![]() |
أنه يتسع ليشمل كل أنواع المقال؛ فالمقال الذاتي أو الموضوعي لا يستغني أيٌّ منهما عن النظر الشخصي، والتعبير الفني، والعرض المنهجي، وإن تفاوتت معايير هذه الأمور وطبيعة وجودها في المقالات التي تمثلها، وقد وجدنا العقاد -تبعًا لهذا التفاوت- يذهب إلى وضع تعريفين لنوعين من المقالة في قوله: وانقسمت مواضيع المقالات على حسب الصحف والمجلات، فما كان منها للتسلية والقراءة العامة؛ فقد التزمت فيها طريقة مونتين وتابعيه، وما كان منها للدرس والقراءة الخاصة؛ فقد غلب عليها صيغة الجد والإتقان.ولا شك أن هذا القول تعريف للأنواع الداخلية للمقالة، وليس تعريفًا للفن على التعميم والإطلاق. |
![]() |
أنه يخصص المقالة بأخص ما تتميز به من ناحية الموضوع، والتعبير، وذاتية الكاتب، وتصميم المقال. فالموضوع يمتد في ذاته ليشمل كل شيء في الحياة؛ شرط أن يكون المقال غير ممتد حتى لا يصل إلى درجة البحث، وغير مختصرٍ حتى لا يتركز في شكل الخاطرة. والتعبير يتسم بالفنية في التراكيب، وهي صفة تستدعي من الكاتب أن يوائم بين كل لون مقالي وما يناسبه من ألوان الأساليب الجادة المحللة أو الندية المصورة. وتصميم المقال يخضع لمنهجية في البناء، قد تكون صارمة القسمات عالية الصوت في بعض ألوان المقالة، وقد تكون متماوجة رخيمة الصوت في بعضها الآخر. |
![]() |
هذا التعريف يتصف بخاصية الإيجاز مع الوفاء بحق المفهوم؛ فإن هذا التعريف لا يتجاوز سطرين؛ ومع إيجازه تناول كل عناصر مفهوم المقالة، وأركان المقالة، وأنواعها، وخصائصها الفنية، وخصائصها الموضوعية، وأثرها القوي عند القارئ، ومصدرها الأساسي عند كاتب المقال أو الأديب. |
![]() |
هذا التعريف يجعلنا بمنأى عن التضارب الذي نجده لدى الدارسين لفن المقال؛ سواء كان من ناحية محاولة التقعيد الخاص، أو بسبب اضطراب المفاهيم؛ فالأستاذ سيد قطب –رحمه الله- حاول تحديد المقالة بالاسم لا بالوصف من خلال التفرقة بين قسميها الكبيرين: الذاتية، والموضوعية، في قوله: هناك نوعان من العمل الأدبي نطلق عليهما لفظ المقال، وهما يتشابهان في الظاهر ويختلفان في الحقيقة؛ فإحداهما انفعالية والأخرى تقريرية، ولعل من الأنسب أن نفرق بينهما في الاسم بدل أن نفرق بينهما في الوصف، ونقصر لفظ المقالة على النوع الثاني، ونسمي النوع الأول خاطرة، ونبادر بكلمة إيضاحية عن كل منها تكشف عن الطبيعة المختلفة لكليهما: الخاطرة في النثر، مقابل القصيدة الغنائية في الشعر، وتؤدي وظيفتها في عرض التجارب الشعورية التي تناسبها. ولا بد من ظهور شخصية الكاتب في المقال؛ فمسألة الشخصية في المقال هي التي تحدد لنا هذا المقال وصاحبه؛ فمقالة هيكل خلاف مقالة نافع، خلاف مقالة محمد فريد وجدي، كل واحد منهم تظهر شخصيته في المقال. وقوله: "التعبير الفني": لا بد للمقال أن يظهر في ... |
| ...تعبير فني؛ فالتعبير العلمي أو التعبير الذي يتسم بالدقة اللغوية- بحيث لا تدخل أدوات الفن في هذا التعبير- لا يعد مقالًا، وكذلك العرض المنهجي وهو أن تسير المقالة على منهج معين، لا عشوائية ولا تلقائية في المقال، وإنما يبدأ بمنهج معين؛ يبدأ بالمقدمة، ثم عرض الموضوع، ثم الخاتمة، وتسير على هذا المنهج؛ فالمقالة التي تعتمد على العشوائية أو التلقائية لا تعد مقالًا أدبيًّا ولا فنًّا أدبيًّا. ثم انظر إلى قوله: "المثمر" بمعنى: الذي يؤثر في القارئ والذي يجعل القارئ يتأثر وينتفع بهذا المقال. أما المقالة: فهي فكرة قبل كل شيء، وموضوع ؛ هي فكرة واعية وموضوع معين يحتوي قضية يراد بحثها، قضية تجمع بين عناصرها وترتب بين هذه العناصر؛ بحيث تؤدي إلى نتيجة معينة وغاية مرسومة من أول الأمر، وليس الانفعال الوجداني هو غايتها، ولكنه الإقناع الفكري، وهو بهذا التعريف يفرق بين المقال والخاطرة لا بالكيف ولا بالكم فحسب، ويجعل اسم المقال وقفًا على ما يسمى بالمقال الموضوعي، ويطلق على ما يقابله- وهو المقال الذاتي- لفظ: "الخاطرة" مع أن للكم دورًا فاعلًا في التفرقة بين المقال والخاطرة، هذا التعريف لا يجمع بين المقال والخاطرة؛ فهناك فرق بين المقال والخاطرة. |
| والدكتور محمد يوسف نجم يرى أن المقالة الذاتية هي التي احتفظت بالمعنى الأدبي والتاريخي للاصطلاح؛ ومن ثم فهو يرى أن المقالة الذاتية إنما تُكتب بطريقة عفوية، ويجعل المقالة الموضوعية هي التي تُكتب على منهج البحث العلمي، وما يقتضيه من جمع المادة وترتيبها وتنسيقها وعرضها بأسلوب واضح جلي لا يورط القارئ في اللبس، ولا يقوده إلى مجاهل التعمية والإيهام. والتأمل في هذه الرؤية وما أسسه عليها من تنويع المقالة يدلنا على أنها تتسم بالاعتساف والقصور من نواحٍ عديدة؛ منها: أنه حدد المقالة الأدبية في الذاتية فقط دون الموضوعية -الحديث هنا تعقيبًا على تعريف الدكتور نجم- ومنها: أنه جعل المقال الموضوعي وريثًا للمقال الذاتي لا قسيمًا له، ومنها: قصر المنهجية على المقال الموضوعي دون سواه. |
|
![]() |
في شرح المفهوم الذي حددناه للمقال: إن هذا التعريف ما هو إلا محاولة جادة لتحديد مفهوم المقالة في قولٍ معرًّفٍ محددٍ، أحكم ما يكون فيه التعريف وأقرب ما يكون فيه التحديد، ويبقى جانب الأديب رحبًا فسيحًا يشمل بين جوانبه ألوانًا متعددة من مواهب الأدباء، وتحمل بصمات الكتاب فوح عبقريتهم، وقدرتهم على الجولان في ميدان الفن والتقدم به والسبق فيه، وما واقع القصة الكتابي- وتمايزها على أيدي أصحابها مع ثبات عناصر الفن فيها- عنا ببعيد. |