(٢.٣ حال المشركين أمام النار (الأنعام: ٢٧-٢٩


لغويات
((... وَلا نُكَذِّبَ... وَنَكُونَ...)): النصب فيهما بتقدير "أَنْ"، والنصب على أنه جواب التمني؛ لأن التمني ينزّل منزلة الأمر والنهي والاستفهام في نصب الفعل المضارع بأن مضمرة.
ويجوز فيهما الرفع إما عطفا على نُرَدُّ، فجعل كله مما يتمناه الكفار يوم القيامة، فيكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء هي: أن يردوا، وألا يكونوا قد كذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين، وإما الرفع على القطع والاستئناف، فلا يدخلون في التمني، وتقديره: يا ليتنا نرد، ونحن لا نكذب، ونحن نكون من المؤمنين.
((وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)): تأكيد بمؤكدين هما: «إِنَّ» و«اللام»؛ للإشارة إلى أن الكذب طبيعتهم.

علاقة الآيات بما قبلها
لما ذكر اللّه تعالى صفة من ينهى عن متابعة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وينأى عن طاعته ويبتعد عنه، بأنهم يهلكون أنفسهم، شرح كيفية ذلك الهلاك، وصدور بعض التمنيات منهم بالعودة إلى الدنيا؛ ليعملوا صالح الأعمال، ولكن اللّه كذَّبهم فيما يقولون.


(٢.٣ حال المشركين أمام النار (الأنعام: ٢٧-٢٩


المعنى العام
يذكر اللّه تعالى حال الكفار إذا تبينوا يوم القيامة وعرفوا النار، وشاهدوا أهوالها وفظائعها، فلو رأيتهم -أيها السامع- وما بهم من هول وفزع لرأيت عجبا يصعب وصفه، حين تعرضهم ملائكة العذاب على النار، ثم يدخلونها ويعاينون شدتها، فيندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا قائلين: ((يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا...))، أي: يا ليتنا نرجع إلى الحياة الدنيا، ولا نكذب بآيات اللّه وحججه الدالة على وحدانيته وصدق رسله، ونؤمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين، ونتوب من ذنوبنا، ونعمل صالحا يرضي اللّه -سبحانه.
فرد اللّه عليهم بقوله: ((بَلْ)) للإضراب الإبطالي لهذا التمني، وللإضراب عن إرادة الإيمان، فحالهم لم تتغير، وإنما ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وتظهر حقيقتهم لأنهم كانوا يخفون الكفر ولا يبدونه، أما المؤمن الحقيقي فيعلن إيمانه ولا يكتمه، قال تعالى: ((يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ)) [الحاقة: ١٨] فهي لا تخفى على أنفسهم ولا على ربهم، قال تعالى: ((وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)) [الزمر: ٤٧، ٤٨].
ثم كذّبهم اللّه صراحة في هذا الندم أو التمني، فقال: ((وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا...)) أي: لو ردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما نهاهم اللّه عنه من الكفر والعناد والنفاق والمعاصي، فإن العصيان مستقرّ في أنفسهم، فديدنهم العناد، وطبعهم الكذب، ولو ردّوا إلى الدنيا لأنكروا مرة أخرى البعث والحساب والجزاء، ولم يؤمنوا بالآخرة، وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط، نعيش ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، ولا ثواب...

(٢.٣ حال المشركين أمام النار (الأنعام: ٢٧-٢٩


...ولا عقاب في الآخرة، بل لا آخرة أصلًا، ((وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)) ، أي: ما هذه إلا الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها، وهؤلاء هم الماديون الملحدون الذين لا يؤمنون بالغيب.