١٦.٢ إعمال صيغِ المبالغة


تُحوَّل صيغةُ "فاعِل" للمبالغة في الفعل والتكثير فيه إلى وزنِ من أوزانٍ خمسة تسمّى أمثلةَ المبالغة، أو صيغَ المبالغة، وهي:

الوزن الأولُ: (فَعَّالٌ) –بفتح الفاء، وتشديد العين- كضَرّاب.
الوزنُ الثاني: (فَعُولٌ) –بفتح الفاء، كضَرُوب.
الوزنُ الثالث: (مِفْعَالٌ)– بكسر الميم، كمِضْراب.
وهذه الأوزان الثلاثة تستعمل بكثرة، وإليها أشار الناظم بقوله:
                                    فَعَّالٌ، أو مِفْعالٌ، أو فَعولُ بكثرة           أعن فاعِلٍ بديلُ فيستحقُّ ماله مِنْ عَمَلِ


الوزنُ الرابعُ: (فَعِيلٌ)– بفتح الفاء، وكسر العين وبعدها ياء، كضَرِيب.
الوزنُ الخامسُ: (فَعِل)– بفتح الفاء، وكسر العين من غير ياء، كضَرِب، وهذان الوزنان يستعملان بقلة، وإليهما أشار الناظم بقوله:
                                              وفي فَعِيلٍ قَلَّ ذا، وفَعِلِ
وتعمل أمثلة المبالغة عمل اسم الفاعِل بشروطه المتقدمة، وهذا معنى قول الناظم: "فيستحقّ ما له من عمل"، وإليكَ أيها الدارسُ العزيزُ شواهدَ إعمالها:


١٦.٢ إعمال صيغِ المبالغة


إعمال (فَعَّالٍ)
فمن إعمال (فَعَّالٍ) قول الشاعر:
                                       فَإنْ تَكُ فاتَتْكَ السماءُ فإِنَّنِي           بِأَرْفَعِ ما حَوْلِي مِنَ الأرضِ أَطْوَلاَ
                                       أخا الحربِ لَبَّاسًا إليها جِلالَها           وليسَ بِوَلاَّجِ الخَوَالِفِ أَعْقَلاَ
فنصبَ "جِلالَها" بـ"لَبَّاس"؛ لاعتماده على صاحب الحال قبله، وذلك؛ لأن "أخا الحرب"، و"لبَّاسًا" حالان صاحبهما ضمير المتكلم الواقعُ اسما لـ"إِنَّ" في قوله في البيت الأول "فإنَّني"، وأراد بـ"الجِلال": ما يُلبس في الحرب من الدروع وغيرها، و" الولاَّجُ" مبالغة في وَلِجَ من الوُلوج وهو الدخول، و"الخوالِف" جمع خالِفة، وهي في الأصل عِماد البيت، وأراد بها البيتَ نفسه، و"أعقَلا" من العقل يقال: أعقلَ الرجلُ، إذا اضطربتْ رجلاه من الفزع، ونصبَه على الحال من اسم "ليس".

إعمال (فَعُولٍ)
ومن إعمال (فَعُولٍ) قول أبي طالبٍ عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم يَرثِي زوجَ ابنته أميّةَ بنَ المغيرةِ المخزومىَّ:
                                              ضَروبٌ بنصْل السيفِ سُوقَ سِمانِها إذا عَدِموا زادًا فإنكَ عاقِرُ



١٦.٢ إعمال صيغِ المبالغة


فنصَب "سُوقَ" وهو جمع ساقٍ بـ"ضروب"؛ لاعتماده على ذي خبرٍ محذوف، أي: هو ضروبٌ، أو أنت ضروب، ونصلُ السيف: شفرتُه، والمراد أنه كان ينحر الإبل السمانَ للضيفان عند عدم الزاد.

إعمال (مِفعالٍ)
ومن إعمال (مِفعالٍ) ما حكى سيبويه عن بعض العرب من قولَه: "إنَّه لَمِنْحارٌ بَوَائِكَها"، فنصَب "بوائكَها" وهو جمع بائكةٍ، وهى السمينة الحسناء من النوق بـ"مِنحار" –الذي هو صيغةُ مبالغةٍ فى ناحِر؛ لاعتماده على مخبرٍ عنه وهو اسم "إنَّ".

