(١.٣ موقف المشركين من القرآن (الأنعام: ٢٥، ٢٦


لغويات
((أَنْ يَفْقَهُوهُ)) تقديره: كراهية أن يفقهوه، فحذف المضاف، وقيل: تقديره: لئلا يفقهوه.
((أَساطِيرُ)): قيل: واحدها: أسطورة، وقيل: إسطارة، وقيل: هو جمع الجمع واحده: أسطار، وأسطار جمع: سطَر بفتح الطاء، كجمل وأجمال.
((وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا)): عبر بالأكنة في القلوب، والوقر في الآذان، وهو تمثيل بطريق الاستعارة؛ لبيان إعراضهم عن القرآن.
((يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا)): وضع الظاهر موضع الضمير؛ لتسجيل الكفر عليهم.
((يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ)): بينهما جناس ناقص.

سبب النزول
سبب نزول الآية (٢٥) ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ...)): قال ابن عباس: إن أبا سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية وأبيًّا ابني خلف استمعوا إلى رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟
قال: والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك شفتيه يتكلم بشيء، وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأُوَل، وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.

(١.٣ موقف المشركين من القرآن (الأنعام: ٢٥، ٢٦


سبب نزول الآية (٢٦) ((وَهُمْ يَنْهَوْنَ...)): روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- ويتباعد عما جاء به.
وأخرج ابن أبي حاتم أنها نزلت في عمومة النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر.
قال مقاتل بعد ذكر رواية الحاكم: وذلك أن النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- كان عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يردون سؤال النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- فقال أبو طالب: واللّه، لا وصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر، وقرّ بذاك منك عيونا
وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبّة لوجدتني سمحا بذاك مبينا فأنزل اللّه تعالى ((وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ...)) الآية.

علاقة الآيات بما قبله
لما بيّن اللّه تعالى أحوال الكفار في الآخرة، وما يكونون عليه من اضطراب، فمرة ينكرون الشرك وأخرى يقرون به، أتبعه هنا بما يوجب اليأس من إيمان بعضهم.

(١.٣ موقف المشركين من القرآن (الأنعام: ٢٥، ٢٦


المعنى العام
من هؤلاء الكفار فريق يأتي ليستمع إلى قراءتك القرآن، والحال أنه لا تجزي عنهم شيئا، ولا يستفيدون شيئا؛ لأنا قد جعلنا على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوا القرآن، وفي آذانهم ثقلا أو صمما عن السماع النافع لهم، كما قال تعالى: ((وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً)) [البقرة: ١٧١]، أي: إن إقامة الحواجز دون فهم القرآن وقبوله وتدبر معانيه كان بسبب التقليد الأعمى، وإعراضهم الناشئ عن تصميمهم على ألا ينظروا فيما يسمعون نظرة تأمل وإمعان؛ ليميزوا بين الحق والباطل.
وهذا ما قررته الآية التالية: ((وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا)) أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين لا يؤمنوا بها، فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كما قال تعالى: ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)) [الأنفال: ٢٣].
حتى إنهم إذا جاءوك يحاجونك ويناظرونك في الحق، وفي دعوتك قالوا: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم، وما هو إلا نوع من الترهات والخرافات والقصص الأسطورية، التي تُحْكَى لتشغل أذهان العامة.
وهم بالإضافة إلى تكذيبهم للنّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق الرسول -صلّى اللّه عليه وسلّم- والانقياد للقرآن، ويبعدونهم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا ينتفعون، ولا يتركون أحدا ينتفع.
أو أن الآية نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن النّبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- أن يؤذى أو أن يقتل، ويتباعد عن الإيمان به.

(١.٣ موقف المشركين من القرآن (الأنعام: ٢٥، ٢٦


وعاقبة ذلك أنهم ما يُهلكون إلا أنفسهم بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا عليهم، وهم لا يشعرون بذلك، بل يظنون أنهم يضرون رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقد أهلك اللّه أولئك المعاندين الجاحدين، إما في ساحات القتال كبدر وغيرها، أو ببلاء ونقمة خاصة، وسيتبعها هلاك الآخرة، وهذا من معجزات القرآن وإخباره بالمغيبات.