٩.٣ لغة أكلوني البراغيث، وموقف الشاهد القرآني منها

مما ذكر لك من أحكام الفاعل: أن فعله وما هو بمنزلته يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوحد مع إفراده، فكما تقول: قام أخوك، وأقائم أخوك؟ تقول: قام أخواك، وأقائم أخواك؟.

فما موقف الشاهد القرآني من هذا الحكم؟

هناك آيات ظاهرها أن الفعل جمع مع فاعله الجمع، من ذلك:

الآية الأولى
قوله تعالى: ((وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)) [الانبياء:٣].
في معاني القرآن للفراء: الذين، تابعة: للناس، أي: صفة للناس، وذلك من قوله تعالى: ((اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ)) اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، فالذين تابعة: للناس مخفوضة، كأنك قلت: اقترب للناس الذين هذه حالهم، وإن شئت جعلت: الذين مستأنفة مرفوعة، كأنك جعلتها تفسيراً للأسماء التي في أسروا، وهي: واو الجماعة .





٩.٣ لغة أكلوني البراغيث، وموقف الشاهد القرآني منها

وفي الكشاف محاولة أخرى لتوجيه قوله تعالى: ((وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا))، وهو أن: ((الَّذِينَ ظَلَمُوا)) بدلٌ من واو ((وَأَسَرُّوا)) أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره: ((وَأَسَرُّوا))، قدم عليه يعني: ((الَّذِينَ ظَلَمُوا)) إما بدل من الضمير في: ((وَأَسَرُّوا النَّجْوَى))، والبدل يكون على نية إحلاله محل المبدل منه، أي وتقدير الكلام: وأسر الذين ظلموا النجوى، أو أن: ((الَّذِينَ ظَلَمُوا)) مبتدأ مؤخر، ((وَأَسَرُّوا النَّجْوَى)) خبر، أو أنها جاءت على لغة من قال أكلوني البراغيث.

ومعنى أنها جاءت على لغة أكلوني البراغيث: أن الواو حرف، وليست ضميراً.
والخلاصة أنهم جوزوا في إعراب ((الَّذِينَ ظَلَمُوا)) وجوهاً:
جوزوا الرفع، والنصب، والجر، فالرفع على البدل من ضمير: وأسروا قاله المبرد وعزاه بن عطية لسيبويه.
أو أن: الذين ظلموا فاعل، والواو علامة للجمع على لغة أكلوني البراغيث، قاله أبو عبيدة والأخفش.
وقيل: هي لغة شاذة، والصحيح: أنها لغة حسنة، وهي لغة أزد شنوءة، وخُرج عليها قوله تعالى: ((ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ)).




٩.٣ لغة أكلوني البراغيث، وموقف الشاهد القرآني منها

والخلاصة أنهم جوزوا في إعراب ((الَّذِينَ ظَلَمُوا)) وجوهاً:
أو أن: ((الَّذِينَ ظَلَمُوا)) مرفوع على الابتدائية، وأسروا النجوى خبر، قاله الكسائي، أو على أنه مرفوع بفعل قول محذوف:
((وَأَسَرُّوا النَّجْوَى)) يقول الذين ظلموا، أو التقدير: أسرها الذين ظلموا، هذه وجوه الرفع.
أما النصب: فعلى الذم، قاله الزجاج، أو على إضمار أعني.
وأما الجر: فعلى أن يكون نعتاً للناس، أو بدلاً منه في قوله تعالى: ((اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ))، قاله الفراء، وهو أبعد الأقوال.

الآية الثانية
الآية الثانية هي قوله تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:١].

وليس في الآية بهذه القراءة، بل الآية بقراءة طلحة في حاجة إلى توجيه، وقراءة طلحة هي: ((قَدْ أَفْلَحُوا الْمُؤْمِنُونَ)) قال عيسى بن عمر: "سمعت طلحة يقرأ: ((قَدْ أَفْلَحُوا الْمُؤْمِنُونَ)) فقلت له أتلحن؟ قال: نعم، كما لحن أصحابي"، يعني: أنها مرجوعة في القراءة إلى ما روى وليس بلحن، لأنها على لغة أكلوني البراغيث.
وقال ابن عطية: "هي قراءة مردودة".




٩.٣ لغة أكلوني البراغيث، وموقف الشاهد القرآني منها

الآية الثالثة
الآية الثالثة هي قوله تعالى: ((لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً)) [مريم:٨٧]، الواو في: ((لا يَمْلِكُونَ)) إن جعل ضميراً أي: جعلت الواو ضمير فهو للعباد، أي لا يملك العباد الشفاعة، إلا من اتخذ عن الرحمن عهداً، ويجوز أن تكون علامة للجمع، كالتي في أكلوني البراغيث، والفاعل هو: من اتخذ، لأنه في معنى الجمع.
قال في البحر: "ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة، مع وضوح جعل الواو ضميراً"، وذكر الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور: "أنها لغة ضعيفة، وأيضاً فالواو والألف والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع، وصريح التثنية أو العطف، أما أن تأتي بفظ مفرد يطلق على جمع أو على مثنى فيحتاج في ذلك إلى نقل".

الآية الرابعة
الآية الرابعة التي في حاجة إلى توجيه للدارس هي قوله تعالى: ((ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ)).





٩.٣ لغة أكلوني البراغيث، وموقف الشاهد القرآني منها

كثيرٌ يرتفع من عدة أوجه:
منها: أن تكون بدلاً من الواو، وجائز أن يكون جمع الفعل مقدماً، كما حكى أهل اللغة هي لغة أكلوني البراغيث.
والوجه أن يكون: ((كَثِيرٌ مِنْهُمْ)) خبر ابتداء محذوف، والمعنى: ذو العمى والصمم كثير منهم.
وفي معاني القرآن للفراء: "فقد يكون رفع الكثير من جهتين: إحداهما: أن تقر الفعل عليها، أي: تقول عمي وصم كثير منهم،
وإن شئت جعلته -أي: جعلت عموا وصموا- فعلاً للكثير كما قال الشاعر:

يلومونني في اشتراء النـ
خيل أهلي فكلهم ألوم

وإن شئت جعلت الكثير مصدراً، فقلت: أي ذلك كثير منهم، وهذا وجه ثالث.