١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
|
...تدلّ على أمرين معا: هما الزُّهدُ مطلقا، والذاتُ التي فعَلَتْه، أو التي يُنسَب إليها، ومثلُها كلمةُ العادِلِ، وخرج بدلالتِه على فاعلِه- أي فاعِل الحدَث- اسمُ المفعول، نحو قولنا: مكتوبٌ، ومفهومٌ؛ فإن اسمَ المفعول إنما يدل على المفعول، لا على الفاعِل، وقد عرّفَه ابنُ مالكٍ في التسهيل تعريفا آخَرَ لا يخرج –مع طوله– عن التعريف السابق، ولكنه يزيدُه إيضاحا، ولذلك نذكره من باب إتمام الفائدة، وإكمال النفع، قال- رحمه الله-: "وهـو الصفة الدالّةُ على فاعلٍ، جارِيَةً في التذكير والتأنيث على المضارِع من أفعالها لمعناه، أو معنى الماضي". أ. هـ. |
يتردد إطلاقُ الصفة أو الوصف على كل اسمٍ من الأسماء المشتقة، وهذان غير الصفة والوصف المراد بهما النعتُ، وإنما يُراد بهما عند إطلاقهما على أي اسمٍ من الأسماء المشتقة: الاسم المشتقُّ الدالّ على ذاتٍ وصِفةٍ، وهذا معنى إطلاق ابن مالك على اسم الفاعل بأنه الصفة، وقولُه في التعريف "الدالّةُ على فاعِلٍ" أي الدالةُ على فاعِلِ حدَثِ تلك الصفة، ومعنى كونها جارِيةً إلخ: أنّ تلك الصفة التي هي اسمُ الفاعلِ جارِيةٌ على لفظ المضارع، أي موافقةٌ للفظه في عدد الحروف، وتقابُلِ مطلق الحركات والسكون للمضارِعِ من أفعالِها في حالتَيِ التذكير والتأنيث، وهي جارِيةٌ كذلك على معناه، أي مفيدةٌ لمعنى الفعل المضارع، بمعنى أنها تكون صالحةً للدلالة على الحال والاستقبال، وقد تكون جارِيةً على معنى الفعل الماضي، أي أنها قد تكون –أيضا– بمعنى الماضي في الدلالة على المُضِيِّ، فخرج بـ(الدالة على الفاعل): اسمُ المفعول كمكتوبٍ، وما بمعناه كجريحٍ بمعنى مجروح، وبالجارِيةِ على المضارع أي على لفظه الجارِيةُ على لفظ الماضي كفَرِحٍ، وحسَنٍ، ويقُظٍ، وغيرُ الجاريةِ على فِعلٍ كسَهْلٍ، وكريمٍ، وخرج بذِكر التذكير والتأنيث نحوُ قولنا: أهْيفُ، وأعمَى، من الصفات التي مذكَّرُها على وزن (أفعَلَ)، ومؤنثُها على وزن (فعْلاءَ)، وفِعْلُها على وزن (فَعِلَ)؛ فإنها لا تجرِي على المضارع إلا في التذكير فقط؛ لأنّ مؤنثَاتِها: هيفاءُ، وعمياءُ، فهي في التأنيث غيرُ جاريةٍ على المضارع، بخلاف اسم...
