئيس ترومان" تدوي في الآذان، وكنا نردد معه قوله في خاتمة القصيدة:
فإن تملك الذرة المفنيهْ   *   فإنا لنمتلك التضحيهْ
ونمتلك الذرة البانيهْ ونملك طاقاتنا كلها   *   ونملك أيامنا الباقيهْ
وتاريخ أجيالنا آتيهْ

وفي نهاية ذلك اللقاء الأول صافحني بحرارة وهو يقول: لا بد أن نلتقي مرة أخرى. وكانت تلك هي عادته مع كل صديقٍ جديدٍ يتعرف به. وأذكر أنني في سنوات حالكة وحملات الاعتقال على قدم وساق؛ أذكر قصيدته الرقيقة "عزة والرفاق" التي قرأتها لأول مرة في مجلة الثقافة الوطنية اللبنانية، وإلى جانبها صورة الشرقاوي وهو يرتدي معطفه، ويسير على الطريق بقامته المديدة؛ وكأنه يشعر- رغم الصقيع- بدفء داخلي عظيم، ويدعونا لكي نسير معه، ونضع أيدينا في يده، فيشد عليها ويقول في حنان: لا تهنوا ولا تحزنوا.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


أذكر جيدًا تلك الصورة التي أحببنها للشرقاوي وهو يتطلع للأمام؛ وتبدو نظراته- حتى من وراء نظارته السميكة- مليئة بالعناد والإصرار والتحدي والكبرياء، كم كان يحب الكبرياء. وعندما سافرنا معًا إلى "هافانا" في نهاية عام ألفٍ وتسعمائةٍ وسبعةٍ وستين؛ شعر بسرور غامض عندما قلت له: إنني حصلت على نص أغنية "جوانتا ناميرا"، التي كتبها كقصيدة بطل تحرير أمريكا اللاتينية "خوزيه مارتي"، وسألني: ماذا ستفعل بها؟ قلت: سأترجمها وأنشرها. وكان سعيدًا عندما طلبت منه مراجعة صياغتها من ناحية البناء الشعري، وأخذنا نردد معًا باللغة الإسبانية مطلع الأغنية:
يا فتيات "جوانتانامو"، يا فلاحات "جوانتانامو"، إنني رجل مخلص، جئت من أرض النخيل.

ولاحظت أنه توقف قليلًا عند هذه الكلمات:
مجرًى صغير من المياه، في الجبل قد يهزني أكثر مما يفعل البحر. كان ثائرًا للغاية ضد قرارات لجنة النظام التابعة للاتحاد الاشتراكي، التي صدرت في ٤ فبراير عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين بفصل عشرات الصحفيين من عملهم، ورغم أنه تحدث معي طويلًا في مكتبه بمجلة "روز اليوسف" حول هذه المسألة؛ إلا أنه أصر على أن نلتقي في المساء؛ حيث كنت أجلس معه في معظم الأحيان وسائر الأصدقاء في النادي الثقافي.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


كنا معًا، الصديق عبد المجيد أبو زيد وكيل أول وزارة الثقافة، وعضو اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي والأمن العام، في ذلك الوقت، وأيضًا أديب "ديمتري" من كبار رجال التربية والتعليم، وقال لنا عبد الرحمن الشرقاوي: لا أجد أمامي سوى حلٍّ واحدٍ هو أن أقدم استقالتي من عملي كرئيس لمجلس إدارة "روز اليوسف".

وكانت وجهة نظرنا- نحن أصدقاءه- أن يبقى في موقعه، وأن يطلب بإلحاحٍ بإعادة جميع الصحفيين والكتاب المفصولين، ووافق على مضض، وقد شعرت في تلك اللحظة- أكثر من أي وقت مضى- أن المناصب تشكل بالنسبة له عبئًا ثقيلًا ومرفوضًا، وأن الخيط الوحيد الذي يربطه بتلك المناصب هو إصرار أصدقائه الذين يثق بهم على أن يبقى ويجاهد. وكم تركناه يصارع وحيدًا في مواجهة قوى ضارية وعاتية، وعناصر مستفزة تدعوه إلى الجمود والتخلف.

