١٧.٢ ما يجوز في الفضلة التالي للوصف العامل
يجوز في الاسم الفضلة الذي يتلو الوصفَ العاملَ أن ينتصب به، وأن ينخفض بإضافته إليه للتخفيف، مفردا كان أو جمعا، وقد قُرئ في السبع ((إنَّ اللهَ بالغُ أمرِهِ)) [الطلاق: ٣]، و((قل أفَرأيتُم ما تدْعون من دونِ اللهِ إنْ أرادَنِيَ الله بضُرٍّ هل هُنّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أو أرادَنِي برحمةٍ هل هن ممسكاتُ رحمتِه)) [الزمر: ٣٨]، بالوجهين: النصب والخفض، أي قُرئَ أيضا ((بالغٌ أمرَهُ))، وقُرئَ ((كاشفاتٌ ضُرَّهُ)) و((مُمسكاتٌ رحمتَه))، فآيةُ الطلاقِ قرأَها حفصٌ بالخفض، والباقون بالنصب، وآية الزُّمَر قرأَها غيرُ أبي عمرٍو بالخفض، وقرأَها أبو عمرٍو بالنصب، فالنصب على المفعولية، والخفض بالإضافة، وأمّا ما عدا التّالِىَ للوصف، فيجب نصبُه؛ لتعذُّرِ الإضافة بالفصل بالتالي، وإلى ذلك يشير قول الناظم:
وانْصِبْ بذِي الإعمالِ تِلْوًا ، واخْفِضِ وهْو لنصْبِ ما سِواهُ مُقْتَضِي
فمعنى قوله: "وانصِبْ بذِي الإعمال تِلْوًا، واخْفِضِ": انصِبْ بالوصف العامِلِ– أي المستوفِي شروطَ العمل– انصِبْ به ما يتلوه مباشرةً على المفعوليةِ بشرطِ أن يكونَ اسمًا ظاهرا، أو اخْفِضْه بسبب الإضافة، أي إضافة الوصفِ إليه من إضافةِ الوصف إلى معمولِه، ففي نحو: ما أنت اليومَ مُصاحِبٌ الغادِرَ –يصِحّ نصبُ كلمة "الغادرَ" باعتبارها مفعولا به لاسم الفاعل العامل، ويجوز جرُّها باعتبارها مضافا إليه، ويُؤخَّذ من ذلك أنه لا يُضاف إلى فاعلِهِ، وإنما يُضاف إلى مفعولِه، وحُكِيَ إضافتُه إلى الخبر في "أنا كائِنُ أخيكََ"، والأصل: أنا كائِنُ أخاكَ، فـ"أنا" مبتدأٌ، و" كائِنٌ" خبرُه، وفيه ضميرٌ مستترٌ تقديـرُه "أنا" هو اسمٌ لـِ"كائِنٌ"، و"أخاكَ" خبرُ "كائِنٌ"، وأُضيف– فيما حُكِيَ– اسمُ الفاعل العاملُ إلى خبرِه، وليس في هذا خرقٌ للقاعدة؛ إذ خبر الكونِ الناقص بمنزلة المفعول به للفعل التام.