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
...الفاعل فإن تأنيثَه لا يُغَيِّرُ بِنيتَه في حالتَيِ التذكير والتأنيث، وخرج بقوله: "لمعناه، أو معنى الماضي"، نحو قولهم: فلانٌ ضامِرُ الكَشْحِ (والكشحُ: ما بين الخاصِرةِ والضلوع)؛ لأنّ نحو "ضامِر الكشحِ" صفةٌ مشبَّهةٌ، والصفة المشبهةُ يرادُ بها المعنى الثابتُ الدائمُ المستمرُّ، لا الاستقبالُ ولا المُضِيُّ، ما يُشترط لإعمال اسم الفاعل عمل الفعل: إنّ اسم الفاعل إمّا أن يكون مجردًا من أل، وإمّا أن يكون صلةً لأَلْ، فإن كان مجردا من أل فإنه يعمل عمل فعله في التعدِّي واللزومِ بشرطينِ عدمِيَّيْنِ، وشرطيْنِ وجودِيَّيْنِ:
الشرطانِ العدميَّانِ
 |
ألاَّ يُصغَّرَ |
 |
وألاّ يُوصَفَ |
خلافا للكسائيِّ فيهما، ومحل الخلاف إنما هو في عمله في المفعول به؛ وإنما امتنع عملُه بالتصغير والوصف؛ لأنهما من خصائص الأسماء، فيُزيلان شبهَه بالفعل لفظا ومعنًى، ولم يرَ الكسائيُّ ذلك مانعا؛ لأنه حكَى عن بعض العرب قولَه: "أظنني مُرتَحِلاً وسُوَيْرًا فرسخًا"، وأجاز أن يقال: أنا زيدًا ضارِبٌ أيُّ ضارِبٍ، ووجه استدلاله بما حكاه عن بعض العرب أنّ سُويْرًا تصغيرُ سائِرٍ الذي هو اسمُ فاعِلٍ، وقد عمل النصبَ في ما بعـده وهو لفظ "فرسخًا"، والفرسخُ مِقياسٌ من مقاييس الطول يُقَدَّر بثلاثة أميال، أو ثمانيةَ عشَرَ ألفَ قدمٍ، ووجه إجازة الكسائي المِثالَ الذي أورَدَه أنّ "زيدًا" فيه مفعولٌ به مقدَّمٌ على عامله الذي هو اسمُ فاعلٍ، وهو "ضارِبٌ"، مع أنَّ اسمَ الفاعل هذا موضوفٌ بأَىٍّ المضافةِ إلى ضارِبٍ، وقد...
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
...أجيب بأنّ ما حكاه عن العرب لا يثبت حُجةً على عمل اسم الفاعل المصغَّر في موضع الخلاف؛ لأن "فرسخا" المنصوب باسم الفاعل المصغَّر فيما حكاه ظرفٌ لا مفعولٌ به، والظرف يُكتفَى في العمل فيه برائحة الفعل، أي بما فيه معنى الفعل، وأما إجازتُه المثالَ المذكورَ، فلا ينهض دليلا كذلك؛ لأنه لم يُسمع عن العرب، وإنما أوردَه تمثيلا، قال ابن مالكٍ في شرح التسهيل: "ولو رواه عن العرب لم يكن فيه حجةٌ؛ لأنه كان يُحمل على أنّ زيدًا منصوبٌ بـ"ضارِبٌ"، و"ضارِبٌ" خبرُ "أنا"، و"أيُّ ضارِبٍ" خبرٌ ثانٍ وهذا توجيهٌ سهلٌ موافِقٌ للأصول المُجمعِ عليها، فلا يُعدلُ عنه". أ. هـ، وقال بعض المتأخِّرينَ: إنّ اسمَ الفاعل المصغَّر إن لم يُسمعْ له مكبَّرٌ جازَ إعمالُه، كما في قول الشاعر:
فما طَعْمُ رَاحٍ بالزُّجاجِ مُدامَةٍ تَرَقْرَقُ في الأيدي كُمَيْتٍ عَصِيرُهَا
