٢.١ أفعال القلوب


هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين؛




٢.١ أفعال القلوب


وهو المعروف بباب ظن وأخواتها، تنقسم أفعال هذا الباب إلى قسمين:

أفعال قلوب، لأن معانيها قائمة بالقلب. وليس كل قلبي ينصب مفعولين بل القلبي ثلاثة أقسام: أحدها: يكون لازماً فلا يتعدى بنفسه نحو فكر وتفكر وحزن وحقد. ثانيهما: يكون متعدياً لواحد نحو عرف وفهم واتهم وحسد. ثالثها: يكون متعدياً لاثنين وهو أفعال هذا الباب.

أفعال تصيير لدلالتها على التحويل والانتقال من حالةٍ إلى أخرى .



٢.١ أفعال القلوب


أولا : أفعال القلوب
وهي تنقسم إلى أربعة أقسام :
القسم الأول: وهي الأفعال التي تفيد في الخبر يقيناً وهي أربعة: وجد وألفى وتعلم بمعنى اعلم ودرى.
شاهد وجد، قوله تعالى: ((تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً)) [المزمل:٢٠]. فالهاء المتصلة به مفعوله الأول، وخيراً مفعوله الثاني.
وشاهد ألفى، قول الله تعالى: ((إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ)) [الصافات:٦٩]. فآباءهم مفعول أول، وضالين مفعول ثانٍ.
وشاهد تعلم قول الشاعر زياد بن يسار:
تعلم شفاء النفس قهر عدوها
فبالغ بلطفٍ في التحيل والمكر
  ولم يستعمل لتعلم ماضٍ ولا مضارع، بل هي ملازمة لصيغة الأمر، والأكثر وقوع تعلم هذا على أن المشددة وصلتها فتسد مسد المفعولين، لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه.




٢.١ أفعال القلوب


ومثال درى قول الشاعر:
دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط
فإن اغتباطاً بالوفاء حميد
دريت مبني للمفعول، والتاء مفعوله الأول في موضع رفع على النيابة عن الفاعل، والوفي مفعوله الثاني، وهو صفة مشبهة، والعهد بالرفع على الفاعلية وبالنصب على التشبيه بالمفعول به، وبالجر على الإضافة .
أما القسم الثاني: فهو ما يفيد في الخبر رجحاناً وهو خمسة: جعل وحجى وعدَّ وهب وزعم.
فمثال جعل: قوله تعالى: ((وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً)) [الزخرف:١٩]. الملائكة مفعوله الأول وإناثاً مفعوله الثاني.
ومثال حجا: قول تميم بن مقبل:
قد كنت أحجوا أبا عمرو أخا ثقة
حتى ألمت بنا يوماً ملمات
أحجوا أي أظن وأخا ثقة يقرأ بجر ثقة منونة، فأخا حينئذٍ مضاف وثقة مضاف إليه، ويقرأ أخاً ثقةً بنصب ثقةً منونةً، مع تنوين أخ فيكون أخاً معرباً بالحركات وعلى الأول فهو معرب بالحروف، وأخاً ثقةً أي موثوق به فثقة صفة لأخ، فأبا عمرو مفعوله الأول وأخا ثقةٍ مفعوله الثاني.




٢.١ أفعال القلوب


ومثال عدى: قول النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه:
فلا تعدد المولى شريكك في الغنى
ولكنما المولى شريكك في العدم
والمعنى لا تظن أن صديقك هو الذي يشاركك في أوقات غناك ومسرتك فإن صديقك على الحقيقة هو المشارك في الشدائد والمحن وأوقات الفقر، والشاهد المولى بمعنى الصاحب مفعول أول لتعدد، وشريكك مفعوله الثاني.
ومثال هب: قول ابن همام السلولي:
فقلت أجرني أبا مالك
وإلا فهبني امرأً هالكاً
هب بهذا المعنى فعل جامد لا يتصرف، فلا يجيء منه ماضٍ ولا مضارع بل هو ملازم لصيغة الأمر ، والشاهد في البيت فهبني امرأً هالكا، فياء المتكلم مفعوله الأول، وامرأً مفعوله الثاني، وهالكاً نعت امرأً، والأقل في هب هذه وقوعه على أن وصلتها كما في المسألة الحمارية في الفرائض، هب أن أبانا كان حماراً .