ويتابع الأستاذ نبيل زكي قائلاً: عندما تحدثنا لساعات طويلة مع الشرقاوي في يوليو عام ألفٍ وتسعمائةٍ وتسعةٍ وستين؛ كانت ملحمة الحسين التي كتبها تشغل كل تفكيري، بعد أن قرأت "الحسين ثائرًا" و"الحسين شهيدًا" وأصبحت مأخوذًا بهما، وسألته- والسؤال من نبيل زكي إلى الشرقاوي- عن التوقيت الذي بدأ يشغله فيه موضوع الحسين،


٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


وقال لي: منذ سبع أو ثماني سنوات تقريبًا شعرت بالحاجة إلى هذا النموذج شيئًا فشيئًا؛ ولكن حقيقةً بعد الخامس من يونيو وجدت نفسي لا أستطيع إلا أن أتفرغ تمامًا لهذا العمل وأعطيه كل وقتي، ووجدته يستولي على أعصابي، وسافرت إلى العراق، وعشت أحزان الناس في كربلاء؛ لأنهم تركوا الحسين يموت، وأحسست بهذا الندم؛ وكأني به ذلك الندم العام الذي ساد بعد خمسة يونيو؛ لأننا تركنا أرضنا تنتهك.

وقد اختار الشرقاوي شخصية الحسين في فترة الشعور الملح بالحاجة إلى نموذج الإنسان الذي يضحي بالحياة لقيمة أغلى عليه من الحياة؛ ولتأكيد أن هناك قيمًا تصون الحياة وتستحق أن نضحي في سبيلها.

وقال لي الشرقاوي: ثمة فراغ في عصرنا يحتاج إلى استعادة النماذج الإنسانية العظمى في التاريخ الإنساني بأسره، يحتاج إلى الرجل الذي يعطي كل هذا، ويجاهد إلى حد الموت في سبيل ما يؤمن به؛ حتى ليرفض أن يكون التنازل هو ثمن حياته أو نجاحه، والحسين نموذج من تراثنا وأرضنا، والتعريف به يملأ نفوسنا بثقة أكبر.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


كنت أتطلع بشغف إلى أحاديث الشرقاوي عن الحسين، وقال لي في إحدى الأمسيات: الحسين ظهر في عصر غريب ومختلط، ومناقض للقيم التي كان يحملها الحسين، ويصونها قليل جدًّا من معاصريه، كانت القيم الثورية تصطدم بنظرية جديدة ودخيلة: هي ضرورات سياسة الملك، وهي نظرية تقوم على اصطناع الأنصار وتأليف القلوب بالمال، وعلى أن تتحول الإمامة أو الخلافة إلى ملك.

هذا الملك الذي أسماه الصالحون من ذلك الزمان هرقلية أو قيصرية: أي أن يتحول شكل الدولة البسيط القائم على الشورى الكاملة والعدالة المطلقة وتكافؤ الفرص، إلى نظام ملكي مدعم بنظام الإمبراطورية الرومانية.

وكان المطلوب من الناس أن يتحولوا من ثوار إلى رجال دولة، وتحول بعضهم بالفعل من فقهاء مصلحين إلى رجال دولة يجمعون المال، ويملكون القطائع ويستغلون سواهم، ويقيمون نظام حياتهم؛ ويخلقون مستوى أفضل بهذه الحياة عن طريق استنزاف حقوق الآخرين وتعبهم وثمرات عملهم، وهذا كله يناقض ما آمنوا به من مبادئ وعقائد وما ورثوه من شريعة، وفي مثل هذه الدولة يحتد الصراع بين الأغنياء الجدد وبين الثوار، بين أصحاب المصالح وأصحاب المبادئ.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


وقد تمثل هذا الصراع في الدولة الأموية بين زعماء هذه الدولة- وكلهم دعاة ملك ونظام- وبين ورثة القيم الإسلامية والمبادئ العليا، وعلى رأسهم الحسين بن علي. ويرى الشرقاوي أنه كان من الطبيعي أن يعكس هذا الصراع تلك الحركة التي تكاد تكون خالدة بين المبدأ والمصالح، وهي المعركة التي يصطدم فيها الصدق بالكذب، والحقيقة بالزيف، والشجاعة بالنفاق، والإيمان بالطمع، والارتفاع عن الدنيا بالتهافت على المباذل، وهي معركة تجسم كافة القيم المتصارعة في مثل ذلك المجتمع؛ حيث تعاني القيم الفاضلة محنة قاسية.

