٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
|
بدأ ابن مالك بالحديث عن مصدر الفعل الذي على وزن "فعّل" وهو فعل رباعي مزيد بتضعيف العين، هذا الفعل يأتي مصدره القياسي إذا كان صحيح اللام على وزن "التفعيل"، مصدره القياسي "التفعيل" مثل: سلّم تسليما، كلم تكليما قال تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً)) [النساء: ١٦٤]، وقالوا: طهّر تطهيرا، ووحّد توحيدا، ويسّر تيسيرا، وحوّل تحويلًا، وصيّر تصييرا، وقوّم تقويما، وكرم تكريما، وعلم تعليما، وقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب: ٥٦] تسليمًا ((وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) جاء مصدر الفعل الذي على وزن "فعّل" سلّم على وزن "التفعيل" التسليم.
|
 |
وهذه الأفعال جميعها التي مضت على هذا الوزن نلاحظ: أن لامها حرف صحيح، فإذا كانت على وزن "فعَّل" ولامها حرف علة، مثل: وصّى زكّى ولّى سمّى عزّى، هذه أفعال رباعية -أي ثلاثية مزيدة بتضعيف العين- وجميعها معتلة اللام، مصدرها القياسي أيضًا على وزن "التفعيل" كمصادر الأفعال السابقة صحيحة اللام، إلا أنها نظرًا لاعتلال لامها أحدث العرب فيها شيئًا من التغيير، فحذفوا ياء التفعيل، أي الياء الواقعة بعد العين وقبل اللام، حذفوا هذه الياء على سبيل الوجوب، وعوضوا منها التاء في آخر المصدر، وإذا حاولنا أن نعرف السر: لماذا حذفوا هذه الياء الواقعة قبل الآخر وبعد العين وعوضوا منها التاء في آخر الكلمة؟
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
فمثلًا لو جاء الفعل "وصى" لو أردنا أن نأتي بمصدره على "التفعيل" كما هو المصدر القياسي فسيقال: توصِيي، الوزن: "تفعيل" ثم بعد ذلك تدغم الياء الساكنة في الياء الأخيرة، فيتحول إلى "توصيّ" العرب استثقلوا الياء المشددة في الآخر هذه من ناحية فحذفوا الياء الزائدة قبله إحدى الياءين وهي الياء الزائدة قبل اللام، وعوضوا منها التاء، لكون التاء أقوى من الياء الأخيرة، وهي لام الكلمة أقوى على قبول الحركات من حرف العلة، فقالوا: توصية، فلو جاء المصدر على "التفعيل" كما هو المصدر القياسي في الأصل لقيل: توصيي، ثم تدغم الياء -ياء التفعيل- في لام الكلمة، فحول إلى: توصيّ، استثقلوا الياء المشددة في الآخر، فحذفوا إحدى الياءين وهي الياء الزائدة قبل اللام، وهي ياء التفعيل، ولم يتركوا اللام وهي حرف علة لتكون محلًّا لحركات الإعراب، بل عوضوا من الياء التي حذفوها تاء التأنيث الساكنة أو التاء الدالة على التأنيث؛ لكونها أقوى من حرف العلة بالنسبة لقبول الحركات بعد الحذف والتعويض، أصبح المصدر: توصية، على وزن "تفعيلة" وهكذا بقية الأفعال التي على وزن "فعّل" وهي معتلة اللام، فيقال: سمى تسمية، زكى تزكية، ولى تولية، عزى تعزية، أشار إلى ذلك ابن مالك بقوله:
وَزَكَّهِ تَزكِيَةً ... .... .... ...
