١٧.١ مثنَّى اسمِ الفاعل، وصيغِ المبالغة وجمعُهُما، كمفردِهِنَّ في العمل والشروط


تثنية اسمِ الفاعِلِ وجمعه تصحيحا وتكسيرا، تذكيرا وتأنيثا، وتثنية أمثلة المبالغة وجمعها، كمفردهنّ في العمل والشروط، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
                                             وما سِوَى المفردِ مِثلَهُ جُعِلْ في الحكم والشروط حيثما عَملْ
ومعنى البيت أنّ اسم الفاعل وصيغَ المبالغة، لا تتغيَّر أحكامُهُما وشروط إعمالِهما في غير الإفراد، فالأحكام والشروط السابقةُ كلُّها مطَّرِدةٌ في الإفراد وغيرِه؛ لأنه قد تقدَّم أن اسمَ الفاعل محمولٌ على الفعل في العمل، لكنّ اسمَ الفاعل يُثنَّى ويُجمع على حسَب ما يكون له من الفعل، فتثنيتُه وجمعُه لا يُخرجانِه عن جرَيانِهِ مجرَى الفعل، أمّا المثنّى وجمعا السلامةِ (أي: جمعُ المذكَّر السالمُ، وجمعُ المؤنث السالمُ)، فظاهرٌ فيهِما هذا الجرَيانُ؛ لبقاء صيغة الواحِد التي بها كان اسمُ الفاعل يُشابه الفعلَ فيهما؛ لأنه يسلم فيهما لفظُ الواحد، والواحدُ جارٍ مَجرى الفعل، وزيادة التثنية أو الجمع تَجرِي مَجرى الزيادتيْنِ اللاحِقتيْنِ للفعل، فتقول: هذانِ فاهِمانِ الدرسَ، كما تقول: يفهمانِ الدرسَ، وهؤلاءِ فاهمون الدرسَ، كما تقول: يفهمون الدرسَ، وأمّا جمع التكسير– مع أنه لم يسلم فيه بناءُ الواحدِ– فقد أجرَوْهُ مُجرَى الجمع السالم؛ إذ كانا جميعا جمعَيْنِ، كما أنه نظيرُ الجمع السالم في كونه فرعَ الواحدِ، وصيغُ المبالغةِ فروعٌ لاسمِ الفاعلِ، فجرَى مثنَّاها وجمعُها على ما جرَى عليه مثنى اسمِ الفاعلِ وجمعُهُ في الجرَيانِ مَجرَى الواحدِ في العمل والشروط، والشواهدُ على ما تقدَّمَ كثيرةٌ:


١٧.١ مثنَّى اسمِ الفاعل، وصيغِ المبالغة وجمعُهُما، كمفردِهِنَّ في العمل والشروط


إعمال اسم الفاعل المثنَّى
فمن إعمال اسم الفاعل المثنَّى قولُ عنترةَ العبسيِّ:
                                         والنّاَذِرَيْنِ إذا لَمَ ألْقَهُما دَمِي           الشَّاتِمَيْ عِرْضِي ولمْ أَشْتُمْهُما
قوله: "الشاتِمَيْ عِرضي": أراد بهما حُصَيْنًا ومُرَّةَ ابنَيْ ضمْضمٍ، كانا يَشتُمانِهِ ويَنذِرانِ على أنفُسِهِما قتلَه إذا لقِياه، ويقولان ذلك في الخلاء، فإذا لقِياهُ أمسكا عن ذلك هيبةً له، وشتَمَ ونذَرَ من بابَيْ ضربَ ونصَرَ، والشاهد فيه إعمال اسم الفاعل المثنَّى، فـ"دَمِي" منصوب بـ"الناذرَيْنِ" وهما تثنية ناذِر، وأراد بدمِي: قتلِي.

إعمال اسم الفاعل جمعا
ومن إعمال اسم الفاعل جمعا قولُه تعالى: ((والذاكِرينَ اللهَ)) [الأحزاب: ٣٥]، فـ((الذاكرين)) جمع ذاكِر، وهو جمع مذكرٍ سالمٌ، وفاعله ضمير مستتر فيه، ولفظ الجلالة منصوب به، ولا يحتاج إلى شروط لاقترانه بأل، وقولُه تعالى في قراءة أبي عمرٍو، وعاصمٍ في رواية الكسائيِّ عن أبي بكرٍ عنه ((هل هُنَّ كاشفاتٌ ضُرَّه)) [الزمر: ٣٨]، فـ((كاشفاتٌ)) جمع كاشِفة، وهو جمعُ مؤنثٍ سالمٌ، وفاعلُه ضمير مستتر فيه، و((ضُرَّهُ)) مفعولُه، وهو معتمدٌ على المبتدإ، ومثل ذلك في الآية الكريمة نفسها في القراءة المذكورة ((هل هُنَّ مُمْسِكاتٌ رحمتَه))، وقولُه تعالى: ((خُشَّعًا أبصارُهم يخرجون من الأجداث كأنهم جرادٌ منتشِر)) [القمر: ٧]، فـ((خشعا)) جمع خاشع، وهو جمع تكسير، و((أبصارُهم)) فاعلُه، وقد عمل اسم...