وهذه القيم- فيما يرى الشرقاوي- تحتاج إلى نماذج عظيمة وفدائيين عظام، وقد كان الحسين في صراعه ذاك هو أحد النماذج الشامخة والخالدة؛ وقد ظهر عندما اشتدت الحاجة إليه ليعيد للإنسان ثقته حتى بالحياة نفسها؛ دفاعًا عما يؤمنون به.

وقد وقع اختيار الشرقاوي على المسرحية الشعرية- باعتبارها الشكل الفني- لتقديم ملحمة الحسين لماذا؟ قال: اخترت هذا الشكل الفني؛ لأن ما أردت أن أقوله من اختياري لواقع ثورة الحسين واستشهاده، لم يكن في إمكاني أن أعبر عنه بأدق من هذا الشكل المسرحي؛ ذلك أن المسرحية الشعرية تكثيف وتركيز وتجسيد، وهذا كله يغذي فاعلية الكلمة عندما يكون إطارها هو المسرح، والشعر أقدر على استيعاب الشحنات العاطفية والشحنات الانفعالية التي يحتويها موقف الحسين.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


وهنا يقول الشرقاوي: في الحق- ولكي أكون دقيقًا تمامًا- أني لم أختر هذا الشكل بقدر ما وجدته ملتحمًا مع الموضوع. أي: بقدر ما فرض نفسه على قلمي، ومنذ فكرت في الكتابة عن الحسين وأنا أفكر في الكتابة عنه في إطار المسرح الشعري.

ومأساة الحسين بكل أبعادها منذ انتقلت من ذمة التاريخ إلى وجدان الجماهير، أي: منذ بدأ الناس في كربلاء وغيرها من البلاد المجاورة، يبكون الحسين في مشاهد تمثيلية تشخص خروجه ونضاله واستشهاده، ومنذ بدأ الندم العظيم يخالج هذه المشاهد ويندبها بالدموع، ومنذ بدأ إيقاع الألم على استشهاد الحسين ينبض من قرع الصدور واللطم على القلوب والخدود والرءوس- منذ بدأ هذا كله؛ بدأت في أدبنا العربي التراجيديا الإسلامية، تراجيديا صاغتها الأحزان وألفها خيال النادبين التائبين، واشتركت فيها الكلمات والصرخات والأنغام الفاجعة على موسيقى الأنين البشري، وهذا كله ما هو إلا تكوين فني ضخم، ظل ينتظر الفنانين الذين يقدمونه في مسرحيات ولوحات وأعمال فنية مختلفة.

ويتابع الأستاذ نبيل زكي عن "الشرقاوي" فيقول:
ويشرح لي الشرقاوي كيف أقترب من الموضوع في وجل، وفي ذهنه أن المأساة كلها تصلح مسرحًا ملحميًّا أو تراجيديا قومية لها خصائصها التي تتميز بها عن التراجيديا الإغريقية؛


٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


ولكنه بعد الخامس من يونيو عام ألفٍ وتسعمائة وسبعة وستين وجد نفسه يعالج الموضوع ويكتبه دون أن يفكر في الشكل الملحمي أو التراجيدي.
وكان الشرقاوي يدعو الشعراء والكتاب والفنانين إلى الاقتراب من هذا الحدث الضخم، بكل ما يملكون من شجاعة فنية وجسارة، ويقول: إنه في مجال المسرح بالذات سيجد المخرجون والكتاب من مأساة الحسين منبعًا لا ينضب لعشرات- بل لمئات- تراجيديات والمسرحيات الملحميات؛ فالمشاهد التمثيلية الشعبية التي يقدمونها في كربلاء وفي كل بلد ما زال الناس فيه يندبون على ما حدث للحسين، أو على موقفهم مما حدث للحسين، في جميع هذه البلاد يقدمون مشاهد تمثيلية منذ الأول من محرم حتى العاشر، وهي تروي تفاصيل كاملة لكل ما حدث منذ خروج الحسين حتى استشهد، وفيها عرض لما حدث للشخصيات التي خرجت معه من أهله وأصحابه، وكل شخصية تصلح لأن تكون محورًا لمسرحية، وكل موقف واحد يصلح لأن يكون مسرحية بكاملها. وهذه الوقائع جميعًا أضافت عليها الأحزان الشعبية- جيلًا بعد جيل- روعة خارقة وملهمة.