|
|
 |
وربما حدث هذا التغيير في "فعّل" وهو صحيح اللام ولكن بقلة، نحو: ذكّر تذكرة، وجرّب تجربة، وبصّر تبصرة، وفرق تفرقة، وكمل تكملة. |
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
بعد هذا ننتقل إلى قياس وزن الفعل الذي على وزن "أفعل" وهو ثلاثي مزيد بالهمزة:
"أفعل" قد يكون هذا الفعل صحيح العين، مثل: أكرم، أحسن، أبعد، أعطى، أوجز، أيقن، فهذه الأفعال كلها على وزن "أفعل" أي: أنها رباعية أصلها ثلاثي مزيد بالهمزة، وهي أفعال صحيحة العين، هذه الأفعال التي على وزن "أفعل" وهي صحيحة العين يأتي مصدرها القياسي على "الإفعال"، فيقال: أكرم إكراما، أحسن إحسانا، أبعد إبعادا، أعطى إعطاءً وأصل كلمة إعطاء، أصلها: إعطاو؛ -من عطا يعطو- تطرفت الواو إثر ألف زائدة فأبدلت همزة، فيقال: أعطى إعطاءً، والأصل أعطى إعطاوًا، وقالوا. أوجز إيجازا، الأصل: أوجز إوجازا وقعت الواو ساكنة إثر كسرة فأبدلت ياء، فقالوا: أوجز إيجازًا، وقالوا: أيقن إيقانا.
|
 |
فقياس مصدر الفعل الذي على وزن "أفعل" إذا كان صحيح العين يأتي وزنه مطردًا على وزن مصدره، على وزن "إفعال"، قال ابن مالك: |
|
... .... .... ...وَأجمِلاَ |
إجمَالَ... .... .... ... |
|
أي أن "أفعل" صحيح العين يأتي على وزن "إفعال" كأجْمِل إجمالا، وأجمَل إجمالا. أجمَل إجمالًا فعل ماض، وأجمِل إجمالًا هو أجمل فعل أمر.
|
 |
أما الفعل الذي على وزن "أفعل" إذا كان معتل العين فقياس مصدره "الإفعال" كقياس صحيح العين، لكن يحدث في المصدر نظرًا لاعتلال عينه بعض التغيير، فنأتي إلى عينه فننقل حركتها إلى الفاء الساكنة قبلها، فتقلب العين ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فيلتقي ساكنان الألف المنقلبة عن العين وألف المصدر.
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
وبالمثال يتضح هذا الكلام، فمثلًا الفعل أقام: أقام فعل ثلاثي مزيد بالهمزة، فهو على وزن "أفعل" لو أتينا بمصدره على أصل القياس فيه وهو الإفعال لكان المصدر "إقوام"، "إقوام" على وزن "إفعال" نلحظ أن العين هنا حرف علة هي حرف الواو "إقو" "إفع" القاف فاء الكلمة الواو عين الكلمة الميم لام الكلمة، "إقوام" تلحظ أن: القاف وهي حرف صحيح حرف ساكن "إقْ" "إفْ" الواو هو حرف علة حرف متحرك العرب كانوا لا يتركون الأمر هكذا، بل أنهم كانوا ينزلون الحروف منازلها، فالحرف الصحيح أولى به الحركة لقوته، وحرف العلة أقوى أو أولى به السكون لأن حرف الصحة أشرف منه، والحركة أشرف من السكون؛ لأن السكون عدم الحركة، فمثل هذه الكلمة ينبغي أن ينقل فيها -الحركة التي فوق الواو فوق حرف العلة- ينقل هذا الفتح إلى الساكن الصحيح قبل الواو، وهو حرف القاف، فتتحول القاف من ساكنة إلى متحركة بالفتحة "إيقاف" والواو بعد أن كانت محركة في الأصل، ستصير بعد نقل حركتها ساكنة، ولكن يقال: إن تحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها -الآن- بعد نقل حركتها إلى القاف إلى الساكن الصحيح قبلها، وإذا تحركت الواو في الأصل أو في الحال وانفتح ما قبلها وجب قلبها ألفًا فتصير القاف مفتوحة وتصير الواو ألفًا والألف ساكنة، الألف لا تقبل الحركة، وبعد هذه الواو التي انقلبت ألفًا يوجد ألف وهي ألف المصدر "إقوام" "إفعال" هنا ألف قبل الآخر تسمى ألف المصدر، فالتقى ألفان: الألف التي كان أصلها الواو والألف التي هي ألف "الإفعال" ألف الإفعال ساكنة، والألف المنقلبة عن العين -عن الواو أعني- أيضًا ساكنة التقى ساكنان لا يجوز التقاء الساكنين في العربية، هذا لا يجوز؛ لأنه ليس من المواضع التي لا يجوز فيها التقاء الساكنين، وفي هذه الحالة ينبغي أن نتخلص من أحد الحرفين الساكنين، إما أن نتخلص من الساكن الأول -وهي الألف المنقبلة عن العين- أي: عن الواو، وإما أن نتخلص من الساكن الثاني وهي الألف الزائدة -ألف المصدر- ألف "الإفعال".