١٧.١ مثنَّى اسمِ الفاعل، وصيغِ المبالغة وجمعُهُما، كمفردِهِنَّ في العمل والشروط


...الفاعل المجموعُ لاعتماده على صاحب الحال، وهو واوُ الجماعة الواقعةُ فاعلا في قوله ((يخرجون))، وجاز تقدُّمُ الحال على عاملها؛ لأن العامل فعلٌ متصرِّفٌ، وقولُ أبي كَبيرٍ الهُذَلِيِّ:
                                         مِمَّنْ حمَلْنَ بهِ وهُنَّ عَوَاقِدٌ           حُبُكَ النِّطاقِ فَشَبَّ غَيرَ مُهَبَّلِ

البيت من قصيدةٍ يمدح بها أبو كبيرٍ الهُذَليُّ تأبَّطَ شرًّا، وكان زوجَ أمِّهِ، يقول: هو يُعَدُّ رجلا شهمَ الفؤاد ماضيا في الرجال، فهو مِمَّن، أي منَ الفِتيان الذين حمَلتْ بهم أمَّهَاتُهم مُكرهاتٍ، أي غيرَ راغباتٍ في القيام بواجباتهِنَّ نحوَ أزواجِهِنَّ، فغلَبَ عليه شبَهُ الآباء وخرجَ مذكَّرا، وقد عبَّر عن ذلك بقوله: "وهنَّ عواقِدٌ حُبُكَ النِّطاقِ"، والشاهد في نصْبِ: "حُبُكَ النِّطاقِ" بـ"عواقِدٌ"، وهو جمع تكسيرٍ لعاقِدةٍ، وعاقِدةٌ تعمل عمل الفعل المضارع؛ لجريانها على لفظه ومعناه، فجَرَى لفظُها في العمل مَجراها، ونوَّن الشاعر "عواقِدٌ" مع أنه على صيغة منتهى الجموع للضرورة الشعرية، وحُبُكُ النِّطاقِ: مَشَدُّهُ، واحدُها: حِباكٌ، وهو من: حبَكْتُ الشيءَ، إذا شددْتَه وأحكمْتَه، والنِّطـاقُ: شِبْهُ إزارٍ تلبسُهُ المرأةُ، وقيل: ثوبٌ تلبسُه المرأةُ، ثم تشُدُّ وسطَها بحبلٍ، وتُرسلُ الأعلى على الأسفل، تُقيمُه مَقامَ السراويل، والمُهَبَّلُ: بتشديد المُوحَّدةِ المفتوحةِ: المعتوهُ الذي لا يتماسك، وقيل: مَن هبَّلَهُ اللحمُ، أي كثُرَ عليه وركِبَ بعضُه بعضًا، وقولُ العجَّاجِ:
                                                         أَوَالِفًا مكَّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِي


١٧.١ مثنَّى اسمِ الفاعل، وصيغِ المبالغة وجمعُهُما، كمفردِهِنَّ في العمل والشروط


من رجزٍ للعجّاج، وقد أورده سيبويه في الكتاب بلفظ: "قواطنا مكةَ"، وبلفظ: "أوالفا مكةَ"، والقواطِنُ: جمع القاطنة، أي: الساكنةِ، والأوالِفُ: جمع الآلِفةِ على فواعِل، وصرفَه للضرورة الشعرية والوُرقُ: جمع الوَرْقاءِ، وهي أنثى الأوْرقِ، وأراد الحمامَ الأبيضَ الذي يضرب لونُه إلى سوادٍ، فالراجزُ أراد: مِن وُرقِ الحمامِ، فاقتطعَ بعض المضاف إليه للضرورة؛ قيل: حذَفَ الميمَ في غير النداء للضرورة، ثم قلَب الكسرةَ فتحةً والألف ياءً، والشاهد في قوله: "أوالفا مكةَ" حيث نصَبَ "مكةَ" بأوالفَ الذي هو جمع تكسير لاسمِ الفاعل.

