... ٣.١ لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان


أولا:لمحات عن التنازع
هذه اللمحات عن التنازع، مأخوذة من كتاب "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" لمحمد عبد الخالق عضيمة:

اللمحة الأولى
لا بد من الارتباط بين العاملين المتنازعين إما بعطف أو عمل أولهما في ثانيهما، أو كون الثاني جوابًا للأول، أو أن يكون بين العاملين ارتباط بوجه ما من الوجوه.

اللمحة الثانية
لا يتقدم المتنازع فيه على العاملين.

اللمحة الثالثة
من شرط المتنازع فيه أن يكون قابلًا لأن يحل محله الضمير، وعليه فلا تنازع في الحال، ولا في مجرور حتى ونحوه من كل ما لا يجره الضمير.


... ٣.١ لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان


اللمحة الرابعة
لا بد من صلاحية توجه العاملين إلى المعمول من جهة المعنى.

اللمحة الخامسة
قد يختلف طلب العاملين للمعمول فيطلبه هذا فاعلًا، وذاك مفعولًا، وغير ذلك.

اللمحة السادسة
إعمال الثاني أكثر في كلام العرب بالاستقراء، وكل ما جاء من أساليب التنازع في القرآن كان على إعمال الثاني، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني ما يطلبه، وقال أبو حيان: إعمال الأول لم يرد في القرآن لقلته.

اللمحة السابعة
العاملان المتنازعان فعلان، ووصفان، ومصدران، وثلاثة مصادر، وفعل ومصدر، وفعل ومصدران، وفعل ووصف، وفعل واسم فعل.


... ٣.١ لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان


اللمحة الثامنة
كان المتنازع فيه في القرآن الكريم فاعلًا، ومفعولًا به، ومفعولًا لأجله، وظرفًا، وجارًّا ومجرورًا.

ثانيا: دراسة التنازع من الناحية التطبيقية
نبدأ باللمحة الأولى، وهو:
لا بد من الارتباط بين المتنازعين، وأثر هذا الشرط على الحكم بالتنازع في قوله تعالى: ((فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير))(البقرة: من الآية: ٢٥٩).
جاء في (الكشاف): فاعل {تبيّن} مضمر تقديره: "فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير" فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: "ضربني وضربت زيدًا".
وتفسير الإعراب أن يُقدر مضمر يعود على كيفية الإحياء التي استغربها بعد الموت، وهذا ليس من باب الإعمال -أي: ليس من باب التنازع- لأنهم نصّوا على أن العامليْن في هذا الباب لابد أن يشتركا، وأدنى ذلك بأن يكون الاشتراك بحرف العطف؛ حتى لا يكون الفصل معتبرًا، أو يكون العامل الثاني معمولًا للأول،

... ٣.١ لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان


وليس العامل الثاني في الآية, مشركًا بينه وبين (تبين) الذي هو العامل الأول بحرف عطف ولا بغيره، ولا هو معمول لـ"تبين"، بل هو معمول لـ"قال"، و"قال" جواب لـ"لما، ومن هنا لا تدخل الآية في باب التنازع على الوجه الذي ذكره صاحب (الكشاف).
ومن شروط المتنازع فيه ألا يتقدم على العاملين، وبناء عليه لا يصح أن يكون من التنازع قول الله تعالى: ((حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) (التوبة: من الآية: ١٢٨) .
وكذلك في قوله تعالى: ((أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا)) (النجم: ٥٩: ٦٢) "أفمن" متعلق بـ"تعجبون" ولا يجيء فيه الإعمال؛ لأن من شرط الإعمال -أي التنازع- تأخر المعمول عن العوامل، وهو هنا متقدم،.
ولا تنازع في الحال، وبناءً عليه في قوله تعالى: ((أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) (يوسف: ١٢) فجملة: ((وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) جملة حالية، والعامل الأمر وهو: أرسله، أو الجواب وهو: يرتع ويلعب، ولا يكون ذلك من باب الإعمال؛ لأن الحال لا تضمر، والإعمال لا بد فيه من الإضمار إذا أعمل الأول.
وكذلك لا تنازع في حتى، قال تعالى: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ)) حتى يصح أن تكون غاية، أي: إلى أن يسمع كلام الله، "فأجره إلى أن يسمع كلام الله"، ويصح أن تكون للتعليل، أي: فأجره ليسمع كلام الله، وهي متعلقة في الحالين بـ"أجره"، ولا يصح أن يكون من باب التنازع.


... ٣.١ لمحات عن التنازع، ودراسته من الناحية التطبيقية، وبيان


ثالثا: بيان ما قيل في ضرورة صلاحية العاملين للعمل في المتنازع فيه
من أصول باب التنازع أنه لا بد من صلاحية العاملين للعمل في المتنازع فيه. قال تعالى: ((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)) (مريم ٢٥)، أجاز المبرد في قوله: ((رُطَبًا)) أن يكون منصوبًا بقوله: ((وَهُزِّي)) أي: وهزي إليك بجزع النخلة رطبًا تساقط عليك، فعلى هذا الذي أجازه تكون المسألة من باب الإعمال، ويكون قد حذف معمول "تساقط"، فمن قرأه بالياء من تحت فظاهر، ومن قرأه بالتاء من فوق فإن كان الفعل متعديًا جاز أن يكون من باب الإعمال، وإن كان لازمًا فلا؛ لاختلاف متعلق "وهزي" إذ ذاك والفعل اللازم.

ومن ذلك قوله تعالى: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)) (طه: ١٣) لا يجوز أن يتعلق ((لِمَا يُوحَى)) بـ ((اخترتك)) لأنه من باب الإعمال، فيجب أو يُختار إعادة الضمير مع الثاني، فكان يكون: فاستمع له لما يوحى، فدل على أن ((لِمَا يُوحَى)) متعلقة بـ"استمع" فيكون من إعمال الثاني وليس من إعمال الأول.