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
وانطلق انطلاقا، كسرنا الثالث وزدنا ألفا قبل الآخر فتحول الفعل إلى مصدر انكسر انكسارا انقاد انقيادا، والأصل من قاد يقود فأصل انقيادا: انقاد انقوادا فوقعت الواو عينًا لمصدر فعل أعلت فيه، وقبلها في المصدر كسرة وبعدها فأبدلت ياءً، انقاد انقيادا، انقضى انقضاء.
|
الأفعال السداسية
 |
ثم ننتقل إلى الأفعال السداسية: استخرج استخراجا أحدثنا نفس التغيرين كسرنا الحرف الثالث وزدنا ألف قبل الآخر، استعلم استعلاما استفهم استفهاما. قال ابن مالك: وما يلي الآخر مد وافتح يعني ما يليه الآخر:
|
|
وَمَا يَلِى الآخرَ مُدَّ وَافتَحَا |
مَع كَسرِ تلوِ الثَّانِ مِمَّا افتُتِحَا |
|
بِهمِزُ وَصلٍ .... .... ......
|
 |
قالوا: لكن ينبغي أن نقيد ما أوله همزة وصل بألا يكون أصل الفعل على وزن "تفاعل" مثل مثلًا "تطاير" فهنا يمكن أن يقال فيه "اطاير" بإبدال التاء الزائدة في بداية الفعل طاء وإدغام الطاء في الطاء وفي هذه الحالة الحرف المدغم بحرفين أوله ساكن والثاني متحرك بعد الإدغام تصير الطاء الأولى ساكنة وتدغم في الطاء الثانية وهي فاء الكلمة ولا يمكن للعرب أن يبدءوا كلامهم بساكن، ومن ثم تجتلب همزة وصل فتتحول الكلمة من تطاير إلى "اطاير".
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
وأيضًا: إذا كان الفعل على وزن "تفعل" كتطير يحدث فيه ما حدث في تطاير وهذا شيء جائز تطاير، تبدل التاء طاء ثم تدغم الطاء في الطاء ثم تجتلب همزة وصل لإمكان النطق بالساكن أو البدء بالساكن، فيقال: اطير الفعل الأول اطاير، ويقال في المضارع: يطاير اطايرا، واطير يطير اطيرا، وفي هذه الحالة نحن لا نحدث التغيرين اللذين أحدثناهما في الأفعال السابقة التي ليست على وزن "تفاعل" أو "تفعل" فنحن لا نكسر الثالث، وإنما نقول: اطاير اطايرًا، واطير اطيرا.
|
 |
ثم إذا أردنا أن نزن الأفعال هذه التي أحدثنا فيها هذه التغيرات ومصادرها التي كانت في الأصل على وزن تفعل وتحولت إلى الجلب همزة وصل في البداية أو تفعل تحولت إلى جلب همزة وصل في البداية أصلًا، نزن الأفعال والمصادر على حسب الوزن الأصلي فاطير التي أصلها تطاير اطاير إذا قيل لك: زن، هو على وزن "تفاعل" على حسب الأصل، والمصدر اطاير اطايرا.
|
 |
و"اطير" على اطيّرا على وزن "تفعّل تفعلا" كما هو الأصل.
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
قالوا: إن المصدر الأصلي القياسي للفعل الذي على وزن "استفعل" إذا كان معتل العين أن يأتي على وزن "استفعال" كما حدث في استخرج استخراجا، واستفهم استفهاما، واستعلم استعلاما، لكن ماذا لو كان الفعل استقام، استقام على وزن استفعل أيضًا كاستخرج واستفهم واستعلم، إلا أنه معتل العين لو أردنا أن نأتي بمصدره على استفعال؛ لوجدنا الأصل أن يقال: استقام استقوامًا، كلمة استقوام نجد حرف العلة وهو الواو حرف متحرك وقبله القاف وهو حرف صحيح، فالعرب يفعلون فيه ما فعلوا في إقوام حينما حولوه إلى إقامة، وإعوان حينما حولوه إلى إعانة بمعنى: أنه تنقل حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قبلها بحسب الآن، وإذا تحركت الواو في الأصل أو في الحال وانفتح ما قبلها تبدل ألفًا، فيلتقي في المصدر ألفان: الألف المنقلبة عن العين وألف المصدر فلا بد من حذف أحد الألفين، ويجري هنا أيضًا الخلاف الذي جرى في مصدر الفعل: أقام وأعان.
