٣.٢ خطة التكوين


خطة التكوين

يقوم المقال- بعد التكوين الداخلي وتوافُر عناصر بنائه- على خطة تحدد أجزاءه وتنظم ترتيب هذه الأجزاء، وطريقة السير فيها بما يحقق له تسلسل المعاني وتواصل الأفكار وتتابع المقومات والنتائج؛ حتى يتم له تحقيق الغاية المرجوة من المقال.

وقد أطلق الأستاذ الشايب على هذه الخطة "أسلوب المقال المعنوي"، وبيَّنَ أنها تقوم على المقدمة والعرض والختام؛ فالمقدمة تتألف من معارف مسلم بها لدى القراء، قصيرة متصلة بالموضوع مُعِينة على فهمه بما تعد النفس له، وما تثير فيها من معارف تتصل به، أما العرض- أو صلب الموضوع- وهو الطريقة التي يؤديها الكاتب سواء انتهت إلى نتيجة واحدة أم إلى عدة نتائج هي في الواقع متصلة معًا، وخاضعة لفكرة رئيسة، ويكون العرض منطقيًّا مقدِّمًا الأهم على المهم مؤيدًا بالبراهين، قصير القصص والاقتباس، متجهًا إلى الخاتمة؛ لأنها مناره الذي يقصده.

والخاتمة لا بد أن تكون نتيجة طبيعية للمقدمة وعرض الموضوع؛ ولا بد أن تكون واضحة صريحة ملخصة للعناصر الرئيسية المراد إثباتها، جازمة تدل على اقتناع ويقين، لا تحتاج إلى شيء آخر لم يرد في المقالة.



٣.٢ خطة التكوين


ونحن نرى أن هذه الخطة ليست بمنأى عن طبيعة المقالة الذاتية أو الموضوعية؛ فهذه الخطة تشترك فيها المقالة الذاتية والمقالة الموضوعية، ولا يصح أن تنفرد بها المقالة الموضوعية فقط، وأن المقالة- على التعميم باعتبارها عملًا فنيًّا يجمع بين المتعة والفائدة- تحتاج بالضرورة إلى جودة التصميم ومنطقية العرض وحسن التنسيق.

ذلك أن المقال- في مرحلته الأولى من رحلته الفنية- كان يميل إلى حرية الكاتب في طريقة التناول، وتوجهاته في الكتابة معًا على الحد سواء، وهو في مراحله اللاحقة احتفظ بهذه الحرية في التوجهات، ووُضعت له الخطط التي تصمم الإطار وتحدد الأجزاء وتوضح خطوات السير فيها بطريقة منطقية مقنعة مفيدة؛ حتى يتم له بذلك مع ما سبق من معايير في عناصر البناء، يتم له صفات الفن؛ فن كتابة المقالة.

وقد وجدنا من النقاد من يوجب إجادة تصميم المقالة، ومراعاة الانسجام بين الفكرة وأسلوب الأداء لكي تتحدى المقالة العقبات القائمة في طريقها، والمغريات التي قد تميل بها عن هدفها الأصيل؛ وهو المتعة وحسن التعبير عن حالة الكاتب وإنماء فكرته.



٣.٢ خطة التكوين


والمقالة في العادة تقوم على فكرة رئيسة، وعلى الكاتب أن يختار اللفظ الملائم الذي لا يبعده عن الهدف المقصود؛ فالوحدة والتماسك والتدرج في الانتقال من خاطرة إلى خاطرة أخرى من الخواطر التي تتجمع حول موضوع المقال- من ألزم ما يلزم في أدب المقالة، وتتكون خطة المقال- كما سبق- من المقدمة وعرض الموضوع، ولهذه المكونات شروط ارتضاها نقدة الفن؛ حتى يتم لها دورها المنشود في بناء مقالٍ فنيٍّ جيد؛ وتتمثل هذه الشروط في:

١. المقدمة:
تعد المقدمة مدخلًا طبيعيًّا موائمًا للموضوع، ويُشترط فيها: أن يكون لها ارتباط بالموضوع، وأن تكون موجزةًَ مركزةً، وأن تثير القارئ بأسلوبها المشرق، وطرافتها الجاذبة، وتغريه بدلالاتها على تقبل الفكرة، والاقتناع بمضامين المقال. وهي تتعاون مع العُنوان في الإيماء بالفكرة التي تدعو إليها المقالة، وتكشِف النقاب عن طبيعتها مع تقدم عباراتها، حتى إذا أتى الكاتب إلى عرض موضوعه، أدرك القارئ في أي بَحرٍ يسبح، ومع أي تيارٍ يسير، وأي لؤلؤٍ يتغياه من وراء تلك الرحلة القصيرة الممتعة.