إعمال (فَعِيلٍ)
ومن إعمال (فَعِيلٍ) قولُ بعض العرب: "إنَّ اللهَ سميعٌ دعاءَ من دعاه"، فـ"دعاءَ" مفعولٌ به منصوبٌ بسميع، وهو من صيغ المبالغة، ومنه قولُ الشاعر:
                                              فتاتانِ أَمَّا منهما فَشَبِيهَةٌ هِلالاً ، وأُخرى منهما تشبه البدرَا
فنصَب "هلالاً" بـ"شبيهة"، وهي صيغةُ مبالغةٍ في مُشْبِهة؛ لاعتمادها على ذي خبرٍ محذوف، والتقدير: أَمَّا فتاةٌ منهما فشبيهةٌ هلالا، فأعملَ شبيهةً أنثى شبيهٍ، وهو من صيغ المبالغة.



١٦.٢ إعمال صيغِ المبالغة


إعمال (فَعِلٍ)
ومن إعمال (فَعِلٍ) قول زيد الخيل الذي سمي بذلك؛ لأنه كان له خمسة أفراس مشهورة فأضيف إليها، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيدَ الخير –بالراء:
                                              أتانِي أنَّهم مَزِقُونَ عِرْضِى جِحاشُ الكِرْمِلََيْنِ لها فَديدُ
فنصًب "عِرْضي" بـ"مزِقونَ"، وهو جمع مَزِق، وهو من صيغ المبالغة؛ لاعتماده على اسم "أَنَّ" المفتوحة لكونها مع ما بعدها في تأويل مصدر وقع فاعلا لأتاني، والجِحاش جمع جحش وهو الصغير من الحُمُر –خبر مبتدإ محذوف، أي: هم جحاش، والكِرْمِلَيْن –بكسر الكاف وفتح اللام– اسم ماءٍ في جبل طيئ، والفديد: الصياح والتصويت يقول: إن هؤلاء القوم عندي بمنزلة جحاش هذا الموضع التي تُصَوِّتُ عنده، ومثله قول الشاعر:
                                               حَذِرٌ أُمورًا لا تَضِيرُ، وآمِنٌ ما ليسَ مُنجِيَهُ مِنَ الأقدارِ
الشاهد فيه قوله: "حَذِرٌ أمورًا" حيث أعمل قولَه: "حَذِرٌ" –وهو من صيغ المبالغة– عمل الفعل؛ لاعتماده على ذي خبرٍ محذوف، والتقدير: هو حَذِرٌ.

اختلاف العلماء في إعمال صيغ المبالغة
وقد اختلف العلماء في إعمال صيغ المبالغة:



١٦.٢ إعمال صيغِ المبالغة


فأجاز سيبويه إعمالَها، وصرّح بذلك في الكتاب، وما بعدها، وتبعه أصحابه قال سيبويه: "وأجروُا اسمَ الفاعل إذا أرادوا أن يُبالغوا في الأمر، مُجراهُ إذا كان على بناء فاعِلٍ؛ لأنه يُريد به ما أراد بفاعلٍ من إيقاع الفعل، إلا أنه يُريد أن يُحَدِّثَ عن المبالغة، فما هو الأصل الذي عليه أكثرُ هذا المعنى: فَعولٌ، وفَعَّالٌ، ومِفعالٌ، وفَعِلٌ، وقد جاء فَعِيلٌ كرحيمٍ، وعليمٍ، وقديرٍ، وسميعٍ، وبصيرٍ، يجوز فيهنَّ ما جاز في فاعلٍ من التقديم والتأخير، والإضمار والإظهار"، ثم أورد شواهد شعريةً ونثريةً على إعمالها، ثم قال: "وفَعِلٌ أقلُّ من فَعيلٍ بكثيرٍ". أ. هـ.
وخالف في ذلك الكوفيون، فمنعوا إعمالَها؛ لأنها خارجةٌ عن بناء الفعل، أي وزنه، بمعنى أنها ليست جاريةً على المضارع، وإنما هي جاريةٌ مَجرَى الأسماء التي يُمدَح بها ويُذَمُّ، وما ورد بعدها منصوبا، فعلى إضمار فعلٍ ناصبٍ، ومنعوا تقديم المنصوب عليها، ويَرِدُ عليهم قولُ العرب: "أمَّا العسلَ فأنا شرَّابٌ".
ولم يُجز بعض البصريين كالمازنيِّ والزِيادِيِّ والمبردِ إعمالَ فَعِيلٍ وفَعِلٍ؟.
وأجاز الجَرميُّ إعمالَ فَعِلٍ دون فَعيلٍ؛ لأنه على وزن الفعل كعَلِمَ وفَهِمَ وفَطِنَ.
إلى الملتقى في درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى.