...٢.٧ عدم طرد المستضعفين من الصحابة، وبيان مكانتهم عند ربهم


لغويات
((بِالْغَداةِ)) [الأنعام: ٥٢]: دخلت الألف واللام على «الغداة»؛ لأنها نكرة عند جميع العرب، وأما (غدوة) فأكثر العرب يجعلها معرفة ويمنعها من الصّرف، ومنهم من يجعلها نكرة ويصرفها.
((ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)): في الجملتين ما يسمى بردّ الصدر على العجز، وهو لون من ألوان البلاغة.

سبب النزول
روى ابن حبان، والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد اللّه بن مسعود وأربعة، قالوا لرسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم: اطردهم؛ فإنا نستحي أن نكون تبعا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- ما شاء اللّه، فأنزل اللّه: ((وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ...)) إلى قوله: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)) [الأنعام: ٥٣].
وروى أحمد والطبراني وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وعنده خبّاب بن الأرتّ وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ أهؤلاء منّ اللّه عليهم من بيننا؟ لو طردت هؤلاء لاتّبعناك، فأنزل اللّه فيهم القرآن: ((وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا...)) إلى قوله: ((.... سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)).

...٢.٧ عدم طرد المستضعفين من الصحابة، وبيان مكانتهم عند ربهم


المعنى العام
منع اللّه نبيّه من تقريب كفار قريش وأشرافهم المترفين، ومن تنحية المؤمنين المستضعفين وطرد الضّعفاء من الناس، فقال: ((وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ...)) أي: لا تبعد عنك هؤلاء المتّصفين بهذه الصفات، بل اجعلهم جلساءك وخلصاءك، وصفاتهم أنهم مؤمنون حقّ الإيمان، موحّدون ربّهم دون شائبة شرك، يدعون ربّهم بالغداة والعشي -أي: في الصّباح والمساء وجميع الأوقات- يخلصون في طاعتهم وعبادتهم، فلا يقصدون إلا إرضاء اللّه تعالى، ولا يريدون من عبادتهم إلا ذات اللّه وحقيقته؛ لأنه المستحق للعبادة.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)) [الكهف: ٢٨].
وموقف هؤلاء المشركين مع النبي شبيه بموقف قوم نوح، حين قال أشرافهم له: ((وَمَا نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ)) [هود: ٢٧]، وقوله لهم: ((وَمَا أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) [هود: ٢٩].
ثم حصر اللّه تعالى حساب هؤلاء على ربّهم، كما قال تعالى: ((إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي)) [الشعراء: ١١٣]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال تعالى: ((مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)) بعد أن شهد اللّه لهم بالإخلاص وبإرادة وجه اللّه في أعمالهم.

...٢.٧ عدم طرد المستضعفين من الصحابة، وبيان مكانتهم عند ربهم


وإن كان الأمر كما يقولون عند اللّه، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مُرضٍ بأن كانوا غير مخلصين، فحسابهم على الله ولا يتعدّاهم إليك، قال تعالى: ((كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ)) [الطور: ٢١]، وقال: ((كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)) [المدّثر: ٣٨]، وقال: ((وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)) [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧].
والطّرد جزاء، والجزاء بعد الحساب والمحاكمة، والحساب على اللّه وما عليك إلا البلاغ: ((فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)) [الغاشية: ٢١، ٢٢].
فإن طردتهم والحالة هذه، تكون بطردهم من زمرة الظالمين أنفسهم؛ لأن الطّرد لا يكون إلا بذنب، والحساب على الذّنب إلى اللّه، لا إليك.
والخلاصة: ذكر اللّه غير المتقين من المسلمين، وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم بذكر المتقين، وأمر اللّه نبيّه بتقريبهم وإكرامهم، وألا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك.
ثم أوضح اللّه تعالى أن مقال المشركين في شأن الضعفاء ابتلاء من اللّه واختبار، فقال: ((وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)) أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنّا بعضهم ببعض؛ لتكون العاقبة أن يقول الأقوياء من الكفار في حقّ الضعفاء من المؤمنين: أهؤلاء الصّعاليك من العبيد والموالي والفقراء، خصّهم اللّه بهذه النّعمة العظمى من جملتنا؟! كقوله تعالى: ((أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا)) [القمر: ٢٥]، وقوله: ((وَقالَ الَّذِينَ...

...٢.٧ عدم طرد المستضعفين من الصحابة، وبيان مكانتهم عند ربهم


...كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ)) [الأحقاف: ١١]. والمعنى: أنهم لما اختُبروا بهذا، آل عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار، وصار مثل قوله تعالى: ((فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)) [القصص: ٨].
ثم ردّ اللّه عليهم قولهم الناشئ عن العتوّ والاستكبار، فقال: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)) أي: اللّه أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.