٣.٢ خطة التكوين


وتخضع المقدمة لقدرة الكاتب على التصرف في اختيار المدخل الموائم لموضوعه، المهيأ للوقوف على أبعاد فكرته، ومن ثَم فهي تتنوع بين أن تكون قصة طريفة، أو حكمة سائرة، أو حقيقة مقررة، أو تساؤلًا موجهًا، أو عبارة ممتدة جامعة لعناصر الموضوع، أو إشارة إلى بواعث الكتابة، وقد يدخل الكاتب إلى موضوعه مباشرة دون مقدمات، وهو في هذا المسلك يجند خبرته في المعالجة، وموهبته في الكتابة؛ للوقوع على أجلَى الحقائق المتصلة بموضوعه، ويتخذها بدايةَ كلِّ خيط رفيع من أفكاره في تسلسل وانسجام.

ومن أمثلة تلك المقدمات القصصية: ما ذكره العقاد في بداية مقاله (الشعر أسبقُ أم النثر؟) يقول العقاد:
"السيد "جوردان" شخصية مشهورة من الشخصيات المضحكة، في إحدى روايات "موليير" الذي استوَى بها على عرش الفكاهة المسرحية في الآداب الفرنسية، ومدار الفكاهة في شخصية "جوردان" أنه غني من محدثي النعمة، أراد أن يتشبه بالنبلاء، فاتخذ له معلمين يعلمونه الرقصَ والمسايفةَ والبلاغةَ، وجاء بالطرائف التي لا تخطر على البال، وهو يحاول أن يفهم دروسهم، ويعقِّب على شروحهم وأقوالهم. فإذا هو- كما قال- يتكلم النثرَ طوال حياته، ولا يعرف ذلك حتى عَرَفه من كلام معلم البلاغة.



٣.٢ خطة التكوين


لقد أفهمه معلمُه معنى الشعر، ومعنى النثر، فخُيل إليه أن النثر هو ما ليس بكلامٍ موزونٍ منظومٍٍ، وتخيل -إذن- أن كلامه طول حياته داخل في ذلك التعريف، وأنه كاد أن يقضي بقية حياته وهو يجهل هذه المعجزة، لولا أنه تلقى الخبر أخيرًا من الأستاذ.

أراد "موليير" أن يجعل السيد "جوردان" مضحكًا بهذه العبارة، فأفلحَ فيما أراد، وضحِكَ الناس مما قال؛ لأنهم أدركوا على البديهة من غير تطويل في البحث والاستقصاء، أن السيد "جوردان" مخطِئ في تصوره الساذج، وأن النثرَ شيء غير مجردِ الكلام الذي لا ينطبق عليه تعريف الشعر، وهو الكلام الموزون المقفَّى".

فبهذه المقدمة مَهَّدَ العقاد لموضوعه بتلك القصة الطريفة التي تفرِّق بين ألوان ثلاثة من التعبير: الكلام، والنثر، والشعر.

وتُمهد لتقرير أن السؤال إذا كان عن أسبقية النثر والشعر، فإن الشعر أسبقُ من النثر بزمن طويل. ومن أمثلة تلك المقالات التي لم يحتَج الكاتب فيها إلى المقدمات، ولجأ إلى المباشرة في طَرْقِ موضوعه، ما ذكره الأستاذ أحمد أمين عن افتقاد المجتمع لتلك الطائفة المثقفة التي تجمع في عُمقٍ بين الثقافتين العربية والأجنبية، دون أن يكون التبريز في أيّهما على حساب الأخرى.



٣.٢ خطة التكوين


وتلك حقيقة الحقائق في موضوعه، وقد بدأ بها، ثم أخذ يبرهن عليها بعد ذلك، حيث بدأ مقاله تحت عنوان "حلقة مفقودة" بقوله:
" في مصر حلقة مفقودةٌ، لا نكاد نشعر بوجودها في البيئات العلمية، مع أنها ركن قوي من الأركان التي تُبنَى عليها نهضتُنا، وفقدانها سبب من أسباب فقرنا في الإنتاج القيم، والغذاء الصالح، تلك الحَلْقة هي طائفة من العلماء جمعوا بين الثقافة العربية الإسلامية العميقة والثقافة الأوربية العلمية الدقيقة، وهؤلاء يعوزنا الكثير منهم ولا يتسنَّى لنا أن ننهض إلا بهم، ولا نسلك الطريقَ إلا على ضَوْئهم".

