... ٧.٤ حكم ما بعد "فاء" الجواب، وحكم الفصل بالأجنبي، وقراءة لمحات عن


أولا: حكم ما بعد "فاء" الجواب
ذهب الزمخشري في قوله تعالى: ((وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)) (الإسراء: من الآية: ٢٨) إلى جواز أن يكون المفعول له -وهو ((ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ)) متعلقًا بالشرط، وأن يكون متعلقًا بالجواب الذي هو ((فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)). قال أبو حيان: وما أجازه لا يجوز؛ لأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله، لا يجوز في قولك: إن يقم فاضرب خالدًا، أن تقول: إن يقم خالدًا فاضرب، وهذا منصوص عليه. فعرفنا من تقرير أبي حيان أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها.
وكذلك لا يعمل ما قبل "إلا" فيما بعدها، ولكن الزمخشري ذهب في قوله تعالى: ((وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَى)) (الشعراء: ٢٠٨: ٢٠٩) إلى أن "ذكرى" متعلقة بـ"أهلكنا" مفعولًا له، وقال: وهذا الوجه عليه المعول.
قال أبو حيان: وهذا لا معول عليه؛ لأن مذهب الجمهور أن ما قبل إلّا لا يعمل فيما بعدها، إلا أن يكون مستثنى أو مستثنى منه أو تابعًا له، والمفعول له ليس واحدًا من هذه الثلاثة، فلا يجوز أن يتعلق بـ"أهلكنا" ويتخرج جواز ذلك على مذهب الكسائي والأخفش.
وعلى هذا فالعامل في ((بَغْيًا بَيْنَهُمْ)) في قوله تعالى: ((وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)) (آل عمران: من الآية: ١٩) ليس "اختلف"، وإنما هو محذوف.


... ٧.٤ حكم ما بعد "فاء" الجواب، وحكم الفصل بالأجنبي، وقراءة لمحات عن


ثانيا: حكم الفصل بالأجنبي
لا يجوز الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، فقول الزمخشري في قوله تعالى: ((وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا)) (البقرة: من الآية: ٢٢٤) بأن ((أَنْ تَبَرُّوا)) متعلق بالفعل أو بالعرضة، لا يصح – كما ذهب إليه أبو حيان - لأن فيه فصلًا بين العامل والمعمول بأجنبي.
وفي قوله تعالى: ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا)) (الأنعام: ١٥٥، ١٥٦). ((أن تقولوا)) مفعول لأجله، والعامل "أنزلناه" محذوفًا، يدل عليه قوله قبل: "أنزلناه"، ولا يجوز أن يكون العامل "أنزلناه" هذه المذكورة قبل ذلك، للفصل بينهما وهو "مبارك".
وأما قوله تعالى: ((وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا)) (فصلت: من الآية: ١٢)؟ فكيف تعرب "حفظًا"؟ هل تعرب مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، أم تعرب مفعولًا له؟ الأصح أن "حفظًا" تعرب مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، ولا تعرب مفعولًا له.


... ٧.٤ حكم ما بعد "فاء" الجواب، وحكم الفصل بالأجنبي، وقراءة لمحات عن


ثالثا: قراءة لمحات عن المفعول لأجله في الشاهد القرآني
ومن الفوائد التي تجنيها من هذه الدراسة التطبيقية للمفعول له في الشواهد القرآنية ما يلي:
الفائدة الأولى: عدم اتفاق المعربين للقرآن الكريم على إعراب المصدر المعلل مفعولًا لأجله، فأعربوه مرة مفعولًا مطلقًا، ومفعولًا لأجله، وأعربوه حالًا.
الفائدة الثانية: أن المفعول لأجله يكون مصدرًا مؤولًا من "أن والفعل"، ويكون على تقديرين: تقدير مضاف محذوف، وهو رأي البصريين، أو تقدير حذف "لا" وهو رأي الكوفيين، والمفضل القول بحذف المضاف، لا القول بحذف "لا".
الفائدة الثالثة: أن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل ما قبل "إلا" في المفعول لأجله الذي بعدها.
الفائدة الرابعة: أن الفصل بالأجنبي يمنع العمل في المفعول له.
الفائدة الخامسة والأخيرة: أن المفعول لأجله يكون واحدًا في الجملة، فالفعل لا يكون له إلا مفعول لأجله واحد.