الرَّاحُ والمُدامةُ: من أسماء الخمر، و"تَرقْرقُ": أصلُهُ: تَتَرقرقُ بتاءَين، فحَذَفَ الشاعرُ إحداهما للتخفيف، وهو مضارع تَرَقْرَقَ الشيءُ أي تلألأَ ولمَعَ، و"في الأيدي" صفةُ مُدامةٍ، و"كُميْتٍ" بالجرِّ صفةُ "راحٍ"، والكُمَيْتُ: الذي يُخالط حُمرتَه سوادٌ، والشاهد في البيت قوله: "كُميْتٍ عصِيرُها" حيث رفَعَ الشاعر ما بعد كميتٍ على الفاعلية به مع كونه بصيغة المصغَّر؛ لأن العرب لم تنطق به مكبرا، ورُويَ البيتُ برفع كُميتٍ، أي بلفظ: كُميتٌ عصيرُها، وعلى هذه الروايةِ لا شاهد فيه؛ إذ "كُميْتٌ" حينئذ خبرٌ مقدَّمٌ، و"عصِيرُها" مبتدأٌ مؤخَّرٌ، ولا حُجةَ للكسائيِّ أيضا على إعمال اسم الفاعل الموصوف في قول الشاعر:
إذا فاقِدٌ خَطْباءُ فَرْخَيْنِ رَجَّعَتْ ذَكَرْتُ سُلَيْمَى في الخَلِيطِ المُزايِلِ
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
قولُه: "فاقِدٌ" فاعِلٌ لفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه المذكور، والتقديرُ: إذا رَجَّعَتْ فاقِدٌ، أي إذا رجَّعَتِ المرأةُ الفاقِدُ، وهي التي فقدتْ ولدَيْها، و"رجَّعَتْ" من الترجيع، وهو قولُها: ((إنا لله وإنا إليه راجعون))، والخَطْباءُ هي بيِّنَةُ الخَطْبِ شديدةُ الكَرْبِ، و"الفرخَيْنِ": أي الولَدَين مفعولٌ به لـ"فاقدٌ "، و"الخَلِيطُ" المخالطُ، و"المُزايِلُ" المُبايِنُ، وقد استدلّ الكسائيُّ بالبيت على إعمال اسم الفاعل الموصوف، حيث أعمل الشاعر اسمَ الفاعل وهو "فاقِدٌ" فنصَبَ به المفعولَ به "فرخَيْنِ" مع أنه موصوفٌ وصفتُهُ "خطْباءُ"، وقد رُدَّ هذا الاستدلالُ بأنّ اسم الفاعل ليس جارِيًا على فعلِهِ في التأنيث، فلا يعمل، وأنّ "فرخينِ" منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّرُه "فاقِدٌ "، والتقدير: فَقَدَتْ فرخيْنِ، وبيان ذلك أن فاقِدًا من قبيل مُرضِعٍ، ومُطفِلٍ، وحائضٍ، أي هو بمعنى النسب، أي ذاتُ فقْدٍ، كما أن مرضِعًا ومُطفِلا وحائضًا بمعنى النسب، أي ذاتُ رضيعٍ، وذاتُ طفلٍ، وذاتُ حيضٍ، وما كان بمعنى النسب لا تدخلُه تاء التأنيث، كما أنه يُعَدُّ من قبيل الصفة المشبَّهة، والمراد بالجرَيان على الفعل كونُه للتجدُّدِ والحدوث كالفعل، وما كان من قبيل الصفة المشبهة يكون للثبوت والدوام، فليس جارِيا على الفعل بهذا المعنى.
الشرطان الوجوديّانِ
لإعمال اسم الفاعل عملَ فعله، فأحدُهما: أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، ومثل ذلك إذا كان بمعنى الاستمرارِ التجدُّدِيِّ، لا الاستمرارِ الدواميِّ، ولا للماضي؛ وإنما اشتُرط لإعماله هذا الشرطُ؛ لأنه إنما عمِلَ حملاً على المضارع، والمضارعُ كذلك للحال أو الاستقبال، فإذا كان جاريًا على المضارع في عِدَّةِ الحروف، ومطلق الحركات والسكون، في حالتَيِ التذكير والتأنيث، فقد جرَى عليه في لفظه، وإذا جرَى على المضارع في...
