(١.٨ رحمة الله تعالى بعباده (الأنعام: ٥٤، ٥٥


لغويات
((وَلِتَسْتَبِينَ)) الواو: عطف على فعل مقدر، وتقديره: ليفهموا ولتستبين سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين، إلا أن الثاني حُذِف؛ لأن فيما أبقى دليلًا على ما ألقى، كقوله تعالى: ((سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ)) [النحل: ٨١] أي والبرد.
((سَبِيلُ)) بالرفع فاعل، ((لِتَسْتَبِينَ)): التاء في الفعل لتأنيث السبيل لأنها مؤنثة، كما قال تعالى: ((قُلْ هذِهِ سَبِيلِي)) [يوسف: ١٠٨]، ومن قرأ بالياء جعل السبيل مذكّرًا، كما قال تعالى: ((وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)) [الأعراف: ١٤٦].

سبب النّزول
قال عكرمة: نزلت في الذين نهى اللّه تعالى نبيّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- عن طردهم، فكان إذا رآهم النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- بدأهم بالسّلام، وقال: ((الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام)).
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقالوا: إنّا أصبنا ذنوبًا عظامًا، فما إخاله ردّ عليهم بشيء، فلما ذهبوا وتولوا، نزلت هذه الآية: ((وَإِذَا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا)) [الأنعام: ٥٤].

(١.٨ رحمة الله تعالى بعباده (الأنعام: ٥٤، ٥٥


علاقة الآيات بما قبلها
بعد أن نهى اللّه تعالى رسوله عن طرد المستضعفين طمعًا في إسلام الكبراء من قومه، أمره بأن يكرم جميع المسلمين بهذا النوع من الإكرام، وهو التّحية والسّلام والقبول بأمان وإعزاز.

المعنى العام
وإذا جاءك أيها الرّسول الذين يؤمنون باللّه ورسله ويصدقون بكتبه، تصديقًا في القلب والعمل، سائلين عن ذنوبهم، هل لهم منها توبة، فقل لهم: ((سَلامٌ عَلَيْكُمْ)) [الأنعام: ٥٤]، أي: أمان من اللّه لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد التوبة، وأكرمهم بتبليغ سلام اللّه إليهم، أو ابدأهم بالسّلام إكرامًا لهم وتطييبًا لقلوبهم، وبشّرهم برحمة اللّه الواسعة الشاملة لهم.
ولهذا ذكر اللّه علّة ما سبق فقال: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ))، أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضّلًا منه وإحسانًا وامتنانًا.
ثم أبان اللّه تعالى طريق قبول التوبة فقال: ((أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا)) أي إنه من ارتكب منكم ذنبًا أو خطيئة بجهالة كغضب شديد أو شهوة جامحة أو سفه وخفة غير مقدر سوء العاقبة أو من غير قصد، ثم تاب مخلصًا للّه في توبته، ورجع عن ذلك الذّنب وندم، وأصرّ على عدم العودة إليه في المستقبل، وأصلح عمله، وأتبع السّيئة بالحسنة لمحو أثرها، فشأنه تعالى في معاملته أنه يغفر له ذنبه، لأنه واسع...

(١.٨ رحمة الله تعالى بعباده (الأنعام: ٥٤، ٥٥


...المغفرة والرّحمة، ونظير الآية قوله تعالى: ((إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)) [النساء: ١٧].
قال بعض السّلف: كلّ من عصى اللّه فهو جاهل.
وقال الحكم بن أبان بن عكرمة: الدّنيا كلّها جهالة.
وشروط التوبة الصادقة: الإقلاع الفوري عن الذنب، النّدم الحقيقي على اقتراف الذّنب، والعزم على عدم العود إليه مستقبلًا، وردّ المظالم إلى أهلها، وإتباعها بالعمل الصالح.
ثم أبدى اللّه سبحانه وتعالى تفضّلًا منه طريقه في البيان وهو تفصيل آيات القرآن لمعرفة مناهج الطاعة والبعد عن مسلك أهل الاجرام فقال: ((وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ))، والمعنى: ومثل ذلك التّفصيل البيّن البديع لدلائل التّوحيد والنّبوة والقضاء والقدر، نفصّل آيات القرآن وحقائق الشريعة، وتقرير كلّ حقّ ينكره أهل الباطل، ليتّضح للمؤمنين طريق المجرمين، وإذا اتّضح سبيلهم كان كلّ ما عداه وما خالفه هو سبيل المؤمنين، وذِكْر أحد القسمين يدلّ على الثاني، كقوله تعالى: ((سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ)) [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد، ولأن بيان خاصية أحد الضّدين يدلّ ضمنًا على خاصية القسم الآخر، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة أهل الحقّ والإيمان أيضًا لا محالة.