|
 |
يقول الخليل وسيبويه: إن المحذوف المعوض منه بالتاء هو الألف الزائدة ألف المصدر، وهو وزن استقامة واستعاذة استعاذ استعاذة استِفَعْلَة، استعادة استقامة استِفَعلة، والأصل: استقواما واستحواذا وقد حدث في كليهما ما حدث من قبل في إقامة وإعانة.
|
 |
و يقول الأخفش والفراء: إن نحو استقامة واستعادة الوزن استفالة لأن المحذوف عندهم إنما هو العين، أي: الألف المنقلبة عن العين، قال ابن مالك مشيرًا إلى هذا:
واستَعِذِ استِعاذَةً ... ....
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
ثم إن بعض الأفعال خارجة عن القياس قالوا إن ذلك وارد تنبيها على الأصل فقالوا: أغيمت السماء إغياما، أغيم على وزن "أفعل" والفعل معتل العين، فكان ينبغي أن يحدث فيه التغيير الذي حدث من قبل، ولكنهم أتوا به على وزن "إفعال" شأنه في ذلك شأن الفعل صحيح العين، فقالوا: أغيمت السماء إغيامًا، استحوذ الشيطان استحواذًا بتصحيح العين، قال تعالى:((اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)) [المجادلة: ١٩].
|
مصدر لفعل رابع
 |
ننتقل الآن إلى مصدر لفعل رابع، وهذا المصدر زائد على ثلاثة أحرف، وهو مصدر الفعل إذا كان على وزن "تفعلل" الرباعي المزيد بحرف، "تفعلل" هو مزيد بالتاء هنا في أوله، مصدره على وزن فعله كل ما هنالك أن نضم رابعة فيتحول الفعل إلى مصدر: تدحرج تدحرُجا، تجمل تجمُلا، تشيطن تشيطُنًا، تمسكن تمسكُنًا.
|
 |
وإذا كان الفعل مثل: توانى مصدره: التواني، والأصل: توانى توانيًا، يستحيل أن تنطق بياء مسبوقة بضمة، يجب إبدال الضمة كسرة ما دامت اللام ياء، وفي هذه الحالة تتحول إلى: توانى توانيًا.
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
مصدر الفعل الذي على وزن "فعلل" وما ألحق به
فنقول: إن الفعل الذي على وزن "فَعْلَل" بفتح الفاء واللام الأولى وسكون العين، وهو المجرد الرباعي وما ألحق به من الثلاثي الذي زيد عليه حرف واحد، وجعل مماثلًا لهيئته -لهيئة "فعلل"- في صورته، وتصاريفه المختلفة -من الماضي والمضارع والأمر- واسم الفاعل، واسم المفعول، وفي المصدر كذلك. ومن المعلوم: أن هذا الإلحاق إنما هو لضرب من التوسع في اللغة، مصدر هذه الأفعال كلها التي على وزن "فعلل" وبقية الأفعال الملحقة به أشار ابن مالك -رحمه الله تبارك وتعالى- في ألفيته إلى ما ينقاس مصدرًا لهذه الأفعال فقال:
|
فِعلاَلٌ أو فَعلَلَةٌ لِفَعللا |
وَاجعَل مَقِيسًا ثَانِيًا لاَ أوَّلا |
"فِعلاَلٌ أو فَعلَلَةٌ لِفَعللا" ذكر هنا وزنين لفعلل، أي: وما ألحق به، ثم قال: "وَاجعَل مَقِيسًا ثَانِيًا لاَ أوَّلا" أي: الوزن الثاني من الوزنين اللذين ذكرهما في هذا البيت هو فقط الذي يعده ابن مالك قياسيًا لوزن "فعلل" وما ألحق به، فابن مالك -رحمه الله تبارك وتعالى- ذكر لهذا الوزن من الأفعال غير الثلاثية مصدرين: الأول "فِعلال" بكسر الفاء وزيادة ألف قبل الآخر "فِعلال" والثاني "فعللة" بزنة الفعل الرباعي المجرد نفسه، نفس الزنة مع زيادة تاء مربوطة في آخره، ثم قال: وَاجعَل مَقِيسًا ثَانِيًا لاَ أوَّلاَ.