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
...عِدَّةِ الحروف، ومطلق الحركات والسكون، في حالتَيِ التذكير والتأنيث، فقد جرَى عليه في لفظه، وإذا جرَى على المضارع في صلاحيتِه للحال أو الاستقبال فقد جرَى عليه في معناه، وبذلك يتم جريانُه على فعله لفظا ومعنًى، فيَسوغُ له أن يعمل عملَ المضارعِ؛ لِما بينهما من الشبه اللفظيِّ والمعنويِّ، فنحوُ: زيدٌ مُكـرمٌ عمرًا الآن، أو غدًا، اسمُ الفاعل فيه جارٍ على المضارع لفظا ومعنًى، فكلُّ واحدٍ منهما محمولٌ على صاحبه؛ فاسمُ الفاعل محمولٌ على المضارع في العمل، والمضارعُ محمولٌ على اسم الفاعل في الإعراب الذي يتميّز به عن أخوَيْهِ الماضي والأمرِ؛ ذاك؛ لأنه مضارِعٌ لاسم الفاعل، أي مُشابِهٌ له، ومن هنا لا يعمل اسمُ الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، وإنما يجب –عند الجمهور– إضافتُه إلى معموله، وذلك نحو: هذا فاهِمُ الدرسِ أمسِ، وهذه الإضافةُ محضةٌ، ولا يقال: هذا فاهِمٌ الدرسَ أمسِ؛ لأنه حينئذٍ- وإن جَرَى على فعله الماضي معنًى- ليس جارِياً على فعله هذا لفظا، فلا يُعطَى ما أُعطِيَ ما يُشابِه الفعلَ في اللفظ والمعنى، فهو في معنى: فهِمَ درسَه أمس، فلم يُشبهْ لفظَ الفعلِ الذي بمعناه، وهو الماضي، فمُنع من العمل، خلافا للكسائيِّ في إجازةِ عمله إذا كان بمعنى الماضي، وتبعه هشامُ بنُ معاويةَ الضريرُ الكوفيُّ، وأبو جعفرِ بنُ مَضاءٍ، وجماعةٌ، واستدلّوا على ذلك بقول الله تبارك وتعالى: ((وتحسبُهم أيقاظا وهم رقودٌ ونُقَلِّبهم ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمال وكلبُهم باسِطٌ ذراعَيْهِ بالوَصِيدِ)) [الكهف: ١٨]، ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أنّ اسم الفاعل في الآية وهو "باسِطٌ" ماضِي المعنى، فهو بمعنى بَسَطَ، وقد عمِل في "ذراعَيْهِ" النصبَ، وقد أجاب المانعون بأنه لا حجةَ لهم في ذلك؛ لأنه على إرادة حكاية الحال الماضية، ومعنى حكايةِ الحال الماضية أنْ يُقَدَّر ما كان واقِعا في الماضي واقعا في الحال؛ استحضارًا لحالتهِ العجيبة، والمعنى: يَبسُطُ ذراعيْهِ، فيصِحُّ وقوعُ المضارع موقعَه؛ بدليل أن الواو في قوله: ((وكلبُهُم)) واوُ الحال؛ إذ يحسُن أن يُقال: جاءَ زيدٌ وأبوه يضحك، بالمضارع الواقعِ بجملته خبرا في الجملة الحالية، ولا يحسُن أن يقال: جاء زيدٌ...
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
...وأبوه ضحِكَ، بالماضي، ولذا قال سبحانه: ((ونُقَلِّبُهم))، ولم يقل: وقلَّبْناهم بصيغة الماضي، ومحلّ الخلاف في رفعِه الظاهرَ ونصبهِ المفعولَ به، أمّا رفعُ الوصفِ الماضِي الضميرَ المستترَ فجائزٌ اتفاقا والشرطُ الآخَرُ الوجوديُّ لعمل اسم الفاعل المجردِ من أل عملَ فعله: أن يليَ ما يُقرِّبُه من الفعليةِ، أي أن يعتمد على ما يُقَوِّي فيه جانب الفعليةِ؛ بأن يعتمد على استفهامٍ، سواءٌ أكان ملفوظا به كقول الشاعر:
