١٥.١ صور استعمال المصدر العامل، وإعمالُ اسم المصدر
صور استعمال المصدر العامل
للمصدر العامل ثلاثُ صورٍ :
 |
أن يكون مضافا |
 |
أو يكونَ منونا أي مجردا من أل والإضافة |
 |
أو أن يكون بأل |
ولا فرقَ في إعمال المصدر عملَ فعله إذا كان على صورة من الصور الثلاث المذكورة، لكنّ إعمالَ المصدر مضافا أكثرُ من عمله غيرَ مضاف، وهو متفق عليه، ويضاف تارةً إلى الفـاعل، وتارة إلى المفعول، فالأول نحو قوله تعالى: ((ولولا دفع اللهِ الناسَ بعضهم ببعض)) [البقرة: ٢٥١]، فـ"دفعُ" مضافٌ ولفظ الجلالة مضافٌ إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، و"الناسَ" مفعولُه، والثاني كقول الله عز وجل: ((ولله على الناس حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا)) [آل عمران: ٩٧]، على جعْل "مَنْ" فاعلا، وجعْلِ "حِجُّ البيتِ" من إضافة المصدر إلى مفعوله، ومن ذلك قول الشاعر:
أَلاَ إنَّ ظلمَ نفسهِ المرءُ بيِّنٌ إذا لم يصنها عن هوًى يغلِبُ العقلاَ
فقوله: "ظُلمَ نفسِه" من إضافةِ المصدر إلى مفعوله، و"المرءُ" فاعِلُه، وعملُ المصدر منونا أقيسُ من عمله مضافا، أي أوفقُ بالقياس على الفعل في...
١٥.١ صور استعمال المصدر العامل، وإعمالُ اسم المصدر
العمل؛ لأنه يشبه الفعلَ بالتنكير، فهو أشبهُ بالفعل من المضاف والمُحَلَّى بأل؛ لوجود فيهِما ما يُبعِدُهُما من شبهِهِما بالفعل، وهو الإضافةُ وأل اللتان هما من خصائص الأسماء، وذلك نحو قولـه تعالى: ((أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبةٍ يتيما)) [البلد: ١٤، ١٥]، فـ"إطعامٌ" مصدرٌ، وفاعلُه محذوفٌ، و"يتيمًا" مفعوله، والتقدير: أو إطعامُهُ يتيمًا، و"المسغبـةُ" المَجاعةُ، مِن سَغِبَ إذا جـاعَ، ومنَع الكـوفيون إعمالَ المصدر المنون، وحمَلوا مـا بعده من مرفوعٍ أو منصوبٍ على إضمار فعلٍ، وما ذهب إليه الكوفيون من المنع ضعيفٌ؛ لوقوعه في أفصح الكلام وهو القرآن الكريم، وإضمارُ عاملٍ خلافُ الأصل، مع ما فيه من التكلف، وعمله بأل قليلٌ في السماع ضعيفٌ في القياس؛ لبعده من مشابهة الفعل بدخول أل عليه، وقد أجازه سيبويه ومَن وافقه، ومنعه الكوفيون وبعض البصريين، ومن شواهد سيبويه على إعماله في الكتاب قول الشاعر:
ضعيفُ النِّكايةِ أعداءَهُ يَخالُ الفِرارَ يُراخِي الأجلْ