وتفصيل الأمر: أن وزن "فعللة" يأتي مصدرًا قياسيًّا، وهو المصدر الثاني الذي ذكره ابن مالك في البيت السابق، هذا الوزن يأتي مصدرًا قياسيًا مضطردًا في جميع الأفعال التي على وزن "فعلل" من الرباعي المجرد، وكذلك في الأفعال الملحقة بهذا الوزن، وسواء أكانت الأفعال الرباعية التي على وزن "فعلل" من قبيل المضعّف الرباعي أو المضاعف الرباعي أما كانت غير مضعفة.
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
وزن "فِعلال"، "فِعلال"

|
وننتقل الآن إلى وزن "فِعلال"، "فِعلال" بكسر الفاء وزيادة ألف قبل الآخر، هذا الوزن لا يعد مصدرًا قياسيًّا إلا في نوع واحد فقط من الأفعال السابقة، وهو المضعّف أو المضاعف الرباعي، فنقول: زلزل -كما قلنا- زلزالًا نقول: زلزلة، ونقول: وسوسة وِسواسًا وسوسة، وشوش وِشواشَا وشوشة، فنحن نلحظ: أن الرباعي المضعف الذي فاؤه ولامه الأولى من جنس واحد، وعينه ولامه الثانية من جنس واحد، جاء مصدره على وزنين قياسًا مضطردًا على وزن الأول، وهو "فعلل" وعلى الوزن الثاني وهو "فِعلال"، ولا يطرد "فِعلال" إلا في هذا النوع من الأفعال، وهي التي من قبيل المضعف الرباعي.
|

|
وإذا وجدنا هذا الوزن -وهو وزن "فعلال"- لو وجدناه في غير هذا النوع من الأفعال، أي: لو أننا وجدناه في غير المضعف الرباعي من الأفعال لعددناه -كما قال علماء الصرف- من المصادر السماعية، وليس من المصادر القياسية، ولذلك ابن مالك قال: فعلال وفعللة، ذكر هذا الوزن أولًا، وثنى "بفعللة" ثم قال: واجعل مقيسًا ثانيًا -أي: فعللة- لا أولًا -أي فعلالا، بمعنى: أن هذا المصدر وهو وزن "فعلال" لا يأتي قياسًا مضطردًا إلا في نوع واحد فقط، أما "فعللة" فهو يأتي قياسًا مضطردًا في كل ما كان على "فعلل" وما ألحق به.
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
وزن "فعلال" من غير المضعف الرباعي
ننتقل الآن إلى ذكر بعض ما جاء في هذا الوزن أو أحد ما سمع من هذا الوزن وهو وزن "فعلال" من غير المضعف الرباعي، ولذلك عده علماء الصرف سماعيًا، مثلا قالوا: سرهف الصبي، سرهف الصبي إذا أحسن غذاءه سرهافا ومن الطبيعي أنه جاء على سرهفة أيضًا وهو وزن المصدر القياسي ولم يسمع "فعلال" مثلًا: في دحرج كما قال الصيمري: لم يقل أحد من العرب ولم يسمع عنهم أن أحدا منهم قال: دحراج، وسمع في حوقل الرجل إذا كبر وعجز عن الجماع حيقالا قال ابن يعيش في (شرح المفصل) (٧/ ١٥٥): وربما جاء على "فيعال" أي جاء "فعلال" على "فيعال" نحو "حيقال" قال الشاعر:
|
يا قَوْمِ قَدْ حَوْقَلْتُ أَوْ دَنَوْتْا |
وَشَرُ حَيْقالِ الرِجالِ الموْتْ |
الخلاصة
 |
أن المضعف الرباعي يطرد في مصدره وزنان هما "فعلال" و"فعللة" أما غيره من الأفعال التي على وزن "فعلل" وما ألحق به فمصدرها القياسي "فعللة" لا "فِعلال".
