٤.١٤ المقال النقدي


المقال النقدي وقوالب الأداء الصحفي في هذه الأنواع للمقال الصحفي

الخصائص الفنية:
المقال النقدي: هو الذي يقوم على عرض، وتفسير، وتحليل، وتقويم الإنتاج الأدبي، والفني، والعلمي، وذلك من أجل تَوْعِيَة القارئ بأهمية هذا الإنتاج، ومساعدته في اختيار ما يقرؤه، أو يشاهده، أو يسمعه من هذا الكمّ الهائل من الإنتاج الأدبي، والفنّي، والعلمي الذي يَتَدَفّق كل يوم؛ سواء على المستوى المحلي، أو المستوى الدولي.

وهو يتطلب من صاحبه أن يكون على صِلَة وثيقة بالنظريات، والقواعد العلمية، والأصول الفنيّة التي تُمَكّنه من القيام بعملية النقد في الميدان الذي تخصّص فيه، وأن يمتلك القُدرة على التذوّق، والبوح عن انطباعاته، وأحاسيسه تجاه موضوعه؛ ليخرج به من صرامة البحث النقدي الجافّ إلى حيوية النقد الفني المعبّر، وأن يجمع في أسلوبه بين خصائص اللغة الصحفية السهلة الواضحة، ولغة النقد العلمي الدقيقة المعبّرة جمعًا يتواءم مع جوانب التناول في المقال النقدي من عرض وتفسير، أو تحليل وتقييم.



٤.١٤ المقال النقدي


ومن النقاد البارزين في هذا الميدان: يحيى حقّي،وعباس خضر، ورجاء النقاش، وثمّة طائفة أخرى من المبرّزين في المقال النقدي، وهم المقاليون الجامعيون الذين أَثْرَوا النقد الفني بكتاباتهم الرصينة في هذا الميدان أمثال محمد مندور، وشكري عياد، ورشاد رشدي.

نموذج للمقال النقدي:
مقال يحيى حقي، بعنوان "العباسة":
ومن أمثلة المقال النقدي حديث يحيى حقي عن مسرحية "العباسة" التي ألّفها الشاعر عزيز أباظة، وأخرجها للمسرح الأستاذ فتّوح نشاطي، وفيه يذهب أولًا: إلى أن القصصي الفنّان لا تلتمس عنده الحقيقة التاريخية، مثل المؤرخ، ثم يأخذ في تحديد جوانب الإجادة في المسرحية من براعة الشاعر في مداولة الحديث شعرًا، وفي قدرة الشاعر على خلق ذلك الجو الشعري في مسرحيته لدى المتلقين، ويردف الحديث عن جوانب الضعف في تأليفها، وهي خلوّها من اللمحات العبقرية، وتصوير الشخصيتين الرئيسيّتين في المسرحية، ولا ينسى أن يذكر رأيه في الإخراج والتمثيل، بل وفي موقف المسرح القومي الذي قدّمها من أداء رسالته.



٤.١٤ المقال النقدي


نص المقال:
يقول الأستاذ يحيى حقي تحت عنوان "العباسة":
لا تلتمس عند القصصي الفنّان إذا ما اسْتَلْهَمَ التاريخ أمانة المؤرخ المدقق، فلا لوم على المؤلف الكريم؛ لأنه حين أراد أن يصوّر نكبة البرامكة؛ لم يشأ أن يجعل أهمّ أسبابها إلا سببًا واحدًا هو أقرب ما يكون إلى الخُرَافة، فالرشيد هذا الخليفة الجبّار، والعالم المجاهد لا يَقْوَى على تصريف شئون دولته الواسعة إلا إذا كانت أخته العبّاسة عن يمينه، ووزيره جعفر عن يساره، ولكنّ أوامر الدين والأخلاق، وفتوى أبي يوسف تَأْبَى عليه ذلك، فماذا يفعل؟ ماذا يفعل الخليفة؟ زوّج الأخت من الوزير، وأخذ منهما العقود والمواثيق بأن يظلّ الزواج صوريًّا؛ فهو قد يضطر أحيانًا إلى القيام عن المجلس، وقد تطول غيبته، وكذلك اجتمع في هذا الثَّالوث عناصر مأساة يحبها الشعب؛ لوضوحها وبساطتها، حتى إنه لو رآهم مُصْطَفِّين في صورة معلّقة في قهوته البلدية أدرك- برغم ما في نظرتهم من ثبات وبراءة- عنف هذه المأساة وآلام أبطالها.