والنِّكايةُ: مصدرُ نكَيْتُ العدوَّ أَنْكِي نِكايةً: أثَّرْتُ فيه، و"يُراخي الأجل" أي يُباعده ويُطيله يهجو الشاعر رجلا فيقول: هو ضعيفٌ عن أن يُلحقَ بعدوِّهِ أذًى، وهو جبانٌ لا يثبتُ لقِرنه، فيلجأُ إلى الفرار يظنه مُؤخِّرا لأجله، ومطيلا لعمره، والشاهد فيه إعمالُ المصدر المعرف باللام فـ"النِّكايةُ" مصدر مقـرونٌ بأل، وفاعلُـه محـذوفٌ، و"أعداءَه" مفعولُه؛ وإنما أعملَه سيبويه عملَ الفعلِ مع كونه محلًّى بأل؛ لأنه يرى أنَّ اللام هنا معاقِبةٌ للتنوين، فيعمل كما يعمل المنون، ومن شواهد الكتاب– أيضا– على إعمال المقرون بأل قول الشاعر:
لقد علِمتْ أُولَى المُغِيرةِ أنَّني كررتُ فلم أنْكُلْ عنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا
١٥.١ صور استعمال المصدر العامل، وإعمالُ اسم المصدر
أُولَى المُغِيرةِ: أَوَّلُها، والمُغِيرةُ: هي الخيْلُ التي تخرج للإغارة، والمراد: فُرسانُها، والنُّكولُ: النُّكوصُ والرجوع جبنا وخوفا، يقال: نَكَلَ أو نَكِلَ عنه يَنْكِلُ، أو يَنْكُلُ، أو يَنْكَلُ، كضَربَ، ونَصَرَ، وعَلِمَ، نُكولاً، ومِسْمَعٌ: هو مِسْمَعُ بنُ شَيْبانَ، أحدُ بني قيسِ بنِ ثعلبةَ يقول: قد علِمَ أوَّلُ مَن لَقِيتُ مِن المُغيرين أنني صرفتُهم عن وجوهِهم هازِما لهم، ولحِقْتُ عميدَهم، فلم أنكُل عن ضربه بسيفي، والشاهد فيه إعمالُ المصدر المقرونِ بأل، وهو "الضربُ"، عملَ الفعل فنصبَ "مِسمَعًا" على المفعوليةِ على نحو ما سبق، وقد اختُلف في إعمال المصدر المقرون بأل؛ فسيبويه يُعمله، والكوفيون لا يُعملونه، والفارسيُّ وجماعةٌ من البصريين يُجوِّزون عملَه على قبح، وابنُ طلحةَ يرى أنّه إن كانتْ أل فيه مُعاقِبةً للضمير كما في قوله في البيت السابق: "ضعيفُ النِّكايةِ أعداءَه"، الذي استشهد به سيبويه، أعملَه؛ أي؛ لأن معناه: ضعيفٌ نِكايتُهُ أعداءَه، وإلاّ فلا، ومن ثَمَّ مَنَعَ نحو: عجبتُ منَ الضَّربِ زيدٌ عمْرًا، ووافقَه أبو حيّانَ، ويُرَدُّ عليهِما بقول الشاعر:
عجِبتُ مِنَ الرِّزقِ المُسِيءَ إلهُهُ وللترْكِ بعضَ الصالحينَ فقيرَاُ
أى: عجبتُ من أنْ رَزَقَ المُسِيءَ إلهُهُ، ومن أن تَرَكَ بعضَ الصالحين فقيرًا؛ فالرِّزقُ مصدرٌ مقرونٌ بالألـف واللام، و"المُسِيءَ" مفعـولُه، و"إلهُهُ" فاعلُه، وكـذلك "الترْكُ" مصدرٌ بأل، و"بعضَ" مفعولُه، فقد أعمل الشاعر المصدر المقرونَ بأل من غير أن تكون فيه أل مُعاقِبةً للضمير، وأتى بفاعل المصدر مرفوعا وبمفعوله منصوبا، قال ابن مالك مشيرا إلى صور المصدر العامل، وما يشترط في إعماله عمل الفعل:
بفعْلِهِ المصدرَ ألحِقْ في العمـلْ مضافًا أوْ مُجرَّدًا أو معَ ألْ
