... ،٧.٣ المفعول لأجله المجرور باللام، ورأي العلماء في موقعه الإعرابي


أولا: المفعول لأجله المجرور باللام ورأي العلماء في موقعه الإعرابي
نقرأ معًا بعض الآيات التي فيها المصدر المؤول المفيد علة المجرور باللام، وموقف المعربين منه. ففي قوله تعالى: ((وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (النحل: 64)، في (الكشاف) ((هُدًى وَرَحْمَةً)) معطوفان على محل "لتبين" إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما، هذا كلام الزمخشري.
قال أبو حيان: ليس هذا بصحيح؛ لأن محله ليس نصبًا، فيعطف منصوب عليه، ألا ترى أنه لو نصبه لم يجز لاختلاف الفاعل؟
وفي قوله تعالى: ((قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) (النحل: 102) رأى الزمخشري ما رآه في الآية السابقة من أن: ((وهُدًى وَبُشْرَى)) معطوفان على "ليثبت" وكان اعتراض أبي حيان أيضًا بأن هذا ليس بصحيح.
وفي قوله تعالى: ((لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)) (الأحقاف: من الآية: 12). قال الزمخشري وتبعه أبو البقاء: و"بشرى" في محل نصب معطوف على محل "لينذر"؛ لأنه مفعول له، وهذا لا يجوز على الصحيح من مذهب النحويين؛ لأنهم يشترطون في الحمل على المحل أن يكون المحل بحق الأصالة، وأن يكون للموضع محرز، والمحل هنا ليس بحق الأصالة؛ لأن الأصل هو الجر للمفعول له.


... ،٧.٣ المفعول لأجله المجرور باللام، ورأي العلماء في موقعه الإعرابي


ثانيا: مجيء المفعول له محلى بـ"ال" في القرآن الكريم
نقل الشيخ عضيمة عن البحر أن قوله تعالى: ((كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ)) (الأنعام: من الآية: ١٢). لو ذهب ذاهب إلى أن "الرحمة" مفعول لأجله لم يبعد، ولكن الظاهر أنه مفعول به.
ونقل عن (البحر) أيضًا في قوله تعالى: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)) (الأنبياء: من الآية: ٤٧). "القسط" مصدر وصف به، ويجوز أن يكون مفعولًا لأجله، أي: لأجل القسط. واعلم أن الفعل لا يقتضي إلا مفعولًا لأجله واحدًا إلا بالعطف أو البدل، كما في قوله تعالى: ((ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) (البقرة: من الآية: ٢٦٥). وفي قوله تعالى: ((وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)) ) البقرة: من الآية: ٢٣١). "ضرارًا" إن كان مفعولًا لأجله تعلقت اللام به، وكان علة للعلة، تقول: ضربت ابني تأديبًا لينتفع، ولا يجوز أن تتعلق اللام بـ"لا تمسكوهن" لأن الفعل لا يقتضي من المفعول لأجله اثنين، إلا بالعطف أو البدل، ومن جعل اللام للعاقبة جوز أن يتعلق بـ"لا تمسكوهن" فيكون الفعل قد تعدى إلى علة، وإلى عاقبة وهما مختلفان.
وفي قوله تعالى: ((فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ)) (المائدة: من الآية: ٣٨). قال الزمخشري: "جَزَاءً" و"نَكَالًا" مفعول لهما، وتبع في ذلك الزجاج، وهذا ليس بجيد، إلا إذا كان الجزاء هو النكال، فيكون ذلك على طريق البدل، وأما إذا كان متباينين فلا يجوز أن يكونا مفعولين لهما إلا بواسطة حرف العطف، والغريب أن العكبري جوّز الأمرين أيضًا.


... ،٧.٣ المفعول لأجله المجرور باللام، ورأي العلماء في موقعه الإعرابي


ولما فقد المصدر شرطا من شروط المفعول له فوجب جره، لم يعد مفعولا له اصطلاحا، ومع ذلك نجد في كُتُب إعراب القرآن -التصريح بأنه مفعول له مع جره، ففي قوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ))(البقرة: من الآية: ١٩٦) "لله" متعلق بـ"أتموا"، وهو مفعول من أجله، وقال العكبري: هي لام المفعول له.
وفي قوله تعالى: ((يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ)) (البقرة: من الآية: ٢٧٣). جر المفعول له بحرف السبب؛ لانخرام شرط من شروطه، وهو الاتحاد في الفاعل؛ لأن فاعل "يحسب" هو "الجاهل"، وفاعل "التعفف" "فقراء".
وفي قوله تعالى: ((وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ))(آل عمران: من الآية: ١٢٦). "ولتطمئن" معطوف على موضع "بشرى" إذ أصله "لبشرى" ولما اختلف الفاعل أتي باللام؛ لأن فاعل "بشرى" هو "الله" وفاعل "تطمئن" هو "قلوبكم".