بهذا تكون قد اتضحت المقدمة التي تُعد عنصرًا مهمًّا من عناصر المقال، وأن هذا العنصر- كما رأيناه في الغالب- ضروري في كلِّ مقال. اللهم إلا عند بعض الكتاب الذين استغنَوا عنها استغناءً؛ لأن ما يُوحي بها من خلال عرض الموضوع والخاتمة يقوم مقامَها.

٢. عرض الموضوع:
عرض الموضوع يلي المقدمة في تلاحم عضوي دالٍّ على دقة تصميم المقال، ويقظة الكاتب في تتبع أجزائه، وقد عَرَّفَ "والتر بارت" تصميم المقالة بأنه هو الذي يقوم على التصور البنَّاء للموضوع الذي يرهص بالنهاية منذ البداية، ولا يَرفع عينه عنها، وهو في أي جزء من الأجزاء يلتفت إلى الأجزاء الأخرى، إلى أن تكشف العبارة الأخيرة عن كُنْه العبارة الأولى، وتبرر وجودها دون أن تحس بأي فُتور.



٣.٢ خطة التكوين


فالكاتب بعد أن يفرغ من تحديد فكرته، يأخذ في بَسْطها وتعميقها، والاستدلال على صحة ما يدعو إليه، وسبيله في ذلك أن يقسم فكرةَ المقال الرئيسة إلى أفكار جزئية مرتبة، ثم يقوم بمعالجتها في تسلسل منطقي تَسْبِقُ فيه المقدماتُ النتائجَ، وتمهد النتائجُ فيه للفكرة التالية، وتتآزر جميعًا في تحقيق الاقتناع بالفكرة العامة التي يدور حولها المقالُ، وفي ترابط عضوي ينأَى به عن الاستطراد والتِّيه في دروب بعيدة عن الهدف المقصود.

وقد نبه النقاد إلى ضرورة أن يتسم العرض بالدقة والوضوح، وأن يشتمل على وسائل الإقناع من حجةٍ قويةٍ، وبراهينَ مؤيدةٍ، وشواهدَ دالةٍ معبرةٍ. ويرى الدكتور محمد عوض محمد أن من أهم ما يُعنَى به كاتب المقالة؛ لكي يؤثر في نفوس القرَّاء ذلك التأثير البليغ- أن يجعل كلماته وعباراته والأفكارَ التي تَعرِض له موجهةً كلها لإبراز الفكرة الأساسية وإيضاحها، متجنبًا كل عبارة يسبق بها القلم، ولا تؤدي وظيفةً جوهريةً في إبراز تلك الفكرة الأصلية.

كما يتميز كاتب عن كاتبٍ بتوحد مقاله، وقوة تماسكه، وتأكيد آرائه، فالكاتب الماهر يجعل من كتابته كائنًا عضويًّا. الأضواءُ تسلط على النقطة المهمة التي يدور المقال حولها، والفكرة تتتابع مع الفِكرات الأخرى، وتتماسك كالعمود الفقري، ولا يكفي هذا، بل لا بد من التأكيد بتَكرار الواقعة أو بواسطة الأسلوب.



٣.٢ خطة التكوين


يقول الأستاذ العقاد في طريقته في كتابة المقالة:
"أما طريقتي في الكتابة، فإنني أبدأ المقالة وفي ذهني جميعُ أصوله، ونُُقَطه مرتبة على الجملة حَسْبَ الترتيب المنطقي، ولكني إذا مضيتُ في الكتابة، عرضت لي حاشية من هنا أو لمحة من هناك، تطرأ في عرض الكلام، ولا تغير شيئًا من جَوْهر المقال، إلا أن تزيده جلاءً في بعض الأحيان، أو تضيفَ عليه عنصرَ الفكاهة والتبسيط".

وكما شاهدنا التنوع في المقدمات، فإن مادة العرض تتلون في كتابة المقالات، فهي تأخذ سُبلَ القص أو الوصف أو التحليل أو المناقشة أو الاحتجاج، لكنها جميعًا لا تفقدُ الموائمةَ مع طبيعة الموضوع، والقدرةَ على تجلية فكرته. فإذا رجعنا إلى مقال العقاد عن أسبقية الشعر أو النثر، نراه بعد مقدمته السابقة، يضع هذا السؤالَ: أيهما أسبق الشعر أم النثر؟ ويجيب عنه بقوله: ونعتقد -نحن- أن الشعر أسبق من النثر بزمن طويل، نعتقد هذا، ولا نحسب أن الدليل القاطع في تقرير هذا الرأي مُستطاع، ولكنه رأي يقوم على القرائن التاريخية، والقرائن النظرية، ولا ينقصه من الواقع شيءٌ معلومٌ حتى الآن.