إِنْ كان فِعلٌ مع أَنْ أو مَا يَحُلّْ مَحَلَّهُ، ولاسمِ مصدرٍ عَمَلْ
١٥.١ صور استعمال المصدر العامل، وإعمالُ اسم المصدر
إعمال اسم المصدر
اسمُ المصدر أنواعه ثلاثة:
النوع الأول
العلَم الجِنسيّ: وهو نوع من أنواع العلَم يسمَّى به جنس من الأجناس المعنوية، وهو يشبه العلم الشخصيَّ من جهة الأحكام اللفظية؛ فيَمتنع من دخول أل، ومن الإضافة، ومن الصرف إذا وُجد معه سبب آخر مع العلَمية كزيادة الألف والنون، ويشبه النكرة من جهة المعنى لشيوعه وعمومه، ومن أمثلته "كَيْسَانُ"، وهو علمٌ على الغَدْر، وعليه قول الشاعر:
إذا ما دَعَوْا كَيْسَانَ كانتْ كُهُولُهمْ إلَى الغَدْرِ أسْعَى مِن شبابِهِمُ المُرْدِ
الشاعر يهجو قوما وصفَهم بانهِماكِهِم صغيرِهِم وكبيرِهِم في الغدر، فالعقلاء منهم– وهم الكهول– أسرع إلى الغدر مِن ذَوِي الجهل وهم المُرْدُ الشبابُ، أي: إذا ما تنـادَوْا إلى الغدر، بادرتْ كهولُهم وشيوخُهم إليه، قبل أن يُسارِع إلى ذلك شبابُهُم وفتيانُهم، وهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، ومثلُه "يَسَارِ"، هو علَم على المَيْسَرَةِ بمعنى اليُسْر، وهو مبنى على الكسر كحَذَامِ، وعليه قول الشاعر:
فقلتُ: امكُثِي حتى يَسَارِ لعلَّنِا نَحُجُّ معًا، قالتْ: أعامًا وقابلَهْ؟
١٥.١ صور استعمال المصدر العامل، وإعمالُ اسم المصدر
و"فَجَارِ"، وهو علمٌ على الفَجْرَةِ بمعنى الفجورِ، و"بَرَّةُ"، وهو علم على المَبَرَّةِ بمعنى البِرّ، وقد اجتمعا في قول النابغة يهجو زُرْعَةَ بنَ عمرٍو الكِلابيَّ:
أنَّا اقتسمنا خُطَّتَيْنا بيننا فحملْتُ بَرَّةَ، واحتملْتَ فَجَارِ
وقوله: "أَنَّا" بفتح الهمزة؛ لأن قبله قولَه:
أعلِمتَ يومَ عُكاظَ حينَ لَقِيتَنِي تحتَ الغُبارِ فمَا خَطَطْتَ غُبارِي
وهذا النوع لا يعمل باتفاق؛ لتعريفه بالعلمية، والأعلام لا تعمل.
النوع الثاني
المصدر الميميُّ: وهو الاسم الدال على مجرد الحدث، المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة، كمَـضْرَب، ومَقْتَل، وموْعِد، وموضِع، ومُصاب (بمعنى: إصابة)، ومُكرَم (بمعنى: إكرام)، وهو كالمصدر في العمل اتفاقا؛ لأنه مصدرٌ حقيقة، وعليه قوله:
أَظَلُومُ إنَّ مُصَ بَكُمْ رَجُلاً أهدَى السلامَ- تحيَّةً- ظُلْمُ
فـ"مُصاب" مصدرٌ ميمى مضاف إلى فاعله، و"رجلاً" مفعوله، وجملة "أهدَى السلامَ" نعتُ "رجـلاً"، و"تحيّـَةً" مفعـولٌ مطلقٌ، على حدِّ: قعدْتُ جلوسًا، و"ظُلْمُ" خبرُ "إِنَّ"، و"ظلومُ" منادى بالهمزة.