٢.١ أفعال القلوب


ومثال زعم قول أبو أمية الحنفية واسمه أوس:
زعمتني شيخاً ولست بشيخ
إنما الشيخ من يدب دبيبا
فياء المتكلم في زعمتني مفعوله الأول، وشيخاً مفعوله الثاني، ويدب دبيباً أي يدرج في المشي درجاً رويداً، والأكثر في زعم هذا وقوعه على أن بتخفيف النون أو أن بتشديدها، أي مع فتح الهمزة فيهما وصلتهما.
فالأول وهو دخول زعم على أن قول الله تعالى: ((زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا)) [التغابن:٧].
والثاني نحو قول كثير عزة:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها
ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
وعز منادى مرخم على لغة من لا ينتظر.



٢.١ أفعال القلوب


أما القسم الثالث: من أفعال هذا الباب: هو ما يرد بالوجهين والغالب كونه باليقين وهو اثنان: رأى وعلم.
قوله جل ثناؤه: ((إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً)) [المعارج:٦-٧]. الأولى للرجحان والثانية لليقين.
وقوله تعالى: ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) [محمد:١٩]. وقوله تعالى: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)) [الممتحنة:١٠]. فالأولى لليقين والثانية للرجحان.
والقسم الرابع: ما يرد بهما أي باليقين وبالرجحان والغالب كونه للرجحان ، وهو ثلاثة ظن وحسب وخال.
فالرجحان كقول الشاعر:
ظننتك إن شبت لظى الحرب صاليا
فعرضت فيمن كان عنها معردا
فالكاف مفعوله الأول، وصالياً مفعوله الثاني، واليقين في قوله تعالى: ((يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ)) [البقرة:٤٦]. أي يتيقنون ذلك.



٢.١ أفعال القلوب


والرجحان في حسب كقول الشاعر وهو ظفر بن الحارث الكلابي:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمةً
عشية لاقينا جذاماً وحميراً
فكل مفعوله الأول وشحمةً مفعوله الثاني، وعشيةً منصوب على الظرفية، واليقين فيها نحو قول لبيد العامري:
حسبت التقى والجود خير تجارةٍ
رباحاً إذا ما المرأ أصبح ثاقلا
فالتقى مفعوله الأول، والجود معطوف عليه، وخير مفعوله الثاني.
والرجحان في خال كقوله:
إخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى يسومك ما لا يستطاع من الوجد
إخالك بكسر الهمزة والقياس فتحها والكاف مفعوله الأول وذا هوىً مفعوله
الثاني، واليقين فيها نحو قول الشاعر:
ما خلتني زلت بعدكم ضمناً
أشكوا إليكم حموة الألم
وياء المتكلم في ما خلتني مفعوله الأول، وضمناً مفعوله الثاني، والتقدير خلت نفسي ضمناً بعدكم ما زلت أشكو شدة الفراق.



٢.١ أفعال القلوب


أصل مفعولي ظن وأخواتها

اعلم أن جمهور النحاة على أن أصل مفعولي ظن وأخواتها مبتدأ وخبر، وأن المبتدأ ينصب مفعولاً أول، وأن الخبر ينصب مفعولاً ثاني.




٢.١ أفعال القلوب


أحوال المفعول الثاني في هذا الباب

وأحوال المفعول الثاني في هذا الباب هي أحوال الخبر في باب الابتداء، فقد يكون:
اسماً ظاهراً نحو: ظننت محمداً مسافراً
ظرفاً أو جاراً ومجروراً نحو: ظننت محمداً فوق السطح وظننت محمداً في المدرسة.
جملة نحو: ظننت محمدًا يسافر اليوم وظننت محمداً أبوه مسافر.