أَمُنجِزٌ أنتُمُو وعدًا وثِقْتُ به أم اقتفيْتُم جميعا نهجَ عُرقوبِ؟
الشاهد فيه قوله: "أمنجِزٌ أنتمو وعدا"، حيث أعمل الشاعر اسمَ الفاعل "مُنجِزٌ" عملَ فعله، فرفعَ به فاعلا وهو الضمير البارز المنفصل "أنتم" والواو فيه لإشباع ضمة الميم، ونصَبَ به المفعول به "وعدا"؛ لكونه بمعنى الحال أو الاستقبال، وولِيَ استفهاما بالهمزة الملفوظ بها، أم كان الاستفهام مقدَّرا كقول الشاعر:
ليت شِعرِي مُقيمٌ العُذرَ قومي أم همُو في الحُبِّ لِي عاذِلونا؟
البيت من الخفيف، وهذه رواية المساعد، ويروى عجزُه بتغِييرٍ خفيف في شرح التسهيل، وشرح شذور الذهب، والشاهد فيه قولُه: "مُقيمٌ العُذرَ قومي"، حيث اعتمد اسمُ الفاعل "مُقيمٌ" على همزة استفهام مقدَّرة، أي: أمقيمٌ العُذرَ، فرفَع الفاعلَ ونصَبَ المفعول، والفاعلُ "قومِي" وهو فاعلٌ مؤخَّـرٌ، و"العُذْرَ" مفعولٌ به مقدَّمٌ، أو يعتمدَ على نَفيٍ، كقول الشاعر:
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
ما راعٍ الخُلاَّنُ ذِمَّةَ ناكِثٍ بلْ مَنْ وَفَى يجدُ الحليلَ خليلاَ
"ما" نافيةٌ و"راعٍ" معناه: حافظٌ، وهو اسمُ فاعلٍ من رعَى الوُدَّ يرعََاه رَعْيًا، ورِعايةً: حفِظَه، وفي التنزيل العزيز: ((والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)) [المؤمنون: ٨]، وقوله عز من قائل: ((فما رعَوْها حقَّ رِعايتها)) [الحديد: ٢٧]، والخُلاَّنُ –بضم الخاء– جمع خليل، وهو الصديق الوفيُّ، والذمّةُ: العهدُ، والحقُّ، والحُرمةُ، والناكِثُ: هو الذي ينقُضُ العهد والميثاقَ، و"مَنْ" اسمُ موصول، والشاهد في البيت قوله: "ما راعٍ الخُلاَّنُ ذِمةَ ناكثٍ"، حيث أعمَل الشاعرُ اسمَ الفاعل وهو "راعٍ" عملَ فعله لاعتماده على نفيٍ، فرفعَ به الفاعل الظاهر وهو "الخُلاَّنُ"، ونصَب المفعول به وهو "ذِمّةَ"، أو يعتمدَ على مُخبَرٍ عنه، نحو قولنا: هذا مُنفِقٌ مالاً في سبيل البِرِّ، فـ"مُنفِقٌ" اسمُ فاعلٍ، وقَعَ خبرًا لهذا، فاعتمد على هذا المخبَرِ عنه، فنصَبَ مفعولاً به ظاهرا وهو "مالاً"، أو يعتمدَ على موصوفٍ مذكورٍ، أو محذوفٍ، نحو: الحسَدُ نارٌ قاتِلةٌ صاحبَها، ونحـو: كم مُعَذِّبٍ نفسَه في الدِّفاعِ عن دينه وقيَمه، أي: كم شخصٍ مُعَذِّبٍ نفسَه، ومن المعتمِدِ على موصوفٍ مقدَّرٍ قولُ الأعشى ميمون:
كناطِحٍ صخرةً يومًا لِيُوهِنَها فلم يََضِرْها، وأوْهَى قرنَه الوَعِلُ
فاسمُ الفاعل المجرورُ بالكافِ وهو "ناطِحٌ" قد نصَبَ "صخرةً" على المفعولية؛ لاعتماده على الموصوف المقَدَّرِ، أي كوعِلٍ ناطِحٍ صخرةً، و"الوَعَلُ" أو"الوعِلُ" -بفتح الواوِ، مع فتح العين المهملة أو كسرِها، كفَرَسٍ، أو كَتِفٍ، وقد يُقال: بضمِّ الواو وكسر العينِ كدُئِلٍ، وهو نادرٌ، والمرادُ به...
