![]() |
((فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)): وضع الظاهر ((مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) موضع الضمير (معهم) لتسجيل شناعة ما ارتكبوه، حيث كذبوا واستهزءوا بدلًا من التصديق والتعظيم. |
![]() |
((يَخُوضُونَ)): المراد به هنا الاسترسال في الحديث، وقد استعمله القرآن أيضًا في المشاركة في الباطل مع أهله، وأصل الخوض: الدخول في الماء سيرا أو سباحة ، ويَخُوضُونَ فِي آياتِنا : أي يتكلمون في القرآن استهزاء . |
![]() |
((أَنْ تُبْسَلَ)): لئلا تبسل نفس، أي تسلّم إلى الهلاك، وتحبس في النار، وتمنع من الثواب. |
![]() |
والبسل: حبس الشيء ومنعه بالقوة، ومنه شجاع باسل، أي يحمي نفسه ويمنعها. |
![]() |
روى الطبري عن السدي في قوله تعالى: ((وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ))، قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن، فسبوه واستهزءوا به، فأمرهم اللّه أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. |
![]() |
ورُوي مثل ذلك عن سعيد بن جبير وابن جريج وقتادة ومقاتل. |
![]() |
وروى الطبري أيضًا عن سعيد بن جبير ومجاهد أنّهما قالا في قوله تعالى: ((وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ)): الذين يكذبون بآياتنا. |
![]() |
وروى عن ابن عباس وابن سيرين: أنّها نزلت في أهل الأهواء والبدع من المسلمين الذين يئولون الآيات بالباطل، لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء. |
![]() |
وإذا رأيت الذين يخوضون في آيات القرآن بالتكذيب والاستهزاء، فانصرف عنهم ولا تجالسهم، حتى يخوضوا في غير حديث الكفر والاستهزاء والتكذيب، ومثلهم من يخوض في القرآن بتأويله تأويلًا باطلًا نابعًا من البدع والأهواء والآراء الفاسدة، لا تجالسهم واتركهم -وهذا مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما. |
![]() |
فإذا خاضوا في حديث آخر فلا مانع من مجالستهم والتحدث إليهم، وإن أنساك الشيطان أيها المسلم النهي والمنع، فجلست مع الخائضين ناسيًا، فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين أنفسهم بالتكذيب والاستهزاء، والخطاب للرسول ولكل مسلم. |
![]() |
ويجوز وقوع النسيان على النبي بغير وسوسة الشيطان لقوله تعالى: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ)) [الكهف: ٢٤]، وقد وقع النسيان من آدم عليه السلام: ((فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)) [طه:١١٥]، ووقع النسيان من موسى عليه السلام: ((قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ)) [الكهف: ٧٣]، وثبت أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم سها في الصلاة وقال: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني)). |
![]() |
أما في تبليغ الوحي والدين المنزل من اللّه فإنّ الأنبياء معصومون عن نسيان شيء مما أمرهم اللّه بتبليغه من حلال أو حرام لقوله تعالى: ((لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ)) [القيامة: ١٦- ١٩]. |
![]() |
وإنساء الشيطان للإنسان بعض الشيء ليس من قبيل التصرف فيه والسلطان عليه لقوله تعالى: ((إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)) [النحل: ٩٩ – ١٠٠]. |
![]() |
فإن تجنبوا مجالسة الخائضين، فلا يُحاسَبون على خوضهم. |
![]() |
((وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ))؛ أي: أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرًا وموعظة، لعلهم يتقون الخوض في آياتنا، ويذكرون اللّه. |
![]() |
ثم أكد اللّه تعالى ترك المستهزئين بقوله: ((وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ ..))؛ أي: دع أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين وأعرض عن هؤلاء المشركين الذين يتلاعبون بدينهم بعبادة الأصنام، يصنعونها ثم يأكلونها، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن العمل المفيد وهذا هو اللهو، وغرتهم الدنيا الفانية، وآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذات الدنيا الحقيرة، فخاضوا في آيات اللّه بدلًا عما كان يجب عليهم من فهمها وتدبرها وامتثالها، وهو كقوله تعالى: ((ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)) [الحجر: ٣]. |
![]() |
وذكّر الناس بالقرآن وعظهم به لئلا تُحبس نفس عن الخير وتمنع في جهنم بما عملت، وتسلم إلى الهلاك، وترتهن بعملها الذي صدر منها في الدنيا، كقوله تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ)) [المدثر: ٣٨، ٣٩]. |
![]() |
وقوله تعالى : ((لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ))؛ أي: والحال لا قريب ولا أحد يشفع فيها، ولا ناصر ينصرها، كقوله تعالى: ((ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ)) [غافر: ١٨]، وقوله تعالى:((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [البقرة: ٢٥٤]. |
![]() |
وكما لا تنفع الشفاعة والوساطة، لا ينفع بذل الفداء: ((وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها))؛ أي: وإن بذلت كل فداء أو مبذول لم يُقبَل منها، كقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ))، [البقرة: ١٢٣]. |
![]() |
وهذا إبطال لمبدأ من مبادئ الوثنية: وهو رجاء النجاة في الآخرة كما في الدنيا بتقديم الفدية إلى اللّه تعالى، أو بشفاعة الشفعاء ووساطة الوسطاء عند اللّه تعالى. وهذا الإبسال والإهلاك والعذاب في النار كان بسوء صنعهم، قال تعالى: ((أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا))؛ أي: أولئك المتخذون دينهم لعبًا ولهوًا هم الذين جوزوا وعُذِّبوا بسبب عملهم في الدنيا، وجزاؤهم شراب من حميم؛ أي: ماء شديد الحرارة يحرق البطون ويقطع الأمعاء، كقوله تعالى: ((وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ)) [محمد: ١٥]. |