٤.٣ آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية
ما موقف مصادر الأفعال من السماع والقياس؟
بادئ بدءٍ نقول بالنسبة لإجابة هذا السؤال: إن علماء اللغة قد أجمعوا على أن مصادر الأفعال غير الثلاثية قياسية باتفاق، ولكنهم مع اتفاقهم بالنسبة لمصادر الأفعال غير الثلاثية اختلفوا في مصادر الأفعال الثلاثية: أسماعية هي أم قياسية؟
ونريد الآن أن نقف على آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية: أسماعية هي أم قياسية؟
آراء العلماء
للعلماء في ذلك ثلاثة آراء:
القول الأول
 |
السر في ذلك: كراهة العرب توالي أربع متحركات فيما يعد كالكلمة الواحدة، فلو بقي الفعل على حركته الأصلية -وهي الفتح- لقيل في الفعل السابق عند اتصال تاء الفاعل به: ضربَتُ أو ضربَتَ أو ضربَتِ، فتتوالى أربعة متحركات، والعرب يكرهون توالي أربع متحركات فيما يعد كالكلمة الوحدة، وهذا دليل على: أنه معد هذا الضمير جزءً أو كالجزء من الفعل.
|
٤.٣ آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية
وعلى حسب مقتضيات الأزمان: هذا الرأي يعوّق اللغة عن بلوغ حد الكمال والوفاء بحاجات الإنسان المتجددة مع تجدد الأزمنة.
القول الثاني
 |
وهو رأي الفراء نجده يرى أن مصادر الأفعال الثلاثية قياسية ينبغي أن يقاس عليها.
|
 |
والقياس: هو حكم عام مستنبط من تتبع الكثير الوارد عن فصحاء العرب، وهو ضابط منتزع من الاستعمال الغالب، فكثرة استعمال وزن أي مصدر لأي فعل مصححة للقياس عليه، فيسوغ لك في كل فعل ثلاثي أن تأتي بمصدره على الوزن الغالب في أمثاله، حتى وإن سمع له مصدر على خلاف هذا الوزن؛ لأن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، والمقاييس العربية تبُنى على وجود الكثرة.
|
 |
فمثلًا: "علم" هذا فعل ثلاثي مجرد متعدٍّ، يجوز أن يكون مصدره على "فَعْل" وهو المصدر القياسي للفعل الثلاثي المتعدي، على الرغم من أنه سُمِع له مصدر آخر مغاير للمصدر القياسي، فقالوا: فيه عِلْم عَلِمَ يعْلَمُ عِلْمَا، لكن يجوز مع هذا المسموع المخالف للمصدر القياسي أن نستعمل المصدر القياسي على الرغم من وجود هذا المسموع المخالف.
|
٤.٣ آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية
 |
ومثلًا "شكر" يأتي متعديًّا: شَكَرَ فلان ربه، المصدر المسموع له شُكْرًا وشُكْرانًا، ومع ذلك يجوز أن نخالف هذا المسموع ونستخدم المصدر القياسي فنقول شَكَر شكْرًا، هذا هو رأي الفراء ومن وافقه من العلماء.
|
 |
فهذا رأي قال الكثيرون عنه: إن فيه رفقًا وحكمة ومسايرة لطبائع الأشياء لأنه يحاول أن يوسع من إطار استعمال اللغة العربية، وهو على عكس الرأي الذي أورده السيوطي في (الهمع).
فهو رأي يفتح الباب على مصراعيه، والرأي الذي قبله يغلق الباب البتة.
|
وعلى حسب مقتضيات الأزمان: هذا الرأي يعوّق اللغة عن بلوغ حد الكمال والوفاء بحاجات الإنسان المتجددة مع تجدد الأزمنة.
القول الثالث
 |
رأي سيبويه وموقفه من هذه القضية: نجده أنه قد وقع منها موقفًا وسطًا، فلا هو يغلق الباب البتة، ولا هو يفتحه على مصراعيه كما فعل الفراء ومن وافقه.
|
٤.٣ آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية
 |
يرى سيبويه أن مصادر الأفعال الثلاثية قياسية، لكن بشرط إذا لم يُسمع ما يخالف قياسها، وإلا عمل بالمسموع، هي قياسية إلى حد ما، إذا لم يرد سماع يخالف هذا القياس، أما في حالة ما إذا ورد سماع مخالف للقياس ينبغي إذن في هذه الحالة أن نترك القياس وأن نستعمل ما سُمِع عن العرب.
|
 |
هذا الرأي قد وقف وسطًا بين مانعٍ للقياس، وبين مبيح للقياس، هو يقول: لا بأس من كون المصادر الأفعال الثلاثية قياسية، لكن إذا لم يرد مسموع يخالفها، فإن ورد مسموع ينبغي -في هذه الحالة- أن نحترم هذا المسموع الوارد عن العرب الخلص، وأن نترك الأقيسة التي استنبطها العلماء. |
رأي العلماء في موقف سيبويه من مصادر الأفعال الثلاثية
 |
ننتقل إلى معرفة رأي العلماء في موقف سيبويه من مصادر الأفعال الثلاثية، فنقول: إن هذا الرأي قد ارتضاه الأخفش، كما ارتضاه أيضًا جمهور العلماء؛ لتوسطه واعتداله، ولاحترامه المسموع في الوقت الذي لم يغفل فيه فتح الباب أمام القياس، وإن كان كثير من المحدثين يرون فيه نوعًا من التشديد والتضييق من إطار الاستعمال اللغوي، كالرأي الأول الذي أورده السيوطي في (الهمع).
|
٤.٣ آراء العلماء بالنسبة لمصادر الأفعال الثلاثية
 |
ومع ذلك فنحن نرى هذا الرأي من الاعتدال بمكان، وقد قال عنه الشيخ خالد الأزهري -رحمه الله- في «التصريح بمضمون التوضيح» (٣/ ٣٠٠): والمراد بالقياس هنا: أنه إذا ورد شيء ولم يُعلم كيف تكلموا بمصدره فإنك تقيسه على هذا، أي: على هذا الكثير المسموع لا أنك تقيس مع وجود السماع، قال ذلك سيبويه والأخفش والجمهور.
|