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
ثم نقول: إن ما كان للمضعف الرباعي مصدران قياسيان؛ لماذا؟ قالوا: إن العلة في ذلك: تخفيف للثقل الحاصل بالتضعيف، ولذلك رأيناهم -أي رأينا العرب- لمزيد من التخفيف في هذا النوع بالذات -وهو المضعف الرباعي- يجوزون فتح فاء مصدره المكسورة، فيتحول "فِعلال" إلى "فعلال" للتخفيف أيضًا، لكن الأكثر أن يكون معنى مفتوح الفاء معنى اسم الفاعل لا معنى المصدر، فقد قال العرب: الزلزال، الزلزال بفتح الزاي الأولى، بمعنى المزلزل، والقَلقال بفتح القاف الأولى، يقال: قلقل الشيء قلقلة وقَلقالًا وقِلقالًا، أي: حركه فالقَلقال بفتح القاف الأولى بمعنى المقلقل، قال تعالى: ((مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاس)) [الناس: ٤] أي: الموسوس، ولهذا وصف بالخناس وما بعده، وهما من صفات الذوات لا من صفات المعاني.
|
قياس مصدر الفعل الذي على وزن "فاعل"
 |
وننتقل الآن إلى الحديث عن قياس مصدر الفعل الذي على وزن "فاعل" وهو ثلاثي المزيد بالألف الثانية "فاعل" فنقول: إن الفعل إذا كان على وزن "فاعل" ولم يكن فاؤه ياءً، أشار ابن مالك -رحمه الله تعالى- إلى ما يأتي قياسًا مصدرًا له بقوله:
لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَله .....................
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
معنى ذلك: أن مصدر هذا الفعل الذي على "فاعل" يأتي قياسًا مطردًا على وزنين، هما: "الفِعال" و"المفاعلة"، ومن أمثلة ذلك: ضارب ضِرابًا ومضاربة، لاحظوا أن الفاء ليست ياءً، وهذا شرط أساسي: ضارب ضرابًا ومضاربة، وقاتل قتالا ومقاتلة، وخاصم خصاما ومخاصمة، وكاتب كتابًا ومكاتبة، ونادى نِداء ومناداة، ونداءً أصله: نداوًا، فهذا المصدر فعله -كما قال علماء اللغة: وكما قال ابن يعيش في (شرح المفصل) (٨/ ١١٨): إنه مشتق من قولهم: ندى القوم إذا اجتمعوا فتشاوروا وتحدثوا ندوًا، ندى القوم ندوًا، وكانت لقريش في الجاهلية دار تسمى "دار الندوة".
|
وزن "الفعال" مصدر سماعي لا قياسي
 |
ثم ننتقل إلى القول بأن جمهور العلماء على أن وزن "الفعال" مصدر سماعي لا قياسي. |
 |
لاحظوا أن ابن مالك قال في الألفية:" لفاعل الفعال والمفاعلة".
ومعنى هذا أنه يرى أن هذا الوزن الذي قال عنه جمهور العلماء -وهو الفعال- شأنه شأن "مفاعلة" في كونه مصدرًا قياسيًّا للفعل "فاعل" بيد أن الجمهور قالوا: إن هذا الوزن يعد مصدرًا سماعيًّا لا قياسيًّا؛ لأنه لم يسمع في كثير من الأفعال التي على وزن "فاعل" فلم يرد مثلًا: جالس جلاسا، ولم يرد قاعد قعادا، وكون الفاعل مصدرًا سماعيًّا لا قياسيًّا هو ظاهر كلام سيبويه أيضًا، وليس مجرد كلام الجمهور، فقد قال في «كتابه» (٤/ ٨): وأما فعلت فإن المصدر منه لا ينكسر الذي لا ينكسر أبدًا "مفاعلة".
|
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
الكلمة الثانية المسموعة التي على وزن "الفعال" والتي وردت عن العرب: اليعار، وهي على وزن "الفعال" والفاء حرف الياء، لكنها ليست مصدرًا كذلك، فنحن نستبعدها من حيز المصادر؛ لأنهم قالوا: إن اليعار جمع يعر، فاليعار ينبغي على الرغم من أنها على وزن "الفعال" إلا أنه ينبغي أن نستبعدها أيضا من حيز المصادر، فهي ليست مصدرًا. |
 |
المصدر الوحيد الذي ورد على هذا الوزن، وهو وزن "الفعال" وفاؤه حرف الياء هو حكاه ابن سيده من قول العرب: ياومه يوامًا، أي: عامله بالأيام، أي: جعل أجره بالأيام على حسب الأيام، ياومه يواما كلمة يوام هي الكلمة الوحيدة التي جاءت عن العرب على وزن "الفعال"، وهي مكسورة الفاء مع أن الفاء حرف الياء فجاءت مخالفة للقياس، ومن ثم حكم العلماء على هذا المصدر وهو اليوام بالشذوذ، لكن ورد مياومة ومياومة على وزن مفاعلة، وهو المصدر القياسي الذي لم يتخلف.