وقد أثمرت العهود والمواثيق بطبيعة الحال ثمرتها، وبقيت القصة معروفة؛ إذ الحياة مَلِيئة بأمثالها، ولسنا نُنكر أن المؤلف الفاضل لم يَغْفَل ذكر الأسباب السياسية التي دَعَتْ إلى نكبة البرامكة، ولكن أسطورة الزواج الوهمي ظلّت مع ذلك محور القصة، وانقلب كل غزل فيها إلى صُراخ رجل في طلب امرأة، وامرأة في طلب رجل، وإن كان الطلب في الحلال، ولو غضب الخليفة،


٤.١٤ المقال النقدي


وقد تَمَلْمَلَتْ آذاننا في بعض المواضع من علوّ هذا الصُّرَاخِ، وأحبّ أن أُسارع هنا وأقول: إن المؤلف النبيل قد برهن على رسوخ كعبه، وبراعته في مداولة الحديث شعرًا، وظلّ الحوار متصلًا غير متكلّف، ينسكب في أسماع النظّارة في سهولة ويسر، وهذا مركب وَعِر، وقد يقال: إن المرحوم شوقي بك لم يجده في بعض الأحيان ذلولًا، والحوار روح القصة، وقد تتقطّع دونه أنفاس الكثيرين من المؤلفين، وهو نثر فما بالك وهو شعر له أوزانه وقوافيه.

وقد غمرتنا غبطة كبرى حين رأينا ممثّلِينا وممثلاتنا والنظارة، وهم خليط من رجال وسيّدات أيضًا من مختلف الطبقات يندمجون في هذا الجوّ الشعري الجميل، وهذا- وايْم الله- تطوّر كبير في لغة المسرح، وأذواق الجمهور، وهو خليق أن يشدّ أَزْرَ المنافحين عن الفصحى في المسرح، والدّاعين إلى تقويم ألسنة المذيعين، ولكنّ شعر المسرحية في مجموعه خالٍ من اللمحات العبقرية، ويسير في طريق طالما عبّدته أقدام الشعراء السابقين، ويخيّل إلينا، ونحن نستمع إلى سَيْل الحِكَم والأمثال، وهي بضاعة رخيصة جدًّا أن المؤلف الكريم كَتب المسرحية وعينه إلى النظارة، يستجلب تَصْفِيقَهُم، وقد طوّفت كثيرًا في بلاد كثيرة، فلم أجد مثيلًا للشعب المصري في مَيْلِه الشديد للتصفيق للحكم والمواعظ، وحبّذا لو نَسِيَ المؤلف الفاضل جمهوره في مسرحيته القادمة ولو قليلًا، فالعمل الفنّي من وحي النفس وحدها.