١٥.١ صور استعمال المصدر العامل، وإعمالُ اسم المصدر
النوع الثالث
غيرُ علَم أو ميميٍّ، وهو ما جاوز فعلُه الثلاتةَ وكان بزنة حدَث الثلاثيّ، كالغُسْل لِما يُغتسَل به، والوُضوء لما يُتوضأ به، ثم استعملا في الحدث، وهو لا يعمل عند البصريين، ويعمل عند الكوفيين والبغداديين، ومنٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍه قول عائشةَ رضي الله عنها: "مِن قُبلةِ الرجلِ امرأتَه الوُضوءُ"– أخرجه مالك في الموطَّإ– في كتاب الطهارة –باب الوضوء مِن قبلة الرجل امرأتَه، فاسم المصدر مضافٌ، و"الرجلِ" مضافٌ إليه من إضافةِ اسم المصدرِ إلى فاعله، و"امرأتَه" مفعول به لاسم المصدر ومضافٌ إليه، والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدّمٌ، و"الوضوء" مبتدأٌ مؤخرٌ، ومنه –أيضا- قول القُطاميِّ:
أكُفْرًا بعدَ رَدِّ الموتِ عنِّى وبعدَ عَطَائِكَ المائةَ الرِّتاعا؟!
فـ"عطائِكَ" اسمُ مصدرٍ مضافٌ إلى فاعله، و"المائةَ" مفعوله الثاني، وحُذف الأولُ أي بعدَ عطائكَ إيايَ المائةَ، و"الرِّتاعا" بكسر الراء: جمع راتِعةٍ، وهي الإبل التي ترتعِي، أي ترعَى كما تشاء في خِصبٍ وسَعةٍ، والبيت يخاطـب فيه القُطاميُِّ زُفَـرَ بنَ الحارثِ الكِلابيَّ، والهمزة في أوله للاستفهام على سبيل الإنكار، و"كُفْرًا" مفعولٌ مطلقٌ لفعل محذوف، تقديره: أَأكفُرُ كفرا بعدَ ردِّكَ الموتَ عني، أي بعد أن جعلكَ الله سببا في إنقاذي من الموت، وكان من خبره أنّ الشاعر قد أُسِرَ، فخلَّصه زُفَرُ وأعطاه من مالِهِ مائةَ بعيرٍ من غنائم القومِ الذين أسرُوهُ، ومن إعمال اسم المصدر كذلك قولُ الشاعر:
قالوا: كلامُكَ هندًا وهْيَ مصغِيَةٌ يَشْفِيكَ قلتُ: صحيحٌ ذاكَ لو كانا
١٥.١ صور استعمال المصدر العامل، وإعمالُ اسم المصدر
أي: تكليمُكَ هندًا، فـ"كلامُ" مبتدأٌ، وهو مضافٌ والكافُ مضافٌ إليه من إضافة اسم المصدر إلى فاعله، و"هندًا" مفعوله، وقوله: "وهْيَ مصغِيةٌ" جملةٌ اسميةٌ في موضع نصبٍ على الحالية، و"يشفيكَ" جملةٌ فعليةٌ في موضع رفع على أنها خبرٌ للمبتدإ، ومنه أيضا قول الشاعر:
إذا صحَّ عونُ الخالقِ المَرْءَ لم يجدْ عسيرا من الآمالِ إلاَّ مُيَسَّرا
فـ"عونُ" اسمُ مصدرٍ بمعنى إعانةٍ، وهو فاعلُ "صحَّ"، و"عونُ" مضافٌ و"الخالقِ" مضافٌ إليه من إضافة اسم المصدر إلى فاعله، و"المرءَ" مفعولُه، وهذا النوعُ الثالثُ هو مراد الناظم في قوله السابق: ولاسمِ مصدرٍ عملْ، وما ذكره ابنُ هشامٍ في أوضح المسالك من خلافٍ في عمل هذا النوع بين النحويين لا يُنافيه قولُ الناظم السابق بالتنكير في لفظ "عملْ"؛ لأن ذلك صادقٌ عليهِ،