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
...هنا: تَيْسُ الجبَلِ، ويقال له: الأَيِّلُ– بفتح الهمزة وتشديد الياء المثناةِ المكسورةِ، و"يُوهنُها": يُضعِفُها، ومعنى البيت أن الرجل الذي يُكلِّف نفسَه ما لا سبيلَ له إليهِ، ولا مطمعَ له فيه، كالوَعِلِ الذي ينطَح صخرةً لِيُضعفَها، فلا يُؤثِّر بها شيئًا، بل يُضعفُ قرنَه ويُؤذِيهِ، ومن ذلك قولُ عمرَ بنِ أبي ربيعةَ المخزوميِّ:
وكم مالِئٍ عينيْهِ مِن شيْءِ غيرِهِ إذا راحَ نحوَ الصخرةِ البِيضُ كالدُّمَىُ
الجمرةُ: مجتمَعُ الحَصَى بمِنًى، والبيضُ: جمعُ بيضاءَ، وهو صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، أي النساءُ البيضُ، و"الدُّمَى": جمع دُمْية، وهي الصورة من العاج، وبها تُشبَّه النساءُ في الحُسنِ والبياض الذي تُخالطُهُ صُفرةٌ يقول: كثيرٌ من الناس يتطلَّعون إلى النساء المشبَّهاتِ بالدُّمَى وقت ذهابهِنَّ إلى الجمراتِ بمنًى، ولكنَّ الناظر إليهِنَّ لا يُفيدُ شيئا سوَى ارتكاب المعصية التي تمحَق ثوابَ العمل، والشاهد فيه قوله: "مالِئٍ عينيهِ" حيث عمل اسم الفاعل "مالِئٍ" النصبَ في المفعول به، بسبب كونه معتمِدًا على موصوفٍ محذوفٍ معلومِ من الكلام، والتقدير: وكم شخصٍ مالِئٍ إلخ، أو يعتمدَ على صاحِبِ حالٍ، ثل: سُحقًا وبُعدًا للمالِ جالِبًا الذُّلَ والشقاءَ لصاحبه، فاسمُ الفاعل "جالِبًا" نصَبَ المفعولَ به، بسبب أنه وقع حالا من المال، فاعتمد عليه في العمل فهذه الأشياءُ وهي الاستفهامُ والنفيُ وما بعدهما، تُقوِّي في اسم الفاعل جانبَ الفعليـة؛ لأنها تُساقُ لغيرها، كما أن الفعلَ يُساقُ لغيره، وأدوات الاستفهام طالبةٌ بالفعلِ؛ ولذلك تحِنُّ إليه إذا وقع في حيِّزها، فلا يصح أن يقال: هل زيدٌ قامَ؟، إنما يقال: هل قام زيدٌ؟، وإلى ما تقدّم أشار الناظم بقوله:
١٦.١ "حقيقة اسم الفاعِل"، وما يُشترط لإعمال اسم الفاعِلِ عمل الفعل
كفعله اسمُ فاعِلٍ في العملِ إن كان عن مُضِيِّهِ بمَعْزِلِ
وَوَلِىَ استفهامًا أو حرفَ نِدَا أو نفيًا، أو جا صفةً أو مُسنَدَا
وقد يكون نعتَ موصوفٍ حُذِفْ فيستحقُّ العملَ الذي وُصِفْ
ويريد بقوله: "أو حرفَ نِدا": أو موصوفا مقدَّرا بعد حرف النداء، كما في: يا طالعا جبلاً، أي: يا رجلاً طالعًا جبلاً، فـ"طالِعًا" عمِل النصب في "جبلاً"؛ لأنه اعتمد على موصوف مقدَّرٍ، وليس المراد أنه اعتمد على حرف النداء؛ إذ حرفُ النداء لا يصلح لذلك؛ لكون النداء من خصائص الأسماء فإن كان اسمُ الفاعل صلةً لأل عملَ عملَ الفعلِ مطلقا: ماضيا كان أو غيرَه، معتمِدًا أو غيرَ معتمِد، مثل: جاء الفاهِمُ درسَه أمسِ، أو يجيءُ الفاهمُ درسَه الآنَ، أو غدا؛ وذلك؛ لأن "أل" هذه اسمُ موصول و "فاهِم" حالٌّ محلَّ "فَهِمَ" إن أريد به الماضي، أو "يفهمُ" إن أريد غيرُه، والفعل يعمل في جميع الحالات، فكذا ما حلّ محله، وإلى ذلك أشار بقوله:
وإن يكن صِلةً ألْ ففي المُضِي وغيرِهِ إعمالُهُ قد ارتُضِي
ومنه قول الله تعالى: ((والحافظينَ فروجَهم والحافظات والذاكرين اللهَ كثيرًا والذاكرات)) [الأحزاب: ٣٥]، فـ"الحافظين"، و"الذاكرين"، كلاهما اسمُ فاعل موصولُ بالألف واللام، فنصَبَ ما بعده على المفعولية، ومن ذلك قول الشاعر:
وأنَّا الشارِبُونَ الماءَ صَفْوًا ويشربُ غيرُنا كَدِرًا وطِينا
فالشاربون اسمُ فاعل موصولٌ بالألف واللام، فعمِل النصب في المفعول به.