(٢.٢ معرفة أهل الكتاب بصدق النّبي (الأنعام: ٢٠-٢٤


لغويات
((الَّذِينَ خَسِرُوا)) [الأنعام: ٢٠]: إما نعت لقوله: ((الَّذِينَ)) قبله، وإما مبتدأ مرفوع على استئناف الكلام، وخبره: ((فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ))، والفاء جواب.
((وَاللَّهِ رَبِّنَا)) [الأنعام: ٢٣]: ((رَبِّنا)) وصف لقوله: ((وَاللَّهِ))، و((مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)) جواب القسم، و((رَبِّنَا)) اعتراض وقع بين القسم وجوابه.
((الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)) [الأنعام: ٢٢]: فيه إيجاز بالحذف، أي: تزعمونهم شركاء.
((انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا)) [الأنعام: ٢٤]: تعجُّب من كذبهم الغريب.

علاقة الآيات بما قبلها
كانت الآيات السابقة بسبب سؤال موجَّه من المشركين لليهود والنصارى عن صفة النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته، فبيّن اللّه تعالى فيما سبق أن شهادة اللّه على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها.
ثم بيّن في هذه الآيات أنهم كذبوا في قولهم: إنا لا نعرف النبي محمدا -عليه الصلاة والسلام- لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم.

(٢.٢ معرفة أهل الكتاب بصدق النّبي (الأنعام: ٢٠-٢٤


المعنى العام
إن الذين آتيناهم الكتاب في الماضي -وهم اليهود والنصارى- يعرفون أن محمدا -صلّى اللّه عليه وسلّم- نبي وأنه خاتم الرسل، كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن الرسل المتقدمين والأنبياء، فإن صفته في كتبهم واضحة، وإن الرسل كلهم بشّروا بوجود النبي محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- ونعته وصفته، وبلده ومهاجره، وصفة أمته. وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به، وبصحة نبوته.
لهذا كان السبب في إنكار نبوته ما قاله تعالى: ((الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ..))، أي: إن إنكارهم نبوة النبي محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- ناشئ من خسارتهم أنفسهم، مثل إنكار المشركين بعد قيام الأدلة القاطعة على نبوته، فكل من الفريقين أهمل ما يقتضيه العقل والعلم والتاريخ، وآثر المشركون وعلماء اليهود والنصارى الحفاظ على مراكزهم في قومهم وتعصبهم لما عندهم؛ آثروا كل ذلك على الإيمان بنبوة هذا الرسول النّبي الأميّ، الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فهم إن أسلموا فقدوا زعامتهم وتساووا مع بقية المسلمين.
هؤلاء من المشركين وأهل الكتاب الجاحدين الذين خسروا أنفسهم؛ لتعلقهم بحظوظ دنيوية حقيرة، ولضعف إرادتهم، وإهمالهم أخبار الأنبياء السابقين؛ هم الذين لا يؤمنون بنبوة النبي محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- وهم الذين جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على اللّه بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة والبرهان الصحيح، حيث قالوا: لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا، وقالوا: الملائكة بنات اللّه،...

(٢.٢ معرفة أهل الكتاب بصدق النّبي (الأنعام: ٢٠-٢٤


...وكذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحرا، ولم يؤمنوا بالرسول -صلّى اللّه عليه وسلّم- وهذا يدلّ على أن إنكار نبوة النبي محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- خسارة للنفس.
ثم أبان تعالى أن الافتراء على اللّه ظلم للنفس؛ فقال: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى...)) أي: لا أحد أظلم ممن تقوّل على اللّه فادعى أن اللّه أرسله، ولم يكن أرسله، ثم لا أحد أظلم ممن كذّب بآيات اللّه وحججه وبراهينه ودلالاته، ولا أحد أظلم لنفسه ممن زعم أن للّه ولدا أو شريكا.
ويلاحظ أن المشركين جمعوا بين التكذيب على اللّه، والتكذيب بآيات اللّه الدالة على التوحيد، وعلى إثبات رسالة النّبي محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم.
وعاقبة الظلم هي عدم الفلاح، فلا يفلح المفتري ولا المكذب، ولا يفوز أحدهما أو كلاهما.
وزيادة في الملامة والتبكيت، يسأل المشركون المفترون يوم القيامة سؤال توبيخ وإنكار، فقال تعالى: ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ...)) أي: واذكر يوم نحشر أولئك المشركين جميعا، سواء عبدة الأوثان أو أهل الكتاب، وكل من ظلم نفسه وغيره، ثم نقول للذين أشركوا -وهم أشدّ الناس ظلما: أين الشركاء من الأصنام والأنداد المعبودة من دون اللّه، التي كنتم تزعمون في الدنيا أنهم أولياؤكم ونصراؤكم من دون اللّه، وأنهم يقربونكم إلى اللّه زلفى ويشفعون لكم عنده؟! أين هم، فلا يُروْن معكم؟!

(٢.٢ معرفة أهل الكتاب بصدق النّبي (الأنعام: ٢٠-٢٤


كما قال تعالى: ((وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)) [القصص: ٦٢]، وقال تعالى: ((وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)) [الأنعام: ٩٤].
ولكنهم يحارون فلا يجدون جوابًا مقنعًا، فيبادرون إلى إنكار الشرك: ((ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ...)) أي: لم تكن عاقبة شركهم أو كفرهم، أو لم تكن حجتهم أو قولهم عند اختبارنا إياهم إلا أن أقسموا باللّه يوم القيامة: ما كنا مشركين.
سئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: ((وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)) [النساء: ٤٢] فقال: أما قوله تعالى: ((وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ)) فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا لنجحد ((قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ))، فختم اللّه على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم ((وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)).
أي: إنهم في الحقيقة يعترفون بواقعهم، وفي الظاهر وحال التخبط في الإجابة ينكرون الشرك، فتارة يكذبون وتارة يصدقون، وذلك كله بسبب الدهشة والحيرة.
ما أحرج مواقف المجابهة بالحقائق، فيا له من خزي وعار! وهذا ما قاله تعالى: ((انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ)) أي: تأمل وتعجب من كذبهم الصريح بإنكارهم الشرك!

(٢.٢ معرفة أهل الكتاب بصدق النّبي (الأنعام: ٢٠-٢٤


((وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)): أي: انظر وتأمل أيضًا: كيف ذهب عنهم أو غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الإشراك، حتى إنهم بادروا إلى نفي حدوثه منهم؟! ونظيره قوله تعالى: ((ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا)) [غافر: ٧٣، ٧٤].