... ٩.٣ صفات الأحيان، ومن آياتها، وضمير الظرف، وعطف الزمان


أولا: صفات الأحيان، وشواهدها
صفات الأحيان يلزم فيها النصب على الظرفية عند سيبويه، تقول: سير عليه طويلا، وسير عليه حديثا، وسير عليه كثيرا، وسير عليه قديما، وإنما وإنما نصب صفة الأحيان على الظرف ولم يجز الرفع؛ لأن الصفة لا تقع مواقع الأسماء.
وأما غير سيبويه فإنهم اختاروا في الصفات المذكورة الظرفية ولم يوجبوها.


ومن شواهد القرآن الكريم التي اشتملت على صفات الأحيان:
قوله تعالى: ((قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ)) (البقرة: من الآية: ١٢٦) "قليلًا" منصوبة على الظرفية، ويجوز أن تقدر مصدرًا، فتقول: ومن كفر فأمتعه تمتيعًا قليلًا، فتكون "قليلا" منصوبة على المصدرية.
وقوله تعالى: ((قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ)) (الإسراء: ٥١: ٥٢) كلمة "قريبًا" يحتمل أن يكون خبرًا لـ"كان" وأن يكون ظرفًا، أي: زمانًا قريبًا، وعلى هذا التقدير يكون يوم يدعوكم بدلًا من "قريبًا".
وقوله تعالى: ((وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً)) (الإسراء: من الآية: ٥٢) الظاهر: أن انتصاب "قليلًا" نعت لزمان محذوف، والتقدير: إن لبثتم إلا زمانًا قليلًا، ويجوز أن تكون قليلًا منصوبة على المصدرية.

... ٩.٣ صفات الأحيان، ومن آياتها، وضمير الظرف، وعطف الزمان


وقوله تعالى: ((لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)) (مريم: من الآية: ٤٦) مليًا ظرف، ومعناها: دهرًا طويلًا، وفي القاموس: الملي من الليل ومن الدهر الساعة، والمليُّ الساعة الطويلة من النهار.
وقوله تعالى: ((وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ)) (ق: ٣١) أي: مكانًا غير بعيد، ف((غَيْرَ بَعِيدٍ)) منصوبة على الظرفية المكانية؛ لأنه صفة قامت مقام المكان فأعربت بإعرابه؛ ويجوز فيه عند الزمخشري وجهان آخران من الإعراب، وهما: أن يكون منصوبا على المصدرية، وأن يكون حالا من من الجنة، وأما تذكيره فلأنه على زنة المصادر، كالزئير، والمصادر يستوي فيها وصف المذكر والمؤنث.

ثانيا:ضمير الظرف
الظرف المتصرف قد يتوسع فيه، فيجعل مفعولًا به فحينئذٍ يسوغ أن يضمر مستغنيًا عن لفظة "في" كقولك: اليوم الجمعة صمته، كما يجوز أن يضاف إليه المصدر والصفة المشتقة منه، مثال المصدر قوله تعالى: ((بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار)) (سبأ: من الآية: ٣٣) مثال الصفة المشتقة: يا سارق الليلة أهل الدار، وقد اتفقوا على أن معناه متوسعا فيه وغير متوسع فيه سواء.

... ٩.٣ صفات الأحيان، ومن آياتها، وضمير الظرف، وعطف الزمان


وشاهد ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ((فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)) (البقرة: من الآية: ١٨٥) "الشهر" منصوبة على الظرفية، وكذا الهاء في فليصمه، ولا يكون مفعولًا به، كشهدت الجمعة.
وفي قوله تعالى: ((وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ)) (البقرة: من الآية: ١٩١) "فيه" متعلق "بيقاتلوكم" حتى يقاتلوكم فيه، تعدى الفعل إلى ضمير الظرف فاحتيج في الوصول إليه إلى "في" هذا ولم يتسع فيتعدى الفعل إلى ضمير الظرف تعديته للمفعول به الصريح.

ثالثا: عطف الزمان على المكان، وعدم قيام المصدر المؤول مكان الظرف
من عطف الزمان على المكان:
قوله تعالى: ((لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ)) (التوبة: من الآية: ٢٥} هنا عطف "يوم" وهو الزمان على "مواطن"، وهو المكان والمكان، قال الزمخشري: ومعناه "وموطن يوم حنين" أو "في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين" ويجوز أن يراد بالمواطن الوقت، كمقتل الحسين على أن الواجب أن يكون "يوم حنين" منصوبًا بفعل مضمر، لا بهذا الظاهر.

... ٩.٣ صفات الأحيان، ومن آياتها، وضمير الظرف، وعطف الزمان


وقال ابن عطية: "ويوم" عطف على موضع قوله: "في مواطن" أو على لفظه بتقدير: "وفي يوم" فحذف حرف الخفض.
وفي قوله تعالى: ((وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ)) (القصص: من الآية: ٤٢) عطف "يوم القيامة" على "في هذه الحياة الدنيا" أو على حذف مضاف.

(البيان) أن "يوم" منصوب
وفي (البيان) أن "يوم" منصوب من أربعة أوجه:
الأول: أن يكون منصوبًا؛ لأنه مفعول به على السعة.
الثاني: أن يكون منصوبًا بالعطف على موضع الجار والمجرور.
الثالث: أن يكون منصوبًا بما دل عليه قوله: {مِنْ الْمَقْبُوحِينَ}.
والرابع: أن يكون منصوبا على الظرف بالمقبوحين، وتقديره: وهم من المقبوحين يوم القيامة.


... ٩.٣ صفات الأحيان، ومن آياتها، وضمير الظرف، وعطف الزمان


المصدر المؤول لا يقوم مقام الظرف
فقوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)) (البقرة: من الآية: ٢٥٨)؛ حيث أجاز الزمخشرى أن يكون التقدير: حاجّ وقت أن آتاه الله الملك، فإن عنى أن ذلك على حذف مضاف، فإن فيه بعدًا من جهة أن المحاجاة لم تقع وقت أن آتاه الله الملك، وإن عنى أن "أن والفعل" وقعت موقع المصدر الواقع موقع ظرف الزمان، كقولك: "جئت خفوق النجم" و"مقدم الحاج" و"صياح الديك" فلا يجوز ذلك لأن النحويين نصوا على أنه لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرح بلفظه، فلا يجوز "أجيء أن يصيح الديك" "ولا جئت أن صاح الديك".
وقوله تعالى: ((أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّه)) (غافر: من الآية: ٢٨). نقل أبو حيان عن (الكشاف): ((أَنْ يَقُولَ)) أي: لأن يقول على نزع الخافض، ولك أن تُقدّر مضافًا محذوفًا، أي: وقت أن تقول، وهذا الذي أجازه لا يجوز لما مر.