١٧.٢ ما يجوز في الفضلة التالي للوصف العامل
الحافِظُو عورةَ العشيرةِ لا يأتيهِمْ مِن ورائِنا وَكَفُ
وقد مرَّ البيتُ وتخريجُه، والشاهد فيه هنا قوله: "الحافِظُو عورةَ" حيث حَذَفَ الشاعرُ النون من "الحافظونَ" ونصَبَ "عورةَ" باسم الفاعل المجموعِ جمعَ مذكر سالما قال سيبويه في الكتاب: لم يحذفِ النونَ للإضافة، ولا لِيُعاقِبَ الاسمُ النونَ، ولكن حذَفوها كما حذَفوها مِن اللَّذَيْنِ والّذِينَ، حيث طال الكلامُ وكان الاسمُ الأولُ منتهاهُ الاسمُ الآخَرُ". أ. هـ، يريد سيبويه أن قول الشاعر: "الحافظو عورةَ العشيرةِ" في معنى: الذينَ حفِظُوا عورةَ العشيرةِ، فأل في اسم الفاعل موصولة بمعنى الذي، والعرب تحذف النون من اللَّذَيْنِ والّذِينَ لطول الكلام بالصلة، قال الأخطل:
أبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا قَتَلاَ الملوكَ، وفَكَّكَا الأغلالاَ
الشاعر يهجو جرِيرا، وهو من كُليبِ بنِ يربوعٍ، وعمَّا الشاعر هما عمرٌو ومُرَّةُ ابنا كُلثومٍ، أمّا عمرُو بنُ كلثومٍ فقتَلَ عمرَو بنَ هندٍ، وأما مُرَّةُ فقتَل المنذرَ بنَ النُّعمانِ بنِ المنذر، والأغلالُ جمع غِلٍّ، وهو طَوْقٌ من حديد يُجعل في عنق الأسير، والشاهد في البيت حذْفُ النون من مثنى الاسم الموصول "اللَّذان"، الواقعِ خبرا لـ "إنَّ"؛ تخفيفا؛ لطول الصلة، ومثلُه قول أشْهَبَ بنِ رُمَيْلَةَ:
وإنَّ الذي حانتْ بفلْجٍ دِماؤُهُمْ همُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ
١٧.٢ ما يجوز في الفضلة التالي للوصف العامل
فلجٌ: اسم بلد أو مكانٍ، ومعنى حانتْ دماؤُهم: لم يُؤخذ لهم بِدِيَةٍ ولا قَصاصٍ، و"همُ القومٌ كلُّ القومِ": يعنِي: همُ القومُ الكاملون في قوميَّتِهِم، وشاهدُه حذفُ النونِ من "الذِينَ" استخفافا؛ لطول الاسم بالصلة، فلمّا حذَفوا مِن اللَّذَيْنِ والَّذِينَ النونَ لطول الاسم بالصلة، حذَفوا من الضَّارِبَيْنِ والضَّارِبِينَ، فأسقطوا النونَ بغير الإضافةِ.
وبناءًْ على ما تقدَّم ينبغِي أن تعلمَ أيها الدارسُ الكريمُ أنَّ حذْف النونِ من اسم الفاعل المثنى، أو المجموع مع نصْب ما بعده، لا يكون إلاَّ إذا كان اسمُ الفاعل مقرونا بالألف واللام، أمَّا إذا لم يكن فيه الألفُ واللامُ، فلا تُحذَفُ النون منه مع نصبِ ما بعده، بل لابدَّ أن يَجرَّ ما بعده حينئذِ بالإضافة، فنقول: هذانِ مُكرِِما عليٍّ، وهؤلاءِ مُكرِمو خالِدٍ، ولا يجوز غيرُ ذلك، قال الله تعالى مخاطِبا الظالمين: ((إنَّكم لَذائِِقُو العذابِ الأليمِ)) [الصافات: ٣٨]، وهي بإضافة اسم الفاعل إلى ما بعده؛ لكونِه مجردا من أل، وقرَأَ أَبانُ بنُ تَغْلِبَ عن عاصمٍ، وأبو السَّمَّالِ في روايةٍ: ((إنكم لذائقو العذابَ الأليمَ)) بحذْفِ النون ونصب ما بعده، فقيل: الحجةُ في هذه القراءةِ أنه أجرَى النونَ مُجرَى التنوين في حذْفِها لالتقاء الساكنيْنِ، ومع ذلك فقد حُكِيَ عن أبي زيدٍ الأنصاريِّ وغيرِه الحكمُ على هذه القراءةِ باللحن، قال أبو زيدٍ: كان أبو السَّمَّالِ يقرأ حرفا يلحَنُ فيه بعد أن كان فصيحا، وهو قوله سبحانه: ((إنكم لذائقُو العذابِ الأليمِ))، قال: يقرأُ العذابَ بالنصب، وجعلَه أبو زيدٍ لحنا، وقال أبو البقاءِ العُكبَريُّ في إملاءِ ما منَّ به الرحمن: "وقُرِئَ شاذًّا بالنصب، وهو سهْوٌ من قارئه؛ لأن اسم الفاعل تُحذَف منه النونُ ويَنصِب إذا كان فيه الألف واللامُ"، وما ذكرَه الناظمُ من إجازة الوجهين: النصبِ والخفض بذي الإعمال لِتِلْوِهِ: هو في التِّلْوِ الظاهرِ، أمّا المُضمَرُ المتَّصلُ فمذهب سيبويه من واقع...