ثم يأخذ العقاد في ذِكر القرائن التاريخية من شعراء العرب، والآداب اليونانية، والأدب اللاتيني، والآداب الشرقية، وينتقل إلى القرائن النظرية التي تحتم تقدمَ الشاعر على الناثر في الوجود، حتى ينتهي إلى تقرير تلك الحقيقة في خاتمة مقاله.



٣.٢ خطة التكوين


وقد اتضح لنا أن عرض الموضوع يحتاج إلى دراسة عميقة من النقاد؛ لأن الموضوعَ هو جوهر المقالة، ولأنه الغايةُ التي تعتمد عليها المقالة.

٣. الخاتمة:
بقي من العناصر الخاتمة، والخاتمة هي: النتيجة التي يريد أن يصل إليها الكاتب في مقاله، ومن ثم تأتي أهميتها في الخروج بالمحض من المخض، ويشترط فيها: أن تكون تلخيصًا أمينًا لعناصر الفكرة، وتركيزًا وافيًا للحقائق التي تضمنها المقال، وملتقيةً مع الروح العامة التي عاشَ فيها المتلقي خلاله، وأن تقف بالقارئ- كما ذكر الأستاذ الشايب-: عند ما يحسن الوقوف عنده، وأن تحمِلَ لنا في النهاية موقفَ الكاتب من موضوعه، وهدفه من مقاله، وأن تكون قاطعةً أشبه بفصل الخطاب في الموضوع؛ حتى تثبتَ في ذهن القارئ، فإنها آخر ما تقع عليه عينُ المتلقي، ومن ثم فمن الواجب أن يتركه الكاتب وقد أحكم عليه سبلَ الاقتناع، وألقَى في سمعه صوتًا يتردد صدَاه في أعماقه عن دعوته.

وإذا عدنا إلى مقال الأستاذ العقاد السابق، فإنه بَعْدَ أن يطوِّف بنا وسطَ القرائن التاريخية، وبين القرائن النظرية، ويعقب عليها بما تسعفه مَلَكته من الأقيسة والبراهين والجدال، يأتي إلى تلك النتيجة التي قدمها في الإجابة عن سؤاله، ويدعو إلى التسليم بها في نهاية المقال، ولهذا نرى أن سَبْقَ الشعر لا عجبَ فيه، وأن سبق النثر فيه شيء من العجب.


٣.٢ خطة التكوين


وبالإضافة إلى تلك الخواتيم التي تتسم بجلاءِ المقطعِ، وجلالِ الانتهاء، فإننا نجد لونًا آخرَ تتسم فيه الخاتِمَة بوضوح المقطع، وجمال الانتهاء، خاصةً لَدَى أولئك الكتاب الذين يصدرون في كتابة مقالاتهم عن طبيعة الأديب الملهم لا الأستاذ المعلم. وبجانب ما سبق، فإننا نشاهد لونًا ثالثًا من تلك الخواتيم التي تَحْفُلُ بها نهاية المقالات المتتابعة حول موضوع واحد. فإن أصحابها يميلون إلى أن تكون الخاتمة قولًا مثيرًا يحُث المتلقي على مواصلة السير مع الكاتب في أشواطه المقبلة، وإيحاءً مرتفقًا بالهدف التي تنتهي عنده هذه الأشواط.

ومما يتصل بإحكام خطة المقال، براعةُ الأديب في اختيار عُنوان للمقالة، تتحقق فيه سماتُ الجذب والطرافة، والدلالة على مضمون المقالة، والإيحاء باتجاه الكاتب في معالجة موضوعه. ولهذه البراعة دلائلها الناطقة بها في عناوين مقالات كبار كُتَّابنا المقاليين، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن العُنوان قد يصل -مع ما سبق- إلى درجة اكتناز أفكار المقالة، والإحاطة بأبعادها كما في تلك العناوين التي نجدها في كتابات الدكتور محمد رجب البيومي مثل مقالاته: (لوامع نقدية من ديوان مطران)، و(زكي مبارك الأديب الصوال) من مجموعته المعروفة (دراسات أدبية).

وقد ينحو به صاحبُه منحًى بعيدَ الدلالة على الموضوع على سبيل الألغاز والتهكم، كما في كثير من مقالات كتَّاب النقد الساخر، مثل: زكي نجيب محمود في (جنة العبيط)، ويتصل بذلك تنبه الكاتب بطبيعة النوع المقالي الذي يكتبه.



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين



٣.٢ خطة التكوين