شخصيتان مهمتان ظللت أعيش معهما بعد قراءة ملحمة الحسين للشرقاوي هما مسلم بن عقيل والمختار الثقفي، وكان لا بد أن يجري الحديث بيني وبين الشرقاوي عن هذين النموذجين، قال لي- خلال حوار ممتع: مسلم بن عقيل واحد من ضحايا الصراع التراجيدي في المسرحية؛ لأنه يُشنَق من فضائله؛ فقد كان أعداؤه في قبضته، وكان يستطيع أن يصل بأمر المبايعة للحسين إلى مداه،


٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


وكان من الممكن أن يفعل ما يشاء بوالي البصرة والكوفة زياد ابن أبيه، وكان بيت المال في متناول يده وهو مفلس، وأعوانه في حاجة إلى مال وسلاح؛ ولكنه رفض أن يصنع من هذا كله؛ تمسكًا بمبادئ الفتوة وبفضائل خاصة آمن بها.

ويقول الشرقاوي: إن تراجيديا التاريخ الإسلامي في تلك الفترة جسدت مأساة اقتناص الإنسان الفاضل من مزاياه كما حدث للحسين من قبل، وكانت تلك المزية هي مفتاح شخصية مسلم، وقد عرفها أعداؤه فتغلبوا عليه بها؛ حتى استردوا من تحت أقدامه كل ما كسب من أرض؛ وبعد أن كانوا محاصرين فك هو حصارهم ليسجنوه وليقتلوه.

ويقول الشرقاوي: إن المختار الثقفي نموذج آخر؛ فهو يشحذ يقظته في الحياة على سوء الظن بأعدائه، وكان يرى أنه لو أخطأ في سوء ظنه؛ يحاكم، فلن يضر إلا هذا الحاكم إن ظهر أنه طيب، أما إذا أحسن الظن به، وتبين أنه سيئ؛ فقد يضر الأمة كلها.

والمختار لم ينخدع بابن زياد عندما حوصر وبعث يستعطف، وحاول المختار أن يقنع مسلم بن عقيل باستمرار حصاره؛ ولكن مسلم رفض ودفعت الأمة كلها الثمن، ودفع مسلم رأسه ثمنًا لهذا الخطأ.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


وفي حرص المختار ويقظته استطاع أكثر من مرة- كما يقول الشرقاوي- أن يؤلب الناس على ابن زياد، وأن يمهد الأرض لثورة عارمة، انتقمت من قاتل الحسين بعد مقتله بنحو أربع سنوات، وجعلت استشهاد الحسين نفسه راية لكفاح في سبيل العدالة، والحقيقة والقيم الفاضلة، وحولت هذه الفاجعة إلى كسب للمبادئ التي استشهد من أجلها الحسين.

وكم كان الشرقاوي يحب العدالة والحقيقة والقيم الفاضلة؛ ولذلك أصبحنا نعرف جيدًا أسماء محمد أبو سويلم وعبد الهادي والشيخ حسونة ووصيفة في صراعهم من أجل الأرض.

في سنواته المبكرة ترجم الشرقاوي قصيدة الحرية، التي كتبها الشاعر الفرنسي "وول"، والتي هزت العالم في وقت من الأوقات بكلماتها الملتهبة:
أيتها الحرية، لقد ولدت لكي أهتف باسمك. وكم كان الشرقاوي يتعلق بحب الحرية طوال حياته؛ ولكن المأساة أننا نحن الذين يموت أفضلنا ليحيا الآخرون بلا دموع؛ فمتى- يا عبد الرحمن- يغرد القلب الحزين، وتعبر الأنغام أسوار السجون، ومتى يتحقق ما وعدتنا به ويقبل الزمن السعيد، وتملأ الضحكات أرجاء الحياة.


٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


ثانيًا: المقال الكاريكاتيري:

الخصائص الفنية:
ونعني به التعبير بالكتابة في نقد الظواهر السلبية، وتصوير النماذج الاجتماعية في الحياة وتقديمها في قالب هزلي ساخر، وليس التعبير بالرسم- كما يتبادر إلى الذهن- على النحو الشائع في صحف اليوم.

ويعد شيخ البيان العربي "أبو عثمان: الجاحظ" أول كاتب عربي يعالج فن الكاريكاتير بصوره القلمية الرائعة التي رسمها لبعض الشخصيات والنماذج البشرية في كتبه. ويستعين الكاتب بالمبالغة والتجسيم والدعابة والسخرية، وذلك في تصوير نموذجه؛ ويستهدف في ذلك جميع القراء عن طريق الوسيلة والغاية التي يعرضها، أو يعرض فيها ذلك المقال الكاريكاتيري، ويقصد من وراء ذلك إلى النقد الهادف بجانب ما يبغيه الكاتب من التسلية والمتعة بكتاباته، وقد نبغ فيه في العصر الحاضر كتاب كثيرون نذكر منهم- على سبيل المثال: عبد العزيز البشري في أحاديثه بصحيفة (السياسة): "في المرآة"، وإبراهيم عبد القادر المازني في مقالات "قبض الريح"، وأخيرًا محمود السعدني في مقاله الأسبوعي بجريدة (أخبار اليوم).



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


نموذج للمقال الكاريكاتيري:
مقال عبد العزيز البشري في تصوير البخيل:
والصورة الكاريكاتيرية التي يقدمها لنا هذا اللون من المقال، هي صورة البخيل التي يرسمها الشيخ عبد العزيز البشري أحد أساتذة الفن التصويري الساخر في العصر الحديث، وهو يمهد بتصويره بقول الجاحظ عن المبخل.

ثم يتقدم خطوة توقفنا على ذلك الطراز الفريد من البخلاء الذي يصوره: وهي أن البخيل يقتر على نفسه وعلى ولده معًا؛ لكن ذلك النوع الغريب من البخل الذي وقع عليه: هو ذلك الصاحب الذي رزق الغنى والعيلة، وكان حريصًا على المال طامعًا فيه يتعقب سنة البخلاء في كل شيء، إلا أنه يخالفهم في أن تقتيره موجه إلى عياله وحدهم.

ويأخذ البشري في رسم لوحات متقابلة لجوانب قصة ذلك البخيل، وهي تقوم على تحقيق رغباته في الحياة خاصة شهوة الطعام، وتقتيره على أولاده ملبسًا وسفرًا وطعامًا، ثم لا ينسى أن يصل بنا إلى موقف الأولاد من مال أبيهم عند الوفاة؛ فقد تصارعوا إلى انتهاب كل ما في البيت دون تريث أو انتظار.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


نص المقال:
يقول الشيخ عبد العزيز البشريّ تحت عنوان: "في البخل":
قرأت كتاب (البخلاء) للإمام الجاحظ أكثر من مرة، ومما وقع لي فيه أنه ما من رجل مبخل إلا يحتاج للشح والتوفر على الجميع، بالضن بالولد على الفقر، وترك جميع ما يتعلق به، ليبتذل في طلب القوت، ولقد دمغ الجاحظ احتجاجهم هذا بحجة رائعة، وتلك أن الخصيان- الذين هم الأغوال- جميعًا يشيع فيهم الشح وتغلب عليهم شهوة الجمع والادخار، والضن على النفس بالدانق والسحتوت.