١٧.٢ ما يجوز في الفضلة التالي للوصف العامل
...الكتاب أنّ الضمير كالاسمِ الظاهر؛ فهو منصوبٌ في نحو: المُكرِمُكَ؛ لأن الوصفَ المقرونَ بأل لا يُضاف عنده إلاَّ لِما فيهِ أل، أو إلى مضافٍ لِما فيه أل، أو المضاف إلى ضمير ما فيه أل، والضميرُ في المثال المذكور ليس واحدا منها، وهو مخفوضٌ مكحلا في نحو: مُكرمُكَ؛ لأنَّ حذفَ التنوين من الوصف دليلٌ على إضافتة إلى الضمير، ولعدم اقتران الوصف بأل، ويجوز في نحو: المكرِماكَ، والمكرِموكَ الوجهانِ: الخفضُ، والنصبُ؛ لأنه يَحتمل أن يكونَ حذْفُ النونِ للإضافة، فيكونَ الضميرُ في محل خفضٍ، وأن يكونَ للتخفيف وتقصير الصلة على النحو الذي مرَّ، فيكونَ الضميرُ في محل نصبٍ، ومذهب الأخفش وهشامِ ابن معاويةَ الضرير الكوفيِّ أنّ الضمير في نحو: مُكرِمُكَ في محل نصبٍ، كالهاء في نحو: الدرهمُ زيدٌ مُعطِيكَهُ، وفَرَقَ بعضُهم بين الهاءِ في المثال المذكور والكافِ فيما نحن فيه، بأنّ الهاءَ في المَقيس عليه مفصولةٌ بالكافِ، فلم يتأتَ فيها الجرُّ، بخلاف الكافِ في مُكرِمُكَ ونحوِه، ومذهب الجرميِّ، والمازنيِّ، وغيرِهما أن الضمير فيما كان الوصف فيه المحلى بأل مثنًّى، أو مجموعًا في محل خفض لا غيرُ؛ لأنّ حذفَ النون للإضافة هو الأصلُ، وحذفَها لطول الصلة ضرورةٌ تدعو إليه مع الضمير، بخلاف الظاهر، وقد فُهِمَ مِن تقديم الناظمِ في البيت السابق للنصبِ على الخفض أنّ النصبَ أوْلَى؛ لأنه الأصل، وقال الكسائيُّ: هما سواءٌ، وقيل: الخفضُ أوْلَى طلبا للخفةِ، وقولُ الناظمِ: "وهو لنصْبِ ما سواه مُقتضِي" معناه أن اسمَ الفاعل المستوفيَ شروطَ العمل إن كان له مفعولان أو ثلاثة، وأضيفَ إلى واحدٍ منهما –وجبَ تركُ الباقي على نصبه كما كان، نحو: أنا ظانُّ الجوِّ معتدلا، وهذا مُعطِي الفقيرِ ثوبا، وأنت مُعلِمُ الصديقِ الزيارةَ قريبةً أي: أن ما سوى التالي لاسمِ الفاعلِ العامل يقتضِي اسمُ الفاعل أن يكون منصوبا؛ لتعذُّرِ الإضافةِ بوجود الفصل بالتالي، نحو قوله تعالى: ((وإذ قال ربُّكَ للملائكةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرض خليفةً)) [البقرة: ٣٠]، فـ"جاعِلٌ" في الآية الكريمة فيه قولان:
١٧.٢ ما يجوز في الفضلة التالي للوصف العامل
 |
إما أن يكون بمعنى "خالِقٌ"، وحينئذٍ ينصب مفعولا واحدًا، وعليه يكون "خلِيفةً" مفعولاً به، و"في الأرض" يكون متعلِّقا بـ"جاعِلٌ"، أو بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من النكرة بعده. |
 |
وإمّا أن يكون "جاعـِلٌ" بمعنى "مُصَيِّرٌ" فينصبَ مفعولين، أولُهما "خليفةً"، وثانيهِما الجارُّ والمجرورُ "في الأرض"، وأيًَّامّا كان الجارُّ والمجرورُ، فهو معمولٌ لاسمِ الفاعل، سواءٌ أكان متعلِّقا به، أم كان مفعولاً ثانيا له، وقد فَصَلَ بينه وبين "خليفةً"، فلم يُضَفِ اسمُ الفاعلِ إلى "خليفةً"؛ لوجود الفاصل بينهما، ويستثنَى من هذه القاعدةِ: أن يكون ما سوى التالي فاعِلاً، فإن كان