إعمال صيغِ المبالغة في غير الإفراد
ومن شواهد إعمال صيغِ المبالغة في غير الإفراد قولُ طرَفةَ بنِ العبدِ مفتخِرا بقومه:
                                         أُسْدُ غاباتٍ إذا ما فُزِّعُوا غيرُ أنكاسٍ، ولا عُوجٍ دُثُرْ
                                         ثُمّ زادُوا أَنَّهم في قومِهِمْ غُفُرٌ ذَنْبَهُمُ غيرُ فُخُرْ
شبَّه قومه بالأُسْدِ التي تسكنُ الغاباتِ، فإذا تعرَّض لها شيءٌ قاتلتْ عن أشبالها، والأنكاسُ: حمع نِكْسٍ، وهو من الرجال الرديءُ الذي لا خيرَ فيه، ومن السِّهام: هو المنكوسُ، أي المقلوبُ النصْلِ لانكسار موضع الوتَرِ منه، والعُوجُ: جمع الأعوجِ، يريدُ أعوجَ الخِلْقةِ، والدُّثُرُ: جمع الدَّثورِ: أي المتزملِ بالثياب الملتفِ منَ الكسل وضعف البدَن والهِمّةِ، ثم زادوا على الفضائل التي فيهم أنهم إذا جنَى عليهم بعضُ قومهم، صفحُوا عنه، مع قدرتهم على الانتقام منه، وأنهم لا يفخَرون على قومهم وإن كانوا أفضل منهم، والشاهد في الرجز قوله: "غُفُرٌ ذنبَهُمُ"؛ فـ"غُفُر" جمع غَفور من...


١٧.١ مثنَّى اسمِ الفاعل، وصيغِ المبالغة وجمعُهُما، كمفردِهِنَّ في العمل والشروط


...أمثلة المبالغة، وفاعله ضميرٌ مستتر فيه، و"ذنبَهم" مفعوله، واعتماده على اسم "أَنَّ" المفتوحة على تقدير دخول الباء عليها، و"فُخُر" جمع فَخُور من الافتخار، والإضافةُ في قوله: "ذنبَهُمُ" لأدنَى ملابسةٍ، وفي رواية ابن السِّيرافيّ: "غُفُرٌ ظلمَهُمُ"، وقولُ الكُميتِ:
                                         شُمٍّ مَهاوِينَ أبدانَ الجَزُورِ مخَا مِيصِ العَشِيَّاتِ لا خُورٍ ولا قَزَمِ
اشتمل البيت على أربعة أوصافٍ مجرورةٍ؛ لكون الموصوف مجرورا في البيت قبله، والشُّمُّ: جمع الأشمِّ، وهو وصفٌ مِن الشَّمَمٍ، وهو ارتفاعٌ في قصَبةِ الأنفِ مع استواء أعلاهُ، وشُمُّ الأنوفِ كنايةٌ عن العِزَّةِ والأَنَفةِ، و"مهاوينَ": جمعٌ على صيغة منتهى الجموع، ولذلك كانت علامةُ جرِّهِ الفتحةَ، وهو جمع مِهوانٍ، على مِفعالٍ، وهي من صيغ المبالغةِ، و"أبدانَ الجَزُورِ": جمعُ بدَنَةٍ، وهي الناقةُ المُسََمَّنَةُ المُتَّخَذَةُ للنَّحْر، وكذلك "الجزورِ"، وعليه تكون الإضافةُ من قبيل ما ورد من إضافةِ المترادفَيْنِ، يريد أنهم يُهِينونَ أبدانَ الجَزورِ للأضياف والمساكين، أو جمع بَدَنٍ، وهو من الجسد ما سِوَى الرأس واليديْنِ والرِّجلينِ، ويكون الشاعرُ قد آثَرَ ذكْرَه على غيره لإفادة وصفهم بالكرم؛ فإنهم إذا فرَّقوا أفضلَ لحمِ الجَزورِ، فتفريقُهم ما سواه يكون بالطريق الأَوْلَى، والإضافةُ حينئذٍ من إضافةِ بعضٍ إلى كلٍّ، ويروى: "أبْداءَ الجَزورِ"، وهو جمعُ بَدْءٍ، وهو أفضلُ الأعضاءِ، وقولُه: "مَخامِيصِ العَشِيَّاتِ" جمعُ مِخماصٍ مبالغة خَميصٍ، من خمُصَ الشخصُ خُمْصًا فهو خَميصٌ، إذا جاعَ، والمخمَصةُ: المجاعةُ، يريد أنهم يُؤَخِّرونَ العَشاءَ لأجل انتظارِهِم ضيفا يطرُق، فبطونُهم خمِيصةٌ في عَشِيَّاتِهِم لتأخُّرِ الطعامِ عنهم، والخُورُ جمع الأخورِ، وهو الضعيف، والقَزَمُ بالتحريكِ: رِذالُ الناسِ وسَفِلَتُهُم، يقال للذكر والأنثى والواحد والجمع بلفظ واحد، والشاهد في قوله: "مَهاوِينَ أبدانَ" حيث أعمل الشاعر جمعَ صيغةِ المبالغة عملَ المفردِ.