وليس لأحد منهم ولد، ولا يمكن أن يكون لهم ولد؛ فلمن يكنز الأموال، ولمن يضيق على نفسه في حياته ليوسع عليهم ويرفه عنهم بعد مماته، والواقع أن شهوة الحرص وجمع المال هي في نفسها عند البخيل لذة لا يكاد يعدلها شيء من لذائذ الحياة، هي في نفسها لذة غير موصولة بعلة ولا ممدودة بسبب؛ لأن الإنسان إنما يحب ولده لأنه يحب نفسه، وولده بعض نفسه، ولا يعقل أن يؤثر الفرع على الأصل، أو يرجح البعض على الكل.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


ويتابع عبد العزيز البشري في مقاله عن البخيل، فيقول:
والبخيل يقتر على نفسه وعلى ولده معًا، وقد يكون عنده من جليل الأموال ما إن وسع منها على نفسه وعلى عياله معًا؛ لبقي منها بعد موته ما يضمن لهم العيش في السعة والتقلب في النعمة؛ ومع ذلك فإنه لا يفهم؛ بل تراه يتعمد الحرمان لنفسه ولأولاده، ويثبت لحقدهم عليه وتعجلهم لأجله؛ ليستمتعوا بالنعمة إذا هو اندس التراب وأضحى في التراب مدفونًا.

على أنني وقعت على لون من البخل؛ لعلك كنت تراه غريبًا وأحسبك الآن تراه غير غريب؛ فلقد جرت سنة البخلاء على أن يقتروا على أنفسهم وعلى عيالهم معًا، فإذا كان لولد أحدهم شيء من السطوة عليه؛ استخرج منه الأموال؛ فأخرجها له مرغمًا مغلوبًا لا إيثارًا للولد، وبقي هو في شحه على نفسه؛ ارتكابًا لأخف الضررين من توسيعه على النفس وعلى الولد معًا.

أما النوع الذي وقعت عليه من البخل وتحسبه غير مألوف؛ فلقد كان لي صاحب عَلَت به السن ورزق الضدين: الغنى، والعيلة؛ فقد اجتمع له من زوجاته الثلاث ما لا يقل عن اثني عشر ولدًا، ولا بد له- رضي أو كره- بأن يحملهم، وكان –رحمه الله- رجلًا شديد الحرص عظيم الطمع يجمع الدانق على الدانق، ويرص المليم على المليم،


٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


ولا يكاد كيسه يتفصد إلا في بناء دار أو شراء ضيعة، ولكنه كان يخالف سنة البخلاء في خلة واحدة؛ ذلك بأنهم- كما تعرف- يقترون على أولادهم وعلى أنفسهم معًا؛ ولكن هذا إنما كان تقتيره موجهًا على عياله وحدهم.

أما نفسه؛ فكان لا يحقن فيها شهوة، وبخاصة شهوة الطعام؛ بل لقد كان يبلغها من هذا غاية مناها، وكان –رحمه الله- إذا سافر ركب القطار في الدرجة الأولى؛ أما أولاده فيشحنهم في "الترسو" أو ما دون "الترسو" لو كان لهم دون ذلك، وإذا لبس فمن تفصيل "دليا" أو "فستا" أما بنوه؛ فعليهم أرخص القماش وعلى أمهاتهم التفصيل، وإذا نام؛ افترش الحرير وتوسد ريش النعام، وأما البنون ففي الكليم متسع للجميع. أما الطعام- وما أدراك ما الطعام- فالخبز أولًا يصنع في البيت كل أسبوع، على أن ينقّى من الطحين إلا النخالة وسائره للعجين، وأما الإدام فهيهات للحم أن يزور داره العامرة، فلقد أخذ ينبه في هذا الموضع بالورع، وجلى عليهم الحكمة في الحديث الشريف: (نعم الإدام الخل)؛ فالغداء الكوامخ السلطات أشكالًا وألوانًا، ولأم الفلافل وأخواتها من الخوان المقام الكريم.

أما العشاء فله فيه صنع بديع: يدخل وقت العشاء؛ فإذا صاحبنا قد سلف وأعد بعدد الأولاد ملاليم، فإذا اجتمعوا إليه مستشرفين لعشائهم؛ قال لهم: "اللي ياخد مليم ما يتعشاش، واللي يتعشى ما يا خدش مليم".


٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


ويندفع أحدهم فيقول: أنا. وعلى حكم غريزة التقليد في الغلمان يسرعون جميعًا، فيتصايحون: أنا... أنا... أنا... أنا... فيدفع إلى كل منهم مليمه، وكفاه الله مؤنة العشاء: أعني عشاء الأطفال.

وبعد؛ ففي الفطور له قصة أخرى: ذلك بأنه زعم للزيات القائم على رأس الشارع أن لديه حَمَلًا يربيه، ويحب أن يسمنه ويجزل لحمه وشحمه، ويصلح لذلك ويسرع فيه أفضل شيء؛ لكي يزداد لحمه وشحمه، أفضل شيء هي خلاصة تصافي قدر الفول يطعمها في الصباح؛ فيحتفظ له الرجل بخلاصة قدر العصر، ويبعث إليه بها في الصباح الباكر، والأولاد بعد نيام؛ فيفرغها في صحفة كبيرة، ويعالجها بقدر من الخل، ويصفف حولها كِسَر الخبز التي أفضلها الأولاد في غداء أمسهم؛ حتى إذا هبوا من النوم وأحشاؤهم تتنزى من شدة الجوع تواثبوا إلى الطعام؛ صاح فيهم: اللي عاوز يفطر يجيب المليم. فلا يسع كلًّا منهم إلا أن يطرحه إليه- أي: يطرح المليم إليه- مواتاة لإلحاح البطن وجوعانها، وإيثارًا للعافية؛ فسرعان ما تعود تلك الملاليم إلى عشها، وتعتصم بوكرها.

أما هو نفسه؛ فإنه يخرج في الصباح من داره على الطوى والجوع، فيميل في طريقه إلى الديوان على دكان لبان؛ فيصيب فيه ما شاء له أن يصيب من الحليب أو القشطة أو الزبادي، وقد يميل إلى حلواني؛


٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


فيصيب عنده ما شاء له أن يصيب من لبن وشاء وفطائر مدحوة وأخرى بالفستق والزبيب محشوة... إلى آخره... إلى آخره...
فإذا فرغ من عمله في الديوان؛ عرج إلى الدار على الحاتي، أو على غيره من المطاعم الفاخرة؛ فأوصى وتخير وتبسط على الطعام؛ حتى إذا سد شهوته وكظ لهوته؛ انكفأ إلى البيت راضيًا هادئًا.

أما العشاء؛ فإنه يصيبه في البيت قبل أن يتدلى إلى السهرة، وذلك أن يبعث الخادم- في سر من بنيه- فيأتيه بقدر كفايته من خفيف الطعام وفاخره، ولا ينسى أن يأتي معه بنصف أُقة عنب، أو بزوعة شقة بطيخ، أو ثلاث كمثريات أو غير ذلك من فاكهة الأوان؛ حتى إذا دسها له في غرفته الخاصة؛ قام إلى الباب فأحكم رتاجه، وجلس مطمئنًا إلى العشاء.

ومن أظرف ما يذكر هنا أن الأولاد- وبخاصة صغارهم- كانوا يرتصدون لهذه الساعة، حتى إذا اجتمع أبوهم للعشاء؛ تواثبوا إلى الباب ليتفرجوا عليه من الثقب، فترى هذا يتوسل إلى أخيه أن يخلي بينه وبين الثقب، وهذا تراه يثب وثبًا ويدفع صاحب النوبة دفعًا، وكانت تكون جلبة وصياح وعويل والأب ممعن في طعامه لا يعنى بأن يسأل عما وراء الباب.



٢.١٤ اليوميات الصحفية والمقال الكاريكاتيري


وفي يوم موته –رحمه الله- لم ينتظر هؤلاء الأولاد حتى يقسموا التركة، ويهتدوا إلى اسم المصرف الذي يكنز فيه المرحوم ماله؛ بل لقد كنت ترى أحدهم يهرول في الطريق وعلى رأسه شباك، والثاني وعلى كتفه مصراع باب، والثالث يحمل بين يديه الطست، والرابع يحمل مقطفًا مليئًا بالصنابير والحنفيات... وهكذا، فهل هذا أيضًا كان يجمع للولد ليعصمهم من الفقر ويكف عنهم عادية الدهر؟ هذا شيء مستحيل.