فاعِلاً وجَبَ رفعُه، مثل: هذا مُكرمٌ خالدًا أخوه، الأصل: هذا مكرمٌ أخوه خالدًا، فأخوه فاعلٌ لاسم الفاعلِ، فوجَبَ رفعُه مع كونه مفصولا عن الوصف العامل، فإن كان الوصفُ غيرَ عاملٍ، فإنه يتعيَّن في تِلوِهِ الجرُّ بالإضافة، وأما غيرُ تِلوِهِ فلا بدَّ من نصبه مطلقا، أي سواءٌ أكان واحدًا أم أكثرَ، نحو: هذا معطِي الفقيرِ أمسِ جلبابا، ومُعلِمُ بكرٍ أمسِ خالدًا قائمًا، والناصب لغير التِّلوِ في هذين المثالين ونحوِهما فعلٌ مضمرٌ، لا اسمُ الفاعل المذكور؛ لعدم عملِه، ولا اسمُ فاعلٍ مقدَّرٌ؛ لأنه بمعنى المذكور وهو غيرُ عاملٍ، وأجاز السِّيرافِيُّ أن يكون الناصبُ لغير التِّلْوِ في نحو المثالين السابقين اسمَ الفاعل المذكورَ، وليس فعلا مضمَرا؛ لأنّ اسمَ الفاعل قد اكتسَبَ بالإضافةِ إلى المفعول الأولِ شبَهًا بمصحوب الألف واللام، أي من حيثُ امتناع التنوينِ في كلٍّ، ومصحوبُ الألف واللام يعمل ولو كان بمعنى الماضي، كما في المثالين السابقين ورجَّحَ أبو الحسن الأُشمونيُّ ما ذهبَ إليه السيرافيُّ، وُقَوَّاهُ بقولَهم: "هو ظانُّ زيدٍ أمسِ قائِمًا"، ذاكِرا أنّ "قائِمًا" في هذا القول يتعيَّنُ أن يكون منصوبا باسم الفاعل الواقعِ خبرا فيه، وهو "ظانُّ" المضافُ إلى مفعوله الأول "زيدٍ"؛ إذ لو قُدِّرَ أنَّ "قائِما" منصوب بمضمرٍ، على أنه مفعول ثانٍ لهذا المضمر، أي: ظننتُه قائما، للزِمَ حذْفُ... |
١٧.٢ ما يجوز في الفضلة التالي للوصف العامل
|
...أول مفعولَيْ هذا الناصبِ المضمر، وحذْفُ ثانِي مفعولَيْ "ظانُّ" المذكورِ، وذلك ممتنِعٌ؛ إذ لا يجوز الاقتصارُ على أحد مفعولَيْ ظَنَّ، أي لا يجوز حذْفُ أحدِ المفعولينِ من غير دليلٍ يدل عليه، وهذا معنى الحذفِ الاقتصاريِّ، وذكَر ابنُ هشام أنه مما يُقَوِّي رأيَ السيرافيِّ أيضا في أن اسم الفاعل في المثالين هو الناصبُ أنه طالِبٌ للمنصوبِ المذكور في المعنى، فهو مقتَضٍ له، فلا بدَّ من عمله فيه؛ قياسا على غيره من المقتضِيات، ولا يجوز أن يعمل فيه الجرَّ؛ لأن الإضافة إلى المفعول الأول منعتِ الإضافةَ إلى المفعول الثاني، ولم يُسلِّم له الصبانُ في حاشيته عليه هـذا الترجيحَ، فاعترضه بأنَّ الحذف هنا اختصاريٌّ (يعنِي لدليل)، لا اقتصارِيٌّ (يعنِي لغير دليل كما رأى الأُشمونيُّ)؛ وذلك لدلالة المذكور من مفعولَيْ كلٍّ من الناصبِ المضمرِ و" ظانُّ" المذكورِ على المحذوف من مفعولَيِ الآخَرِ، على أنّ ابنَ هشامٍ صرَّحَ في نحو: زيدًا ظننتُهُ قائِما، بأنه لا يُقَدَّر مفعولٌ ثانٍ لظنَّ المحذوفةِ، نقَلَه عنه يّس، فعلى هذا لا يُقّدَّر مفعولٌ ثانٍ لـ"ظانُّ"، ومعنى ما نقله الشيخ يّس عن ابن هشام رحمهما الله تعالى أنَّ زيدًا في نحو: زيدًا ظننتُه قائما، مفعولٌ أولُ لظنَّ المحذوفةِ التي يُكتفى معها بمفعولٍ واحدٍ فقط؛ اعتمادًا على أنّ المذكورةَ معها المفعولان، ففي المذكور غُنيةٌ عن المحذوف، ولا يُقَدَّر للمحذوفة مفعولُِها الثاني، فلا