... ١.٥ جواز عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وامتناع تقدم


جواز عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة
من الأصول في هذا الباب: جواز عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً في هذا الباب، ونحن نعلم أن عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً مما يمتنع القول به في مواطن كثيرة، وفي هذا الباب يجوز ذلك على ما سنرى من أمثلة تؤكد هذا.
من ذلك إذا كان الفعلان طالبين لمرفوعٍ نحو: "قام وقعد زيدٌ" فالفعل "قعد" عامل في "زيد" لقربه، و"قام" عامل في ضمير عائد على "زيد"، و"زيد" متأخر لفظًا ورتبةً وهذا واضح.
وجاء في الصفحة الثامنة والثلاثين بعد الأربعمائة من الجزء الثاني من (التصريح) في التعليق على قول عاتكة بنت عبد المطلب:

      بِعكاظ يعشي الناظِريـ       نَ إِذا هم لَمحوا شعاعه

أن إعمال الفعل الأول أدى إلى محظور، وذلك أن الفعل (لمحوا) متأهل للعمل في "شعاع" على المفعولية، ولكن "شعاع" رفعت على الفاعلية لـ "يعشي"، وفي ذلك تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، وهذا من الأشياء التي تحظر في نثر الكلام؛ ولذلك حكموا على هذا البيت بالضرورة، فلو أعمل الثاني فقلنا: "إذا همو لمحوا شعاعَ" بالنصب سيترتب على ذلك أن في "يعشي" ضمير الفاعل، وهو عائدٌ على المفعول المتأخر.


... ١.٥ جواز عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وامتناع تقدم


جاء في (التصريح): وإن أعملنا الثاني على اختيار البصريين؛ فإن احتاج الأول لمرفوع؛ فالبصريون يضمرونه ولا يحذفونه؛ لامتناع حذف العمدة عندهم، وإن لزم منه الإضمار قبل الذكر، وهو عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة؛ لأن الإضمار قبل الذكر قد جاء مصرحًا في غير هذا الباب، نحو: "رُبه رجلًا"، و"نعم رجلًا"، فـ"رجلًا" فيهما تمييزٌ للضمير المجرور بـ"رب" وللضمير المرفوع على الفاعلية بـ"نعم" والمعروف أن رتبة التمييز التأخير، فقد عاد الضمير على التمييز وهو متأخر لفظًا ورتبةً.
وجاء الإضمار قبل الذكر في هذا الباب الذي نحن فيه وهو باب التنازع نثرًا وشعرًا، نحو قول بعض العرب: "ضربوني وضربت قومَك" بالنصب، حكاه سيبويه، فقد أعمل الثاني وهو "ضربتُ"، وأضمر في الأول ضمير الفاعل وهو "ضربوني" الواو، وهي الواو العائدة على المتنازع فيه وهو "قومَك" المنصوب على الفاعلية، والمفعول رتبته التأخير؛ فعاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً.
وفي الشعر قال الشاعر:

      جفوني ولم أجف الأخلاء إنني       لغير جميل من خليلي مهملُ


... ١.٥ جواز عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وامتناع تقدم


فأعمل الشاعر الثاني ونصب "الأخلاء"، وأعمل الأول في ضميره، وهو الواو المرفوعة الموضع على الفاعلية، فقد عاد الضمير على "الأخلاء" المنصوب على المفعولية وهو متأخر لفظًا ورتبةً.

امتناع تقدم ما في حيز حرف العطف عليه
من الأصول في هذا الباب امتناع تقدم ما في حيز حرف العطف عليه؛ لذلك لا يجوز التنازع في المتقدم على العاملين، مثال: زيدًا ضربتُ وقتلتُ، وبك قمتُ وقعدتُ، وإنما هذا لا يجوز؛ لأن معمول ما في حيز العطف لا يتقدم عليه.
نأخذ من ذلك أن المتنازع فيه لا يصح أن يتقدم إذا كان معمولًا لما بعد حرف العطف، والمعروف أن شرط التنازع جواز عمل الفعلين، فإن منع مانع من عمل أحدهما امتنع التنازع.