(١.١٠ القدرة الإلهية على تعذيب العصاة (الأنعام من: ٦٥ - ٦٧
(١.١٠ القدرة الإلهية على تعذيب العصاة (الأنعام من: ٦٥ - ٦٧
(١.١٠ القدرة الإلهية على تعذيب العصاة (الأنعام من: ٦٥ - ٦٧
|
 |
قال الإمام الطبري: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى بالعذاب من فوقهم: الرجم، أو الطوفان، وما أشبه ذلك، مما ينزل عليهم من فوق رءوسهم ، ومن تحت أرجلهم: الخسف وما أشبهه. انتهى كلامه.
|
|
 |
وظاهر اللفظ يقضي بحمله على المعروف المشهور، وقد شهد العصر الحديث ويلات رهيبة من مشاهد القتال، من الجو والبر والبحر، مما يشيب منه الإنسان.
روى البخاري والنسائي عن جابر بن عبد اللّه قال: لما نزلت هذه الآية: ((قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ)) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((أعوذ بوجهك)) ، ((أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)) قال: ((أعوذ بوجهك))، ((أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)) قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((هذه أهون -أو: أيسر-)).
|
|
 |
وإنّما كان التفريق والاقتتال أهون؛ لأنّ ما قبله أشد وهو عذاب الاستئصال.
وروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((سألت ربي عز وجل أربعًا، فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة، سألت اللّه أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت اللّه ألَّا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألت اللّه ألَّا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت اللّه عز وجل أن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها)).
|
(١.١٠ القدرة الإلهية على تعذيب العصاة (الأنعام من: ٦٥ - ٦٧
|
 |
وروى الإمام مسلم من حديث ثوبان قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ((إن اللّه زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضا)).
|
|
 |
وقد تحقق خبر النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في اتساع أرجاء البلاد الإسلامية إلى المشارق والمغارب، وفي وقوع بأسهم بينهم بالتفرق والاقتتال، أما تسلط عدوهم عليهم فمرهون بوحدتهم واجتماع كلمتهم، وما حدث من زوال ملكهم عن بعض البلاد كالأندلس وفلسطين فكان بسبب تفرقهم وتشتت وحدتهم وتمزق صفوفهم وتفرق جمعهم، بدليل ما روى أبو داود والبيهقي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ اللّه في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول اللّه، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)) .
|
(١.١٠ القدرة الإلهية على تعذيب العصاة (الأنعام من: ٦٥ - ٦٧
|
 |
ثم أمر اللّه تعالى بالنظر في الدلائل والبينات، فقال: ((انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ))؛ أي: انظر أيها الرسول كيف نبين ونوضح الدلائل بوجوه مختلفة، إما بطريقة الحس، وإما بطريقة العقل، وإما بالإخبار بالغيب، لعلهم يفهمون ويتدبرون عن اللّه آياته وحججه وبراهينه، فتحدث عندهم العبرة والعظة وتصحيح أحوالهم.
ولكن قوم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم -وهم قريش- كذبوا بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان أو بالعذاب، والحال أنّه الحق الصدق أي الذي ليس وراءه حق، فالقرآن حق ثابت لا شك فيه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والعذاب لا بد أن ينزل بهم، فكل منهما يثبته الحس والعقل والوجدان.
|
|
 |
ثم لا سبيل إلى إجبارهم على الإيمان، فقل لهم أيها الرسول: إنني لست عليكم بحفيظ ولا رقيب ((وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)) [الأنعام: ١٠٤]؛ أي: أحفظ عليكم أعمالكم، ولست بموكل بكم، كقوله تعالى: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ)) [الكهف: ٢٩] وقوله تعالى: ((فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)) [الغاشية: ٢١ – ٢٢].
|
|
 |
وقوله تعالى: ((نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ)) [ق: ٤٥]، أي إنّما عليَّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني شقي في الدنيا والآخرة.
|
(١.١٠ القدرة الإلهية على تعذيب العصاة (الأنعام من: ٦٥ - ٦٧
|
 |
وأخيرًا جاء التهديد والوعيد على التكذيب بالقرآن أو بالعذاب، فقال تعالى: ((لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ..))؛ أي: لكل خبر يخبر به وقت استقرار ووقوع وحصول لا بد منه ولو بعد حين، قال ابن عباس وغيره: ((لكل نبأ حقيقة)) أي لكل خبر وقوع ولو بعد زمن، كقوله تعالى: ((وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)) [ص : ٨٨] وقوله تعالى : ((لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ)) [الرعد: ٣٨].
|
|
 |
فهذا تهديد ووعيد أكيد، أتبعه بتهديد آخر فقال: وسوف تعلمون صدق الخبر وحقيقة الوعد والوعيد، وعد رسوله بالنصر عليهم، ووعيده لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة.
|