يقال: إنّ التقدير: ظننتُ زيداً قائما ظننتُه قائما، فحُذِفَ الفعل الأول مع مفعوله الثاني؛ لدلالة ما ذُكِرَ عليهما، وبناءً على ما صرَّحَ به ابنُ هشامٍ لا يُقَدَّر لاسم الفاعل "ظانُّ" مفعولٌ ثانٍ، وذكَرَ الصبان أنَّ بعض النحويين ضعَّفَ ما قاله الأشمونيُّ من أنّ اسمَ الفاعل في المثالين المذكورين ونحوهما، مقتضٍ للعمل في المذكور في المعنى فلا بدَّ أن يعمل فيه، بأنّ الاقتضاء لا يكفي إلا مع المشابهةِ القويّةِ بالفِعلِ الذي هو الأصلُ في العمل، وهذه المشابهة القويةُ غيرُ موجودة فيما نحن فيه، فبطَل القياسُ عليه، وردَّ بعضُ النحويين هذا التضعيفَ بأنّ الاقتِضاءَ يكون غيرَ كافٍ بالنسبةِ للنصب على... |
١٧.٢ ما يجوز في الفضلة التالي للوصف العامل
|
...على المفعوليةِ أصالةً، والنصبُ هنا ضرورةٌ لا أصالة؛ وذلك لتعذُّر الجرِّ، فكان النصبُ عِوضا من الجرِّ، لا بالأصالةِ. |
نُشير هنا من باب إتمام الفائدة، وإكمال النفع في ضوء ما درسناه من إعمال المصدر في الباب السابق وإعمال اسمِ الفاعل في هذا الباب إلى أهم ما يُستَخلَص من أوجه الافتراق بين إعمال المصدر، وإعمال اسم الفاعل، حتى لا يلتبس عليكَ الأمرُ بينهما أيها الدارسُ العزيز، فنقول من أهمِ الفُروق بين الإعمالَين أنّ اسمَ الفاعل يُضافُ إلى مفعولِهِ، ولا يُضافُ إلى فاعلِه، إلاَّ إذا أُريدَ به الثبوتُ والدوامُ، وحينئذٍ يخرج من بابه إلى باب الصفة المشبهة، كما سنتحدث عن ذلك لاحقا إن شاء اللهُ تعالى، وإنما لا يُضاف اسم الفاعل- الباقي على مدلوله الذي عرَفناه فيما تقدَّمَ- إلى فاعلِهِ؛ لأنه هو الفاعِلُ، ولا يُضاف الشيءُ إلى نفسه، أما المصدر فكما عرفتَ في بابه يُضاف إلى الفاعل ويضاف إلى المفعول، ومن الفروق أيضا بين الإعمالين أن اسم الفاعل يعمل بحقِّ الشَّبَه بالفعل، فتقيَّدَ عملُه عند سيبويه، والجمهور بما هو شبهُه وهو المضارعُ، فلم يعمل إلاّ إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، أما المصدرُ فيعمل عمل الفعل؛ لأنه هو الأصلٌ والفعل فرعُه، فلم يتقيدْ عملُه بزمان دون زمان، بل يعمل عمل الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنه أصلٌ لكل واحدٍ منها، ومن الفروق كذلك أن المصدر يعمل معتمِدًا وغيرَ معتمِد، واسم الفاعل لا يعمل عند سيبويه والجمهور إلا معتمدا، ومنها أنّ اسم الفاعل يُضمر الفاعلُ فيه، أما المصدر فيُحذَف منه الفاعلُ، وإنما أُضمر الفاعل في اسم الفاعل؛ لأنه مشتقٌّ من الفعل، فأضمروا فيه الفاعل، كما أضمروه في الفعل، أما المصدر فهو بعكس ذلك؛ إذ هو الأصل، والفعلٌ مشتقٌّ منه، ومنها أنّ اسمَ الفاعل قد يتقدَّم عليه منصوبُه كما يتقدَّم على الفعل، وذلك مثل قولنا: هذا ذا الأخلاقِ الكريمةِ مُكرِمٌ، والأصل: هذا مُكرمٌ ذا الأخلاق الكريمةِ، والمصدر لا يتقدَّم عليه منصوبه كما عرفنا في بابه. نكتفي بهذا القدر، وإلى الملتقى على الخير إن شاء الله تعالى في درس قادم.