|
وزن "الفعال" إذا ورد مصدرًا لفعل على وزن "فاعل" ليس يائي الفاء -
 |
عرفنا: أن هذا الوزن أصله "الفيعال" بياء بعد الفاء، وهذه الياء هي التي تقابل الألف الزائدة في فاعل، لماذا" لأن المصدر ينبغي أن يشتمل على جميع حروف فعله، وإن نقص عن حروف فعله فلا ينقص إلا في إحدى حالتين: إما في حالة تعويض هذا الناقص في المصدر، كما قالوا في "وعد" "عدة" بحذف الواو والتعويض عنها بالتاء المربوطة، وهذه هي الحالة الثانية ينقص المصدر عن حروف فعله لفظا ولكنه ينبغي أن يراعى وجوده في التقدير، وعلى ذلك قالوا: إن قاتل قتالا أصله: قيتال فلو نطق العرب قتالا بدون الياء فالياء مقدرة، ولذلك قالوا: إن هذه الياء إذا لم تكن في اللفظ فهي موجودة في التقدير، فالياء ثابتة في المصدر لفظًا أو تقديرًا. |
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
قال الرضي في «شرحه على شافية ابن الحاجب» (١/ ١٦٣): و"فعال" في "فاعل" مكسور "فيعال" والياء في مكان ألف فاعل. |
مصادر غير الثلاثي السماعية
وبعد أن عرفنا أوزان المصادر القياسية من غير ثلاثي وهو الرباعي والخماسي والسداسي، نختم هذا الموضوع بذكر بعض ما ورد مسموعًا عن العرب مخالفًا للأقيسة السابق ذكرها، وسنورد هذا المسموع بحسب ترتيب ما أوردناه في المصادر القياسية السابقة، وقد أشار إليه ابن مالك على الجملة فقال:
... ... .... .... ..... ..... وَغَيرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَه
ومعناه: أن ما ورد من مصادر غير ثلاثية على خلاف ما مر من الأوزان السابقة يحفظ ولا يقاس عليه، ومعنى قوله "السماع عادله" أي: كان السماع له عديلًا كما قال ابن عقيل -رحمه الله- في شرحه على الألفية، والعديل هو المثيل والنظير.
المصادر السماعية
ننتقل الآن إلى ذكر بعض هذه المصادر السماعية:
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
ما ورد في مصدر الفعل "كذّب" وهو على وزن "فعّل" وهو صحيح اللام، وقياس مصدره "التكذيب" كما قال ابن مالك: |
|
وَغَيرُ ذِى ثَلاَثةٍ مَقِيسُ |
مَصدَرِهِ كَقُدِّسَ التَّقدِيسُ |
|
وقد جاء على هذا القياس، فقالوا: كذب تكذيبًا، كما جاء فيه مسموعًا قولهم كذّب كذابا، قال تعالى: ((وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا)) [النبأ:٢٨] وقال عز وجل: ((لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّاباً)) [النبأ: ٣٥] على ذلك فهو مخالف للقياس، ولكنه فصيح في الاستعمال ما دام قد ورد في القرآن الكريم. |
 |
وأيضا ورد في مصدر الفعل "نزّى" وهو على "فعّل" كذلك إلا أنه معتل اللام، وثلاثي مزيد بتضعيف العين كسابقه، إلا أن الفرق بينه وبين سابقه: أن سابقه كان صحيح اللام، فجاء على التفعيل في القياس، وأن هذا على وزن "فعّل" إلا أنه معتل اللام، فينبغي -كما قال علماء الصرف- أن تحذف من مصدره ياء التفعيل، وأن يعوض عنها بالتاء المربوطة، فيقال في المصدر القياس "تنزية" وأصله من نزا الفعل ينزو بمعنى: وثب يثب، ونزّى معناه: أنزاه، فالتضعيف قائم مقام همزة التعدية أو الجعل أي جعله ينزو، أي: جعله يثب ويقفز، يقال كما قلنا: نزّى تنزية هذا هو القياس، كقولهم وصى توصية، وولى تولية بحذف ياء التفعيل والتعويض منها بالتاء، إلا أنه وقد ورد مسموعا نزى تنزيا، قول الراجز: |
|
باتت تنزي دلوها تنزيّا |
كما تنزي شهلة صبيا |
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
|
يصف امرأة بالضعف، وهي تجذب دلوها من البئر، فيقول: إنها تحركه حركة ضعيفة تشبه تحريك شهلة، -أي: تحريك امرأة عجوز- لطفل تداعبه وترقصه.
