![]() |
لم يقتصر التجديد في الشعر العباسي على الموضوعات المستخدمة التي ذكرناها في العنصر الأول، فقد أضاف الشعراء العباسيون إلى الأغراض القديمة, فالمدح والرثاء والغزل والوصف والفخر والهجاء كلها أغراض قال فيها الجاهليون، والإسلاميون والأمويون، والشعراء المبدعون في كل عصر يضيفون إلى ما قاله السابقون عليهم وقد كان الإبداع في العصر العباسي كثيرًا، ومن مظاهر ذلك التجديد الذي أضافه الشعراء العباسيون إلى معاني الشعر في الأغراض القديمة, ومن ذلك الباب: توسعهم في معاني الهجاء، ورميهم خصومهم بالفسق وضعف الدين، وبراعتهم في السخرية والاستهزاء من المهجوين. |
![]() |
ومن هذا الشعر قول ابن الرومي في هجاء رجل اسمه عمرو: وفي وجوه الكلاب طولُ والكلب يحمي عن الموالي ولست تحمي ولا تصولُ وأنت من أهلِ بيْتِ سوءٍ... |
|
وجوهُهم للورى عِظات لكن أقفاءهم طبول ومن التجديد الذي رصده النقاد في المدح -مثلًا- قول البحتري: ولو أنهموا ركبوا الكواكب لم يكن ينجيهموا من خوف بأسك مهرب |
|
![]() |
فقد سبق إلى هذا المعنى النابغة الذبياني في الاعتذار للنعمان بن المنذر إذ قال:
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع |
![]() |
ومع إعجاب النقاد بقول النابغة، فقد فضلوا عليه قول البحتري, كما فضلوا عليه أيضًا قول سلم الخاسر:
والدهر لا ملجأ منه ولا هرب... |
|
في كل ناحية ما فاتك الطلب |
|
![]() |
فقد أصاب كل من البحتري وسلم المعنى الذي ذهب إليه النابغة، لكن النابغة جعل النعمان كالليل، وفي الليل ظلمة ووحشة وانقباض, والشاعر في مقام التذلل والاعتذار, فتجنب البحتري وسلم التشبيه بالليل لذلك. |
![]() |
ومن الممكن تبرير قول النابغة وتخريجه لكننا نقصد هنا إلى بيان أن الشعراء العباسيين لما تناولوا المعاني القديمة أضافوا إليها جديدًا، وهذا علامة التفوق والإبداع. |
![]() |
ومن هذا القبيل أيضًا تفضيلهم قول أبي تمام في المدح:
ولو برزَتْ في زيِّ عذراءَ ناهدِ على قول أحد الجاهليين في المعنى نفسه: ولستُ بنظَّارٍ إلى جانبِ الغنَى إذا كانتِ العلياءُ في جانبِ الفقرِ |
![]() |
وموضع التفوق في قوله: الدنيا وهي أضخم من الغنى، والسؤدد بدل العلياء؛ لأن السؤدد يعني العلياء وزيادة، وقوله: (عذراء ناهد) فهي التي تغري العابد وتثير صبابة الحليم. |