٤.١٤ المقال النقدي


وكذلك لست براضٍ عن تصويره للشخصيّتين الرئيستين في المسرحية؛ فـ"العباسة" في الفصل الأول سيّدة حصيفة راجحة العقل كالطود الشامخ، تَقود، ولا تُقاد، وإذا بها في مبدأ الفصل الثاني تنهار فجأة، وبدون تمييز فتصبح امرأة مغلوبة على أمرها، بل لم نَرَهَا تبذل جهدًا كبيرًا في الدفاع عن قضيّتها، وقد غلب هذا الضّعف على الممثلة؛ فكان أداؤها للدّور ضعيفًا، وإن استنجدت بالصّراخ والعَوِيل، وكذلك شخصية الرشيد بَدَتْ في صورة رجل عاجز قليل الحِيلَة لا يصدر عن رأي إلا إذا داعب مِسْبَحَتَهُ، وشاور أخته أو زوجها؛ فلما ثارت ثورته وذبح غريمه لم يأخذه النظارة على مأخذ الجِدّ، وهزءوا به ساخطين عليه لطول غفلته، وقد خرج أغلبهم وهم لا يَدْرُون أهواهم مع الرشيد، أم مع البرامكة. هذا لو علمت مَدْحٌ وليس بقدح هذا. الإخراج والتمثيل في مسرحية "العباسة"، وقوالب الأداء الصحفي:
ويتابع فيقول:
أما الإخراج فقد تردّد بين الاتزان والعنف، وكنا نودّ لو أنه خفّف قليلًا فلا يزال أمامنا مسرحيّات يوسف وهبي بك، من الألوان الصّارخة؛ فمن السّهل التعبير عن الألم بالبكاء والعويل، ففي أمثال هذه المسرحيّات يجب- لكي يتمّ الاتزان- أن يشمل جَوّها العنيف شيء من الهدوء، والتُّؤَدَة، وليت المخرج أعفانا في الفصل الرابع، حين دخلت جُمُوع الشعب لتشكو حالها إلى الخليفة، من نقلنا إلى ساحة السيدة زينب بمواكب فُقَرائها وشَحّاذِيها، ونحن قوم نبدع ونبالغ في تصوير الشّقاء، وإذا ضحكنا ابتسمنا.



٤.١٤ المقال النقدي


أما التمثيل فما إن خرجنا حتى نسينا العباسة، ثم نسينا جعفرًا، بل وزبيدة، وظللنا بُرْهَة نعجب بهرثمة، ونضحك من ابن الهادي داعين له بالشفاء من داء رقص الزنوج، وأخيرًا، وقبل أن نصل إلى بيوتنا كنا قد نسينا أيضًا عليّة الرّشيقة، ولكني سعيد؛ لأنني لم أجد غلوًّا في تلك اللهجة الخطابية التي طالما شكونا من شيوعها في مسارحنا، ونرجو أن تكون قد أخذت في طريقها إلى الزوال.

وبعدُ فقد شهدتُ المسرحية في حفلة نهاريّة، ولشدّ ما دهشتُ حين طلب مني أن أدفع خمسين قرشًا في مقعد بالصالة، وأنا أعلم أن الفرقة قوميّة، والمسرح بالمجان، وأنا أُناشد القائمين بأمر هذه أو هذا المسرح الفرقة، ألحّ عليهم بألا يجعلوا الربح المادي مقصدهم، بل الواجب عليهم أن يقرّبوا المسارح إلى متناول كافّة طبقات الشعب؛ فهذه رسالة الفرقة القومية، فإذا غفلت عنها لم يبقَ ما يبرّر وجودها، وإذا كان الإفلاس دليل الإخفاق في الماضي، فإن الربح وحده ليس بكافٍ في المستقبل لإثبات النجاح.



٤.١٤ المقال النقدي


تعقيب على أنواع المقال الصحفي:
وجدنا من الدّارسين من توسّع في ذكر أنواع المقال الصحفي وحدّدها في خمسة عشر نوعًا هي:
١. المقال الصحفي العام.      ٢. المقال الافتتاحي.
٣. مقال التعليق.      ٤. المقال التفسيري.
٥. مقال العمود.      ٦. المقال التحليلي.
٧. المقال النقدي.      ٨. المقال المختصر.
٩. المقال المتخصّص      ١٠. مقال الفُكَاهة.
١١. المقال المِهَنِي.      ١٢. مقال المناسبات.
١٣. المقال الإعلامي.      ١٤. مقال التجربة الخاصّة، أو اليوميّات الصحفيّة.
١٥. المقال العرضي، أو الاستعراضي.
ونُذَكِّر بهذه الأنواع التي شرحناها، وهي المقال الافتتاحي، والعمود الصحفي، واليوميات الصحفية، والمقال الكاريكاتيري، والمقال التحليلي، والمقال النّزالي، والمقال النقدي، ولو تأمّلنا هذه السبعة لوجدناها تتّسع للمقالات الخمسة عشر، وتتداخل فيها، وتكون هذه من باب التفصيل والتوضيح.


٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي



٤.١٤ المقال النقدي