والشاهد في قوله "تنزيًا" حيث أورده الراجز على وزن "التفعيل" من غير أن يحذف ياء التفعيل ويعوض منها التاء، وقياسه "التفعلة" لكنه حمله على ما هو بمعناه، حمله حمل "نزى" على حرك، وكلاهما بمعنى واحد، ووزن واحد، وكما يقال: حرك تحريكًا قال: هو نزى تنزيًا.
|
مصدر سماعي آخر مخالف للقياس
 |
وأيضا ورد في مصدر الفعل "نزّى" وهو على "فعّل" كذلك إلا أنه معتل اللام، وثلاثي مزيد بتضعيف العين كسابقه، إلا أن الفرق بينه وبين سابقه: أن سابقه كان صحيح اللام، فجاء على التفعيل في القياس، وأن هذا على وزن "فعّل" إلا أنه معتل اللام، فينبغي -كما قال علماء الصرف- أن تحذف من مصدره ياء التفعيل، وأن يعوض عنها بالتاء المربوطة، فيقال في المصدر القياس "تنزية" وأصله من نزا الفعل ينزو بمعنى: وثب يثب، ونزّى معناه: أنزاه، فالتضعيف قائم مقام همزة التعدية أو الجعل أي جعله ينزو، أي: جعله يثب ويقفز، يقال كما قلنا: نزّى تنزية هذا هو القياس، كقولهم وصى توصية، وولى تولية بحذف ياء التفعيل والتعويض منها بالتاء، إلا أنه وقد ورد مسموعا نزى تنزيا، قول الراجز: |
٤.٥ مصادر الأفعال غير الثلاثية
 |
وننتقل الآن إلى الحديث عما سمع عن العرب من قولهم: ترامى القوم رميا، ترامى القوم رِمّيًّا بكسر الراء والميم المشددة والياء المشددة، فالفعل ترامى فعل خماسي مبدوء بتاء زائدة ولامه معتلة، ومصدره القياسي مع صحة اللام هو وزن الماضي مع ضم ما قبل آخره، يقال: تعلم تعلمًا وتفهَّم تفهما، ومصدره القياسي مع اعتلال لامه كالفعل ترامى هو الإتيان بصيغة الماضي كذلك لكن مع كسر ما قبل آخره؛ لتسلم اللام إن كانت ياءً من قلبها واواً فيما لامه ياء، مثل توانى توانيا، ولتقلب اللام ياء إن كانت واوًا، نحو: تدانى تدانيا من الدنو؛ لأنه لو لم تبدل الضمة كسرة لأبدلت الواو الواقعة طرفًا بعدها، أي: بعد الضمة لأبدلت واوًا، وقيل: توانوًا وتدانوا، ولا يوجد في الأسماء اسم معرب في آخره واو قبلها ضمة، فقول العرب: ترامى القوم تراميا بإبدال الضمة قبل الآخر كسرة جاء المصدر فيه على القياس. |
 |
أما قولهم: ترامى القوم رِميّا فقد جاء المصدر فيه مسموعا مخالفًا القياس. |
 |
وننتقل الآن ليتحول إلى كلمة جاءت مبدوءةً بالتاء الزائدة، وهي غير ثلاثية وجاء المصدر مخالفا للقياس كذلك، وهو الفعل "تحمّل" القياس تحمل تحمُّلا والفعل تملق تملقًا ولكن سمع تحمل تحمّالا وتملق تملّاقا، ونحن نلاحظ: أن كل ما ورد عن العرب من المصادر غير الثلاثية مسموعًا مخالفًا للقياس ورد كذلك موافقًا للقياس. |